على الولايات المتحدة دعم النجاح بدلاً من تبديده

تهديد الإرهاب مستمر
* استغلّ داعش انشغال الحكومة العراقية بمكافحة جائحة كورونا وغياب إعادة إعمار المناطق السنيّة الداعمة لها بعد الحرب، رغم خسارته لعددٍ كبيرٍ من قادته
* تضمّ حركة «بوغالو»تحالفاً هشّاً من مؤيّدي حمل السلاح ومن أشخاص يصنفون أنفسهم كمؤمنين بالتفوّق الأبيض وآخرين يدعمون حركة «حياة السود مهمة»، بالإضافة إلى مجموعة «أنتيفا»
* يتقدّم دُهاة التقنية من الإرهابيين على القانون والسياسات دائماً بخطوة، ولا شكّ أنّ هذه المشكلة ستزداد سوءاً في المستقبل
* فاجأت جائحة كورونا الولايات المتحدة وأثبتت أنّها تحدٍ على قدر استثنائي من الصعوبة
* على الدولة أن تحسب المخاطر بوعي مع التركيز على الخطر المتنامي واتخاذ الخطوات الحذرة التي تحدّ منه إذ لم يختف الإرهاب، بل أصبح أكثر تعقيداً ممّا كان عليه قبل 20 عاماً

مع مرور السنوات وتحوّل أحداث 11 سبتمبر (أيلول) إلى ذكرى من الماضي، يصبح تجاوز موضوع الإرهاب أسهل على الولايات المتّحدة الأميركية، ولا سيّما بعد ظهور كوفيد-19، الجائحة التي تقتل كلّ بضعة أيّام أميركيين أكثر من الذين قتلوا في الهجمات التي وقعت عام 2001. ولم يتعرّض الأميركيّون منذ ذلك اليوم المشؤوم لاعتداء إرهابي واحد ناجح تديره أطراف خارجية، فضلاً عن أنّ الاعتداءات التي يرتكبها المسلمون المتطرّفون المحلّيون تراجعت أيضاً. ومرّت عدّة سنوات على الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم داعش في باريس وبروكسل. وتعيش منظّمة ما يسمّى بالخلافة في حالةٍ من الخراب في العراق وسوريا. 
ولكنّ من الضروري أن نتذكّر دائماً أنّ كلّ ما حصل ليس وليد الصدفة. ففي آخر عقدين من مسيرتي المهنية التي دامت 42 عاما في دوائر الاستخبارات الأميركية، ومن موقعي اليوم كمدير بالإنابة للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، رأيتُ أنّ الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، كانت ولا تزال استثنائية. وتعتبر الحملة التي شنّتها الولايات المتحدة أعلى مستوى تأهّب سجّلته البلاد منذ الحرب العالمية الثانية في مواجهة تهديد عابر للحدود، وانخرطت فيها الحكومة والمجتمع وحتّى العالم أجمع. فقد نقلت الولايات المتحدة المعركة إلى الخارج وكشفت عدداً لا يعدّ ولا يحصى من قادة الإرهابيين وقضت عليهم واستخدمت أنظمةً متطوّرة لمنع الإرهابيين من التسرّب إلى البلاد وصعّبت الأوضاع الداخلية لشلّ حركة الإرهابيين الموجودين في الداخل. وعملت أيضاً مع القطاع الخاص على جعل الفضاء السيبراني والشبكات المالية منصات غير مرحّبة بالإرهابيين وشاركت المزيد من المعلومات مع عدد أكبر من الشركاء في الداخل والخارج.
يجب على الأميركيين أن يفكّروا مرّتين قبل التراجع عن أيٍّ من هذه الخطوات لأنّ خطر الإرهاب بات أكثر تنوّعاً وانتشاراً من قبل. فبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، تدفّق الخطر مباشرة من جماعة القاعدة التي تنشط بالقرب من الحدود الأفغانية- الباكستانية. واليوم، وعلى الرغم من تراجع سطوة المجموعة بشكل ملحوظ، لا تزال خمس من أدواتها تعمل حول العالم. بدوره، أعاد داعش ترتيب صفوفه بعد خسارته لمنطقته الآمنة وأنشأ أكثر من 20 فرعاً وشبكة تنتشر حول العالم. حتّى اليوم، لا يزال تنظيما القاعدة وداعش يحاولان تهديد المصالح الأميركية. وفي نفس الوقت، يستمرّ الخطر الإرهابي المحلّي في التنامي، ليس من الأشخاص الذين يحملون فكراً إسلامياً متطرّفاً فحسب، بل أيضاً من متشدّدين غير إسلاميين وتحديداً أولئك الذين يؤمنون بتفوّق العرق الأبيض ويتحمّلون مسؤولية معظم هجمات العنف التي ضربت الولايات المتحدة مؤخّراً. بمعنى آخر، نحن أمام معركةٍ أطول بكثير. 

