محمد عبد الوهاب: صوت أم كلثوم هو «عاصمة الأصوات»

موسيقار الجيلين يفتح قلبه لـ «المجلة»... (2من 2)
* أدخلت الهارموني بعدما أدخلت الآلات الغربية على الموسيقى العربية ... وفي «لا مش أنا اللي أبكي»أدخلت الأورغ والأوكورديون الذي أخضعته لربع المقام لأول مرة في تاريخ الموسيقى العربية في «قالوا لي هان الود عليه»
* حطمت عبودية الناس للصوت البشري فتعلقوا بالموسيقى
* الشعب أيام زمان كان مدرسة تعلم المغني
* عبدالوهاب أول من أدخل في الأغنية وأثناء سير اللحن الحوار أو الكلام الدارج كما في أغنية «حكيم عيون»

تنشر «المجلة» في هذا العدد الجزء الثاني من حوار خاص أجرته الدكتورة سهير عبد الفتاح زوجة الشاعر المصري البارز أحمد عبد المعطي حجازي، مع الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب. 
والدكتورة سهير عبد الفتاح تخرجت في المعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة. وواصلت دراستها في جامعة السوربون في باريس حيث حصلت على الدكتوراه، وكان موضوع رسالتها: «مجتمع القاهرة من خلال أغاني سيد درويش»،وفيما يأتي الجزء الثاني والأخير من الحوار مع الفنان الكبير عبد الوهاب.
* أظن أنك أول من أدخل في الأغنية وأثناء سير اللحن الحوار أو الكلام الدارج كما في أغنية «حكيم عيون»التي غنيتها مع راقية إبراهيم؛ «علشان تحرمي تأكلي جلاس وتدوبي في قلوب الناس»...
- هذا الأسلوب ماكنش موجود في الغناء العربي، ما كنش المغني يتكلم أبداَ، كان يغني بس، أنا اتكلمت. وتوفيق الحكيم قال لي على عهدته إن دي أول مرة يوضع فيها الكلام العادي على موسيقى، قبل الأوروبيين ما يعملوها بوقت طويل. 
 
آلات غربية لأول مرة 
* في هذه الفترة أيضاً نلاحظ بعض التأثيرات الغربية سواء كان ذلك في الآلات أو في أسلوب الأداء؟
في هذه الفترة، فترة الأغاني القصيرة، أدخلت الهارموني بعدما أدخلت الآلات الغربية على الموسيقى العربية في أغنية «في الليل لما خلي»أدخلت الفيولونسيل والكونترباص والكاستنيت، وفي أوبريت «مجنون ليلى»التي غنيتها مع أسمهان في فيلم «يوم سعيد»، أدخلت الهارموني، والألحان عزفتها أوركستراهارموني بآلات غربية كالأوبوا، والكلارينيت والترومبيت والفلوت... إلخ. هذه كانت تجربة مهمة لإخضاع الألحان العربية للهارموني وتأديتها بآلات الأوركسترا الغربية. وبعد هذه التجربة بدأت أدخل الآلات الغربية في الأغاني الخفيفة والمونولوغات في كل أغنية أجرب آلة جديدة. فمثلاً أدخلت في سنة 1930 الأكورديون في أغنية «مريت على بيت الحبايب»يعني قبل خمسين سنة. في «الحبيب المجهول»أدخلت الأوبوا. مع أن هذه الأغنية مونولوغ خفيف، وفي «لا مش أنا اللي أبكي»من 25 سنة أدخلت الأورغ. والأوكورديون الذي أخضعته لربع المقام لأول مرة في تاريخ الموسيقى العربية في «قالوا لي هان الود عليه».


 
* عندما أدخلت هذه الآلات الغربية التي لم يكن لها وجود في الموسيقى العربية ماذا كانت ردود الفعل؟
- في الحقيقة كانت هذه الخطوات فيها كثير من الإقدام والمخاطرة. والبداية دائماً صعبة، وفعلاً قالوها لي: إنك تفسد الموسيقى العربية، وتدخل آلات غيرمستساغة والحقيقة إني كنت أختار آلات رقيقة وحلوة. وقد ثبت أنها مستساغة جداً في الأذن العربية بدليل أنها الآن أصبحت لا بد منها في كل فرقة. الغيتار مثلاً الغيتار دخلته من 42 سنة أوحتى 44 سنة في أغنية «انسى الدنيا وريح بالك».
 
* وماذا عن التأليف الآلي أي الموسيقى الخالصة؟
- لم تكن موجودة في موسيقانا، موسيقى مصرية أو عربية خالصة. أي موسيقى بلا كلام. كان هناك البشرف، لكن البشرف موسيقى تركية وصلتنا من خلال الأتراك زي بشرف عثمان بيه أو جميل بيه.
بدأت أعمل قطع موسيقية خالصة في الوقت الذي كان لا يمكن بيعها لشركات الأسطوانات أو تقديمها في الحفلات لأن شركات الأسطوانات في ذلك الوقت عايزة الأصوات. عايزة صوت محمد عبد الوهاب. وكذلك لا يمكن تقديم موسيقى فقط في الحفلات. بدأت أولاً بقطعة اسمها «فانتازيا نهاوند»ثم قطع أخرى منها«بنت البلد»... إلخ، حتى أصبح هذا عادة وأصبح كل موسيقي يقدم قطعاً من هذا النوع.
 
* في أغنية القمح من فيلم «لست ملاكاً»نلاحظ أن الكورال لعب دوراً هاماً في هذا اللحن؟
- هذا صحيح، في هذا اللحن عملت كورال على مستوى علمي فني صحيح.. في الغناء القديم كان الكورال لا قيمة له «شوية جماعة غير متعلمين شغلتهم الرد على المغني، فكان لازم تنظيف الكورال»لأنه يلعب دوراً خطيراً جداً ولا بد أن يكون له حضوره ومقامه في الأغنية.
 
 




صوت أم كلثوم عاصمة الأصوات 

 

* وألحانك لقصائد نزار قباني وكامل الشناوي؟
- ألحاني لقصائد نزار قباني وكامل الشناوي بدأت مرحلة التعبير الفني المطلق مع أغنية «أيظن»،كان كل ما أرجوه أن تعلو القيمة التعبيرية للأغنية، لحناً وكلاماً. تعلو على كل قيمة أخرى. وفي هذه المرحلة لحنت قصائد نزار قباني، و«لا تكذبي»لكامل الشناوي، كما لحنت فيها أيضاً الأغاني الموضوعية، يعني الوصفية التي تتكلم عن موضوع له أول وله آخر ولا تكتفي بالتعبير عن العواطف كأغنية «ساكن قصادي»وكذلك «لا تكذبي وهي أيضاً قصة».
 
مع أم كلثوم 
أين تضع إذن ألحانك لأم كلثوم؟
- هذه مرحلة مستقلة تماماً وهي مرحلة اعتمادي على أم كلثوم في توصيل الموسيقى إلى الجمهور، لا ألحان الكلمات فقط. وأنما الموسيقى الخالصة أيضاً، إلى جانب ألحان الكلمات، حاولت أن أقدم للناس عن طريق أم كلثوم أكبر مساحة من الموسيقى، ولو حسبت الزمن الذي تستغرقه مقدمة أي لحن من ألحاني لأم كلثوم لوجدت أنه لا يقل عن خمس أو ست دقائق وكذلك موسيقى الفواصل التي تسبق كل مقطع. نستطيع أن نقول إن مساحة الموسيقى في هذه الألحان زادت كثيراً بالنسبة لما كان يحدث قبل ذلك، وخاصة في أغاني أم كلثوم. يعني الأغنية التي تستغرق نصف ساعة، أو ثلاثة أرباع ساعة مثل  «أنت عمري»،و«أمل حياتي»،فيها موسيقى بدون غناء تستغرق حوالي ربع ساعة على الأقل، طبعاً هذا كان بفضل أم كلثوم، وشخصيتها واحترام الناس لها، لأن الجمهور يعرف حدود أدب الاستماع إلى أم كلثوم وينتظرها، فانتهزت هذه الفرصة لأقدم له موسيقى وأحصل للموسيقى على مساحة لم تكن لها من قبل في الأغنية، والآن أصبح كل الملحنين يمشون على هذه الطريقة، والمسألة في الحقيقة ليست لأن الموسيقى أفضل من الغناء. فالغناء أيضاً موسيقى، لكن المسألة في أن تكون الأغنية عملاً متكاملاً وأن لا يكون الإعجاب بالصوت مانعاً من تأليف اللحن كما يجب واحترام أجزائه، سواء كانت موسيقية آلية أو موسيقى مغناة. الآن أصبحت الموسيقى علامة مميزة للأغنية، يعني يمكن معرفة الأغنية عن طريق المقدمة أو موسيقى الفواصل بعد أن كانت الموسيقى لا قيمة لها في الأغنية. أنا حطمت عبودية الناس للصوت البشري.
 
* لكن هل توافقني على أن بعض هذه الخطوات ظلت محصورة في بعض الألحان ولم تنتشر أو تستمر مثل الهارموني مثلاً، فحتى الآن لا نستطيع أن نقول إنها أصبحت عنصراً أساسياً في تأليف الموسيقى العربية؟ 
- لقد أستعملت الهارموني كاملة في أغانٍ كثيرة جداً؛ مثلاً في «أنا والعذاب وهواك»هذه أغنية تؤديها أوركسترا أوروبية كاملة بكل ما في هذه الكلمة من معنى. «قابلته وياريت ما قابلته»أوركسترا غربي وتوزيع غربي بالقدر الذي تستسيغه الأذن العربية.
 
* كيف تتصور حدود الاستفادة من الهارموني في موسيقانا؟
- أرى دائماً أن علينا عندما نلجأ إلى الهارموني أن نحتار وأن لا ننقل كل ما تعلمناه. يجب أن نضع فقط ما نحتاج إليه. يعني أنت تعلمت كثيراً وغيرك تعلم في البلاد التي أطلقت موزار وبتهوفن وتعلموا على موسيقى هؤلاء الفنانين الكبار، تعلموا الهارموني الذي يصلح لتأليف مثل هذه الموسيقى وليس من المعقول أن يطبقوا ما تعلموه في دراستهم لبتهوفن مثلاً على مونولوغ عربي، مستحيل. لا يمكن أبدا، فيه تفاوت كبير بين السيمفونية والأغنية، وبين الجملة والجملة، وبين الأذن الأوروبية والأذن العربية، لكن بعض الشباب الذي تعلم ي أوروبا يريد أن يضع ما تعلمه في الأغنية فتجدينها محشوة بأشياء لا نستسيغها. بالنسبة لي أنا أضع من الهارموني ما يتفق مع اللحن الذي أؤلفه كموسيقي عربي.
 
أزمة الموسيقى
* ما هو تفسيرك للأزمة التي تعاني منها الموسيقى والأغنية الآن؟
- مفيش شك في أن فيه أزمة... هذه الأزمة لها مسببات: أولاً السرعة. كان النبض هادئ وكان إيقاع الحياة هادئ والفن مش سرعة. الفن هدوء وتأمل يعني لو قلنا الفن بطيء أو سريع؟
أقول الفن بطيء لأن الإتقان محتاج لوقت وعامل السرعة الآن عامل ضار ومخل. يعني زمان كنت أنا مثلاً «معملش»في السنة إلا أغنيتين وأم كلثوم أغنيتين وكنا نشتغل في كل أغنية سنة والآن لم يزد عدد الملحنين كثيراً وقاعدة المستمعين عرضت ووجد وسط آخر يختلف عن الأوساط القديمة في التذوق والاستمتاع. القاعدة العريضة حلت محل الصفوة أو بمعنى آخر اشتركت مع هذه الصفوة جماهير أخرى تمكنت من أن تذهب إلى الحفلات وتقتني الكاسيت فأصبح لازم يزيد عدد الأغاني لتغطية حاجات المستمعين. بذلك أصبح الملحن الذي كان يلحن أغنيتين أو ثلاثة في السنة يلحن عشرة فكيف يتأتى له أن يجيد؟ ولذلك فالأغنية تعاني من هذا المناخ غير الصحي.
 
