«أرض ريغان»... قبل ترامب

كتاب أميركي:

* كما هو الحال مع ترامب، لم يهتم مؤيدو ريغان كثيرًا بجهله في الشؤون العامة... غرتهم جاذبيته، وصوته الجهور، وثقته بنفسه، ووطنيته الحماسية

* ريغان هو الذي رفع شعار: «لنجعل أميركا مرة أخرى عظيمة»

واشنطن: «في البدء كان ريغان»،و«قبل ترمب كان ريغان»هكذا يستدين مؤلف هذا الكتاب عبارات من الكتاب المسيحي المقدس ليصف ظهور اليمين المسيحي في السياسة الأميركية، ودوره في فوز كل من الرئيس رونالد ريغان (1981-1989)، ثم في فوز الرئيس دونالد ترامب (2016)، وتوقع فوزه مرة ثانية (2020).

لكن، لا توجد في هذا الكتاب مقارنة مباشرة بين الرجلين. ولا يتحدث الكتاب كثيرًا عن ترامب. فقط، يوضح خريطة طريق اليمين المسيحي، والتي طبقها في ذكاء علماني علمي.

 

هذه بعض فصول الكتاب:

 

«هاى جيمي كارتر»، «قمة جبل الجليد»، «حقوق الإنسان»، «وضع غير مريح»، «نساء أخلاقيات في مسيسبي»، «الطبقة الوسطى البيضاء»، «حلم السود: الطبقة الوسطى»، «السياسة الدينية»، «الجنود المسيحيون»، «كان كارتر أذكى».

 

بدأ مؤلف الكتاب، ريك بيرلشتاين، حياته صحافيا، ثم صار مؤرخا. وتخصص في التاريخ رغم صغر سنه (كان عمره 30 عاما عندما كتب أول كتبه في تاريخ أميركا). وتخصص في تاريخ اليمين المسيحي (رغم أنه انحدر من عائلة يهودية).

 

كتب أول كتاب عن اليميني المتطرف بارى غولدووتر، الذي ترشح لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الجمهوري عام 1964، وسقط سقوطا مدمرا أمام الديمقراطي لندون جونسون. عنوان الكتاب «قبل العاصفة»لأنه قصد أن اليمين في ذلك الوقت كان سياسيا أكثر منه دينيا. بل كان الدين أبعد عن السياسة حتى بالمقارنة مع القرون الماضية. 

 

كان الكتاب الثاني عن الرئيس ريتشارد نيكسون، تحت عنوان «نيكسون لاند»(أرض نيسكون). لم يكن نيكسون يمينيا، لكنه استغل اليمين. ليس اليمين الديني، ولكن اليمين العرقي الذي لم يخف معارضته (إذن ليست كراهيته) للسود في ذلك الوقت.

 

هذا هو الكتاب الثالث: «ريغان لاند»(أرض ريغان): تحول أميركا نحو اليمين خلال السنوات 1976-1980.

 

من المفارقات أن أميركا لم تكن يمينية، بل حتى لم تكن جمهورية قبل ريغان.

 

في عام 1964، وصل الجمهوريون إلى الحضيض بدليلين:

 

الأول، سحق جونسون غولدووتر بفارق قياسي من الأصوات.  

 

الثاني، فقد الجمهوريون 36 مقعدًا في مجلس النواب.

 

أهينوا بسبب توبيخ الناخبين لآيديولوجية اليميني المتطرف غولدووتر. وتحولت البوصلة السياسية الأميركية نحو الليبرالية، خاصة بالنسبة لحقوق السود.

 

بل إن زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ، إيفريت ديركسن، تحالف مع الديمقراطيين، وخاصة مع عدوه اللدود الرئيس جونسون. (عندما كان جونسون في مجلس الشيوخ، كان زعيم الأغلبية الديمقراطية). وضع التحالف «الغريب المؤقت»قوانين الحقوق المدنية للسود، وقوانين «غريت سوسايتي»(المجتمع العظيم) للفقراء والمحتاجين.

 

مرة أخرى، تحركت بوصلة السياسة الأميركية في الاتجاه المضاد، نحو اليمين:

 

أولا: نجحت خطة نيكسون «ساثيرن استراتيجي»(الاستراتيجية الجنوبية)، أي كسب ولايات الجنوب بشعار «لو آند أوردر»(القانون والنظام)، وهو شعار عنصري مبطن ضد السود (يكرره الآن الرئيس ترامب).

 

ثانيا: فاز الجمهوريون بثمانية من أصل 13 انتخابا رئاسيا، وسيطروا على الكونغرس لفترات طويلة، بعد أن كانوا أقلية خلال كثير من العقود الأربعة السابقة.

 

ثالثا: ركز الجمهوريون على حكام الولايات، وحصلوا على أغلبيات، ليست فقط وسط الحكام، ولكن، أيضا، في المؤسسات التشريعية لولايات كثيرة.

 

رابعا: عين الجمهوريون 15 من 19 قاضيًا في المحكمة العليا.

 

قال الكتاب: «استغل اليمين الجديد، بوقاحة، المشاكل الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، في المجتمع الأميركي. وقبل أن يسيطر على البلاد، خطط ليسيطر على الحزب الجمهوري. وفعلا سيطر».

 

وأضاف الكتاب: «ركز اليمين الجديد على الاستياء العنصري، والقضايا الاجتماعية المثيرة للانقسام، مثل: الإجهاض، وحقوق المثليين، والحقوق الدستورية المتساوية (للرجال والنساء)».

 

وأشار الكتاب إلى قول الزعيم اليميني هوارد فيليبس: «نحن نعتمد على الاستياء لزيادة التأييد لنا»،وإلى قوله عن المثليين: «نحن نريد حماية أطفالنا من أمثال هؤلاء».

 

في ذلك الوقت، ظهرت «مورال ماجوريتي»(الأغلبية الأخلاقية)، بقيادة القس جيري فالويل. من المفارقات أنه كان حليفا للرئيس كارتر (الديمقراطي المتدين). لكنه اختلف معه حول قضايا ليبرالية مثل حق الإجهاض، وحق المثلية القانونية.

 

لم يقارن الكتاب مباشرة بين اليمين الذي تحالف مع ريغان، والذي يتحالف الآن مع ترامب.  لكن، يقدم الكتاب تشابهات واضحة.

 

وقال الكتاب: «طهر اليمين الجديد الحزب الجمهوري من الجمهوريين المعتدلين. وطرد الديمقراطيين من حكم الولايات قليلة السكان، والتي تميل نحو اليمين».

 

مفارقة أخرى، وهي قول الكتاب أن ريغان قدم نفسه كشخص عاطفي ومتفائل، بالمقارنة مع كارتر الذي نظر إليه كثير من الأميركيين كشخص جاد أكثر مما يجب. بينما تحدث ريغان عن «مورنينغ»(الصبح في أميركا)، قال كارتر إن الشعب الأميركي مصاب بمرض «ماليز»(عدم الجدية).

 

مثل ترامب، مال ريغان نحو الأخطاء والأكاذيب: شكك في نظرية التطور البشرى. وقال إن الغابات هي سبب تلوث البيئة بسبب غازات طبيعية تنتجها.

 

لكن، كما هو الحال مع ترامب، لم يهتم مؤيدو ريغان كثيرًا بهذه الأخطاء الفادحة، أو بالجهل في الشؤون العامة. غرتهم جاذبيته، وصوته الجهور، وثقته بنفسه، ووطنيته الحماسية.

 

وأخيرا، وليس آخرا، ريغان هو الذي رفع شعار: «ميك أميركا غريت أغين»(لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى).