نصر لنتنياهو وفشل لليسار الإسرائيلي

بعد توقيع الاتفاق في واشنطن

* إسرائيل تعتبر قوة تكنولوجية في طليعة الابتكار في جميع أنحاء العالم... وعيون السياسيين على الدولة العربية الخامسة في القائمة

* لا يمكن تجاهل حقيقة أهمية توقيع مثل هذه الاتفاقات لإسرائيل، التي تصبو إلى سلام مع أكبر عدد من الدول العربية واعتبار كل توقيع اتفاقية خطوة إلى الأمام نحو شرق أوسط تحلم به

* يرى إسرائيليون أن مشاركة الجيش الإسرائيلي في تدريب مع الولايات المتحدة والإمارات، قد تبعث برسالة واضحة إلى العالم العربي

تل أبيب: لم تحظ مراسم توقيع الاتفاقات مع الإمارات والبحرين في واشنطن، بالحماس الإسرائيلي الذي كان يتمناه رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو. فعلى وقع خطوات تقدمه نحو شاشات التلفاز العالمية في واشنطن ليرسم صورة نصر له، تمناها منذ سنوات طويلة، كان الإسرائيليون من جمهور وإعلام منشغلين بمراقبة التطورات في بلدات الجنوب، التي تعرضت إلى قذائف فلسطينية أطلقت من غزة وأدت إلى إصابة إسرائيليين وإلحاق أضرار. وفي الوقت نفسه كان المختصون والمسؤولون في الوزارات المختلفة منشغلين في التحضير لدخول إسرائيل إلى حجر كامل بعد تفشي فيروس كورونا وفشل حكومة نتنياهو في السيطرة عليه.

ولكن مع هذا لا يمكن تجاهل حقيقة أهمية توقيع مثل هذه الاتفاقات لإسرائيل، التي تصبو إلى سلام مع أكبر عدد من الدول العربية واعتبار كل توقيع اتفاقية خطوة إلى الأمام نحو شرق أوسط تحلم به وتعد له منذ سنوات طويلة، بالإضافة إلى ما تعتبره إنعاشا اقتصاديا لها، خصوصا في هذه الفترة التي تعاني فيها من أزمة اقتصادية لم يسبق أن واجهتها.

إن سألت شخصية ذات خبرة كبيرة في شؤون الشرق الأوسط والشؤون الأميركية والإعلام الدولي، مثل بروفسور إيتان غلبواع عن مراسم توقيع الاتفاقات في واشنطن فسيقول: «إن هذه الاحتفالات ما هي إلاّ محاولة لتجنيد الرأي العام المؤيد للاتفاقات في أوساط الدول الموقعة، واستهدف عقدها في البيت الأبيض تجسيد الدعم الذي منحته لها الولايات المتحدة والأسرة الدولية في مقابل تخفيف المعارضة الجماهيرية للاتفاقات في العالم العربي وفي إسرائيل وخلق آلية بناء ثقة وتطبيقات كاملة على الأرض».

وبحسب غلبواع فإن مراسم توقيع الاتفاق الأخير سيعظم إنجازا دبلوماسيا ليس فقط لنتنياهو إنما للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويقول: «الاحتفال يفيد نتنياهو لأنه يجسد مكانته الدولية ويصرف الانتباه، مؤقتا على الأقل، عن أزمة كورونا. أما بالنسبة لترامب فقد يساعده قبيل الانتخابات الأميركية لكنه في الوقت نفسه من غير المؤكد أن يعزز الاحتفال مكانة نتنياهو. في البلدين، الوباء والانهيار الاقتصادي أكثر أهمية بكثير من الاحتفال».

 

محادثات بين شركات إسرائيلية وإماراتية

على الرغم من أن نتنياهو اعتبر التوقيع على اتفاقية سلام مع البحرين إنجازا كبيرا لكن الاتفاقية مع الإمارات بقيت الأهم، حيث اعتبارات الأرباح الإسرائيلية من هذه الاتفاقية فاقت من أن تكون «سلاما مقابل سلام».

لقد حرص نتنياهو نفسه قبل توجهه إلى واشنطن على الإعلان أمام الإسرائيليين أن الاتفاقية مع الإمارات ستدخل مليارات الدولارات إلى إسرائيل من خلال الاستثمارات والمشاريع. كما أن هذه الاتفاقية ستنعش خزينة الدولة.

حديث نتنياهو جاء بعد عشرات التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن انطلاق المحادثات بين شركات إسرائيلية وإماراتية لعقد صفقات تجارية في مختلف المجالات حتى إن الاهتمام وصل إلى عيادات التجميل وكيف سيستفيد الإسرائيليون من خبرة العيادات القائمة في الإمارات بل قارن بعضهم بين هذه العيادات والعيادات الموجودة في تركيا، والتي تعتبر مصدر رزق من قبل الإسرائيليين.