* نلاحظ هذه الأيام وجود أصوات كثيرة تتميز بالفقر وقلة الإمكانيات؟
- العلم له محاسنه وله أضراره فالميكروفون سهل للمغني أن يقعد في غرفة يسمع صوته لمليون لكنه أيضاً أضر بهذا المغني الذي كان لازم يتعب ويربي صوته ويرضي الناس ويسعى إليهم من قرية إلى قرية ومن بلد إلى بلد ويتعلم منهم ويتقن فنه ويغني من غير ميكروفون ويستطيع أن يسمع هذه الجماعات كلها. هذا المغني لم يعد في حاجة إلى ذلك كله. الآن الميكروفون سهل له كل شيء كان زمان الشعب هو مدرسة المغني. أنا لما أنزل للشعب للجمهور وأغني أتعلم وأحصل على خبرة جديدة في كل لقاء. هذه المدرسة مدرسة الشعب  أو الجمهور لم يعد لها وجود، أصبحت غرفة تدخل فيها أي مغنية تسمع صوتها زيها زي أم كلثوم وتفتكر أنها زي ما سمعت صوتها لمائة مليون خلاص بقت أم كلثوم «لا مش كده الفن... مش كده الفن أبداً»الفن هو الإبداع والدراسة والهواية المستمرة «مش المهم إن الإنسان يبدأ هاوي... لأ، المهم ينتهي هاوي».
 
* هل يمكن في هذه الظروف التي شرحتها أن أسألك عن سبب غياب فن الأوبرا والمسرح الغنائي في مصر؟
- في تصوري أنه من الأسباب الأساسية لترقية الفن وجود الأبرا «لازم الأوبرا»لأن الأغاني التي تغنى في «التياترات»، أو«الكباريهات»والنوادي الليلية أو البيوت «حتكون فيها إيه» إلا في الحب والعواطف الدارجة، يعني ليس معقولاً أن يذهب المغني إلى «فرح»ويغني أغنية حزينة مثيرة للهموم.. يقف أمام عريس وعروسة في فرح ويغني في المشاكل والموضوعات الاجتماعية؟ طبعاً لا سيغني أغاني عاطفية خفيفة في الفرح و«افرح يا عريسنا وحاجات من هذا القبيل»،لكن الأوبرا أو المسرح الغنائي شيء مختلف. وسائل التلوين والتعبير فيها وسائل متعددة وكثيرة.
مثلاً افرضي أن هناك رواية فيها عامل يضرب بالمطرقة على الحديد وهو يصهرها ويغني على الرزق على القوة. هذا الكلام يمكن هضمه في رواية، ومن هذه الشخصيات وضمن هذه المواقف، وأنت كمستمعة تشعرين أن كل شيء موضوع في مكانه. لكن عندما تكونين مثلاً في حفلة يصبح المجال غير مجال أغاني العمل أو الوطنية يجب أن تكون أغاني خفيفة عن الهيام والغرام. أقصد أن أقول إن المسرح الغنائي أصبح عنصراً مهماً بما له من إمكانيات أغنى بكثير من إمكانيات الأغنية إنما المسرح الغنائي بحاجة إلى كورال ومطربين ومطربات وملحن. وواحد يطلق الفكرة وآخر يكتب السيناريو والحوار والمخرج وهذه أشياء ليست بسيطة وعاوزة بروفات مش أقل من سنة أو ستة أشهر على الأقل لذلك فالمسرح الغنائي له متطلبات لا يمكن لا يمكن أن يقوم بها شخص أو فرد لأنها تحتاج لإمكانيات مادية ضخمة «ما تقدرش»عليها إلا الدول. ولذلك تجد أن الأوبرا في باريس مثلاً تحت رعاية الدولة. يجب أن يحصل تعاون بين الحكومة والفنانين و«ده اللي وعدني بيه»وزير الثقافة، وقال لي إنهم بصدد بناء أوبرا. 
 