مليارات الدولارات التي تحدث عنها نتنياهو لم تتحول إلى عناوين بارزة في إسرائيل، فحسب، بل شغلت بعض المختصين لفحص الخلفية التي تحدث عنها نتنياهو والفروع التجارية التي ستشكل مصدرا رئيسيا لجلب هذه المليارات.

كانت أولى الصفقات التي تعتبرها إسرائيل خطوة ناجحة لإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي بين بنك «العمال» الإسرائيلي (هبوعليم)، وبنك «الإمارات دبي الوطني». تزامن هذا التوقيع وزيارة أول وفد تجاري إسرائيلي إلى الإمارات فيما يجري الاستعداد لزيارة أخرى إلى الإمارات تضم رجال أعمال إسرائيليين.

إحدى الشركات التي اهتمت بمعرفة مصادر هذه المليارات والمستفيد منها هي الشركة الحكومية «أشرا» المختصة فيما تسمى «مخاطر التجارة الخارجية». وتبين لها أن التكنولوجيا، هي في المكانة الأولى ثم الزراعة والمياه وبعدهما الأمن والصحة.

الشركة استطلعت آراء مائة من المصدّرين الإسرائيليين، الذين لديهم مشاريع في مختلف أنحاء العالم والقسم الأكبر منهم بدأ يعد لصفقات مع الإمارات، واهتمت في معرفة مدى طموحهم في الربح المالي من الإمارات.

وبحسب الشركة، فان 44 في المائة من المصدرين المستطلعين يعدون لصفقات تصل قيمة التصدير فيها إلى  10 ملايين دولار، و25 في المائة حتى مليون دولار، و20.2 في المائة  حتى 50 مليون دولار و10.7 في المائة أجابوا بأن هدفهم التصدير بمبلغ يزيد على 50 مليون دولار.

وبحسب المدير العام لشركة «أشرا»، نيسيم بن أيلي، فإن نتنياهو لم يبالغ عندما ذكر مبلغ مليارات الدولارات، وقال: «الحديث عن إمكانية التصدير بعدة مليارات من الدولارات التي ستدعم الاقتصاد الإسرائيلي، حيث إن الطلب الإماراتي الأكبر على التكنولوجيا والمنتوجات والخدمات الإسرائيلية نابع من  أن إسرائيل تعتبر قوة تكنولوجية في طليعة الابتكار في جميع أنحاء العالم».

لدى تناول الإسرائيليين لهذا الجانب تطرقوا إلى المبالغ الطائلة التي ستحصل عليها إسرائيل من عائدات الضرائب للدولة، بحيث ستكون الشركات الإسرائيلية قادرة على العمل والاستثمار في هذه الأسواق الجديدة، التي ستؤدي إلى زيادة دخل الشركات الإسرائيلية وسيتم دفع ضرائب مقابل ذلك. كما ستمول الشركات رواتب العمال في إسرائيل والمدفوعات للمزودين، مما سيزيد الضرائب من ضريبة الاقتطاع وكذلك ضريبة القيمة المضافة من نفقات الشركات الإسرائيلية.

 

الأمن والرغبة الإسرائيلية

وفي وقت يركز فيه الإسرائيليون على الصفقات التجارية وضمان الربح المالي، تطرق أمنيون وعسكريون إلى الجانب الأمني في محاولة إلى جعله هاما كغيره من المجالات التي يتم الاستثمار بها، ووضعوا إيران، حيث لا يمكن تجاهل جهودها ونشاطها. وقد استغل هؤلاء التدريبات العسكرية «IRON UNIO» التي يجريها الجيش الأميركي مع القوات البرية الإماراتية منذ سنوات، إذ يرى الإسرائيليون أن هذه التدريبات توفر فرصة واعدة جدير بإسرائيل المشاركة بها.

وقد دعا البعض متخذي القرارات إلى فحص إمكانية المشاركة الإسرائيلية في التدريبات المقررة قبل نهاية السنة الجارية. وبحسب هؤلاء يمكن لضباط الجيش الإسرائيلي المشاركة في التخطيط والتدريب نفسه، كما يمكن لوحدة مدفعية تابعة للجيش الإسرائيلي المشاركة في تدريب بالذخيرة الحية، بينما يمكن لوحدات وأنظمة جمع المعلومات الاستخبارية المشاركة ودعم الجهود لإظهار صورة ساحة المعركة. أما في حال رأت الولايات المتحدة والإمارات أنه من السابق لأوانه تعاون بهذا النطاق، فإن ضباط الجيش الإسرائيلي قادرون على المشاركة في التدريب بمهمة مراقبين، إذ يمكن أن تشكل هذه الخطوات الأولية أساسا لتعاون عسكري لدولة عربية مع الجيش الإسرائيلي، الذي يمكن أن يتسع نطاقه كل سنة، بما في ذلك ضد العدو المشترك، جمهورية إيران الإسلامية، بحسب الإسرائيليين.

 

وما هي فوائد مثل هذه المشاركة؟

يرى الإسرائيليون أن مشاركة الجيش الإسرائيلي في تدريب مع الولايات المتحدة والإمارات، قد تبعث برسالة واضحة إلى العالم العربي: كيف سيرتفع مستوى الأمن في الإمارات نتيجة لاتفاقية السلام مع إسرائيل. وقال العميد في الاحتياط، يعقوب نيجل، وهو الرئيس السابق لطاقم الأمن القومي الإسرائيلي إن مثل هذه المشاركة ستضع حدا للترويج العربي «الوهمي»، على حد تعبيره، بأن إسرائيل وليس طهران تشكل تهديدا للأمن، مضيفا: «إذا ما تم ذلك ستزداد الفرص بأن تحذو دول عربية أخرى معتدلة في الخليج والمنطقة حذو الإمارات في صنع السلام مع إسرائيل. كما أن مثل هذا التدريب المشترك سيتيح إمكانية بناء وخلق علاقة ثقة بين الطرفين».

 

فشل اليسار

في جانب آخر استحوذ اهتمام الإسرائيليين بعد التوقيع الرسمي في واشنطن على الاتفاقية. هناك من اعتبر الاتفاقية فشلا ذريعا لليسار الذي لم يتخذ خطوات جريئة لتحريك عملية السلام مع الفلسطينيين وتجاوز هذه الأزمة من خلال هذه الاتفاقية. وهناك من اعتبر اليوم الذي تم فيه التوقيع على الاتفاقية في واشنطن بمثابة يوم أسود لليسار والوسط الإسرائيليين ودعاهما إلى إعادة صياغة موقفهما بالنسبة للنزاع وعرض برنامج سياسي شجاع وإقناع الجمهور الإسرائيلي بأهمية مثل هذه الخطوة.

وبحسب الخبير في شؤون الشرق الأوسط، تسفي برئيل، فإن السلام بين إسرائيل والإمارات ومن ثم البحرين، هو سلام تاريخي، مضيفا: «أولئك الذين ينتقدون اتفاقات السلام الجديدة، ويقولون إنها تضر باحتمالية السلام مع الفلسطينيين، يمكنهم الهدوء. احتمالية السلام هذه لم تكن كبيرة حتى قبل ذلك. فقد ضعفت أكثر فأكثر لأن اليسار والوسط لم ينجحا في تشكيل حكومة».

وعاد الإسرائيليون إلى الاتفاقيات السابقة، وبرأيهم «في اليسار واليمين نسوا أن السلام مع مصر أحدث الصدع الأول في الرؤية حول السلام مع الفلسطينيين. لكن في حينه ظهر هذا كحدث لمرة واحدة، الذي دفعت مصر في أعقابه ثمنا باهظا بسنوات المقاطعة التي فرضت عليها من قبل الدول العربية. وبعد ذلك جاء الاتفاق مع الأردن، والسفارة في موريتانيا، والممثليات في المغرب، وقطر، وتونس، وحتى سوريا أجرت مفاوضات مع إسرائيل».

في هذا الجانب يقول برئيل إنه «يمكن فهم خيبة الأمل بين اليسار والوسط، لكن ليس بالضرورة تبنيها. دول الخليج التي وقعت والتي ستوقع على اتفاقات سلام مع إسرائيل لا تنفي وجود المشكلة الفلسطينية، لكنها تلغي العلاقة بين السلام العربي الإسرائيلي وبين حل النزاع مع الفلسطينيين. وبخطوتها الجريئة قررت هذه الدول أن المشكلة الفلسطينية هي مشكلة لإسرائيل. هي مستعدة للمساعدة على حلها، لكنها غير مستعدة للبقاء كذريعة لعدم استعداد إسرائيل للتفاوض مع القيادة الفلسطينية».

وفي نصيحة قدمت لليسار والوسط تمت دعوتهم إلى التوقف عن انتقاد الاتفاقات مع الدول العربية: «على اليسار والوسط صياغة موقفهما من جديد بالنسبة للنزاع، وعرض برنامج سياسي شجاع يقنع الجمهور».