* في أغانيك ما هو العنصر الأهم. اللحن أم صوتك وأداؤك المميز؟
- اللحن هو الأساس، اللحن أشمل وأخلد، بدليل أن اللحن الواحد يغنية عشرة مغنين. إذن اللحن هو الأبقى يعني قد يكون نوعا من التأدية «موضة» في فترة معينة وتنتهي هذه «الموضة»ويأتي مغن آخر يؤدي نفس اللحن تأدية تصلح لزمانه. مثلاً«توني روس» أو موريس شفاليية، طريقتهما في الأداء ليست موضة الآن، لكن ألحانهما يمكن أن تؤدى بطريقة جديدة وتبقى «موضة»وتماشي العصر. إذن اللحن مستمر وباق ويمكن أن يؤدى بطرق متعددة وفي مراحل زمنية مختلفة، لدرجة أن «دلوقتي»الجماعة الغربيين من «كثر» ما أفلسوا من حيث العثور على الموسيقى الجديدة أو على أفكار موسيقية جديدة يلجأون للسيمفونيات القديمة.


 
الخلاف مع أم كلثوم
* يمكن في مجال المقارنة بينك وبين أم كلثوم، طبعاً من ناحية الأداء، أن نقول إن أداء أم كلثوم كلاسيكي له طابع مسرحي، وفي بعض الأحيان له طابع ديني، أو قرآني حتى، وهي تغني أغان وطنية، بينما لأدائك طابع ذاتي أو مدني. هل توافق على هذه التفرقة. وهل هذا هو سبب البعد الذي كان قائما بينكما قبل التعاون الذي بدأ سنة 1964؟
- لا شك أني أنا وأم كلثوم كنا على خلاف في الخط، أم كلثوم تمثل الأدب القديم: الجناس التورية البديع اللغة الفصحى التقليدية الجملة الرصينة.. إلخ، وأنا كنت أمثل الآداب الجديدة: التفكير، التعبير، القصة، أفتح أبوابي على أوروبا وآخذ منها ما أراه صالحاً «لمزيكتي»الفرق بيني وبين أم كلثوم كالفرق ما بين المويلحي وتوفيق الحكيم، هذا أدبه شيء جميل وله قيمة والأول له قيمته أيضاً، لكن هذا له رأي في الأدب وهذا له رأي آخر. ولذلك لم نتفق كثيراً، في البداية أم كلثوم كان لها هذا اللون التقليدي كما قلت وتجدين جمهورها أو «السميعة»يمثلون هذا النوع الناس التقليديون المخضرمون. ولذلك لما لحنت لأم كلثوم ضميت لجمهورها جمهوراً جديدًا من الشباب الصغير.
 
* إذن يمكن أيضاً في مجال المقارنة بينك وبين أم كلثوم أن نقول إن أداءها وبالتالي طريقة التلحين لها كان أساسها العلاقة المباشرة القائمة بينها وبين جمهور القاعة. فألحانها وطريقتها في الأداء تقوم على دوائر مغلقة تتكون منها الأغنية بينما ألحانك وطريقة أداءك أساسها التعبير عن العواطف الذاتية قبل إرضاء الجمهور..
- يمكن أن أشبه أغنية أم كلثوم بالقصيدة التقليدية، وأشبه أغنيتي بالقصيدة الحديثة.. القصيدة التقليدية تعتمد على الجملة أو البيت، والحديثة تعتمد على وحدة الأبيات ككل، أو يمكن القول إن الأغنية عندي قصة: فصل أول، فصل ثانٍ، فصل ثالث. بحيث إني لو «جبت»الفصل الأول في الثاني أو في الثالث تحصل فجوة، هذه هي الحكاية. الأستاذ السنباطي، الله يرحمه، كان عندما يلحن لأم كلثوم كان واضح في هذا. كل بيتين و«تصفيقة»نفس اللحن، يكاد يكون بيلحنه بالتصفيق بتاعه كأنه يقول للمستمع تعالى صفق اللحن عندي لا ينتهي إلا مع نهاية كلام الأغنية. افرضي مثلاً أن أمامي أربعة أو خمسة أبيات من الشعر ألحن الأبيات الخمسة مرة واحدة، لا أقسم اللحن إلى أجزاء منفصلة ولا أنهي تسلسل اللحن إلا في البيت الأخير ما دام الكلام لا ينتهي إلا في البيت الخامس أو السادس أنهي لحني مع نهاية الكلمات.
 
* ما رأيك في صوت أم كلثوم؟
- صوت أم كلثوم هو عاصمة الأصوات. زعيم الأصوات. صوتها فيه زعامة. صوت قوي وحساس وفي العادة لما يكون الصوت قويا يصاحبه ضعف في الإحساس. عند أم كلثوم لا. بالرغم من إن صوتها قوي فهو حساس في نفس الوقت، فيه فرح ومرح وسعادة ثم تكامل المساحة الصوتية. تقدري تقولي إن فيه زقزقات، نبرات، اهتزازات صوتية، عرب يحتاج لها المغني المصري أو المغنية، لأن الغناء المصري يمتاز بالقفلة «الحراقة»التي تنتهي فيها الجملة الغنائية. والقفلة هي الامتحان الأكبر لقدرة المغني أو المغنية، وهنا تظهر قدرات صوت أم كلثوم، سواء في القوة أو الحساسية الفنية في الأداء والقدرة الفائقة في السيطرة على القفلة، بحيث لا يمكن أن تفلت منها أو «تخيب». وهو صوت ذكي له حضور كبير وشخصية قاهرة.  
 
* هل أنت مع المحافظة على التراث أم مع تطويرة؟
- لا أنا مع التطوير. ولكن مع احتفاظي بمحليتي وشخصيتي.. يعني أنا عشان أروح أوروبا أسمعها ألحاني يجب أن أقدم لها الموسيقى ذات الطابع والشخصية المحلية لا أن أقدم لها الألحان الأوروبية الموجودة عندها. لو قدمت الأشياء هذه يبقى «الأوروبيين أحسن» لكن هذه المحلية يجب أن تكون محلية نظيفة. يعني لو كان عندي قصر جميل ورثته عن أهلي و«معمول بالقيشاني والموزاييك ما أروحش أعرض هذا القصر وهو مترب وعليه عنكبوت»لا. أصلحه وأوضبه والزخارف التي بهتت أجددها. وأعمل مشاية في وسط الطريق لأظهر جماله. أنا مع التطور ولكن بشرط أن «أفضل مصرياً»، مثلاً الموسيقى الأسبانية عندما تسمعينها تحكمين عليها أنها أسبانية لماذا لأنهم يحافظون على روحهم وإحساسهم، لا عن طريق الآلات فقط ولكن عن طريق نوع التأليف والتلحين . أنا «نفسي إني أتطور وأكون معايش»للعصر لا أن أكون متأخرا و«يبان عليا إني راجل متخلف»لكن أحب أنه عندما تفتحين الراديو أن تعرفي أن هذه موسيقى مصرية وتقولي إنك في مصر. «بس مش بـ(يالا للي أمان)»