 




مقاتل عراقي مع الحشد الشعبي يتفقد موقع هجوم تنظيم داعش على وحدة من القوات شبه العسكرية في المكيشفة، على بعد 180 كلم شمال العاصمة، بغداد في 3 مايو 2020، حيث استغلت فلول تنظيم داعش في العراق الإغلاق  بسبب فيروس كورونا (غيتي)

 


 
تهديد متطوّر
أثبتت المنظّمات الإرهابية أنّها تمتلك قدرة كبيرة على النهوض من جديد. تُمعن «مجموعة الشباب»الشرق أفريقية في قتل الأميركيين في منطقتها رغم تعرّضها لغارات من طائرات مسيّرة، وتشير بعض التقارير إلى أنّ بعضاً من ناشطيها يتلقّون التدريبات. كما يرجّح الطيّارون الذين يعملون هناك أنّ طموح هذه المجموعة قد يتجاوز منطقة نشاطها التقليدية. بدورها، وعلى الرغم من الضعف الذي مُنيت به، دعمت «القاعدة»في الجزيرة العربية لسنوات طويلة ضابطاً راديكالياً في القوات الجوية السعودية أطلق النار وقتل ثلاثة بحّارين أميركيين خلال تدريب في قاعدة بحرية أميركية في بينساكولا، فلوريدا، العام الماضي. وتعرّض فرع الدّولة الإسلامية في العراق والشام للطّرد من جنّته الآمنة في أفغانستان، ولكنّه لا يزال يشنّ اعتداءات منتظمة تستهدف وتقتل أعداداً كبيرة من الناس. وبعد انهيار خلافته، أعادت الدّولة الإسلامية تنظيم صفوفها في سوريا والعراق واستغلّت انشغال الحكومة العراقية بمكافحة الجائحة وغياب إعادة إعمار المناطق السنيّة الداعمة لها بعد الحرب، على الرغم من خسارتها لعددٍ كبيرٍ من قادتها. وينشط داعش اليوم في نصف محافظات العراق وسوريا ويواظب على شنّ المزيد من الاعتداءات المتطوّرة. 
تكلّمنا حتّى الآن عن الإرهاب السنّي فقط. ولكن يخضع حزب الله، المنظّمة الشيعية التي تتخذ من لبنان مقراً لها، للتدقيق الشديد، ومعه الميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران ككتائب حزب الله في العراق، والتي صعّدت نشاطاتها ردّاً على حملة الضغط الأميركية واغتيال اللواء الإيراني قاسم سليماني مطلع هذا العام. وتستهدف هذه المجموعة المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأميركية في العراق بالصواريخ بشكل منتظم. وإذا حصل وتسبّب أحد هذه الصواريخ في إزهاق روح أميركية كما حصل في أواخر العام الماضي، قد تخرج أعمال الجماعة العدائية عن السيطرة. 
ثمّ يأتي خطر الجماعات الإرهابية الناشئة محلياً. تصدّرت المجموعات الإسلامية المتطرّفة لسنوات الأجندة الأميركية لمكافحة الإرهاب... ويعيش هؤلاء في الولايات المتحدة وغالباً ما يتعرّفون على الإسلام الراديكالي عبر الإنترنت. وقد بايع مرتكبو اعتداءات إطلاق النار الجماعي في سان برناردينو- كاليفورنيا عام 2015، وفي أورلاندو- فلوريدا عام 2016، الدولة الإسلامية. ولكن بعد خسارة داعش لخلافته، خف بريقه بين المسلمين الساخطين الذين يعيشون في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن أنّ العمليات الاستباقية الأمنية التي نفذتها الجهات المتخصّة ساهمت في تقليل عدد الاعتداءات التي يقودها الإرهابيون المحليّون.
وخلال السنوات الماضية، شهدت الولايات المتحدة أحداثاً مرتبطة بإرهاب غير إسلامي دون قيادة. لا يزال الأناركيون اليساريون ومناهضو الفاشية، وإلى جانبهم الميليشيات اليمينية المناهضة للحكومة يمثّلون تهديداً جدياً. ولكنّ المخاوف الكبرى تأتي من العنف الذي يمارسه المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض الذين يملكون تاريخاً طويلاً وقذراً في الولايات المتحدة ولا يزالون موجودين بقوّة. فقد كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) أنّ العام الماضي شهد أعلى عدد من القتلى الذين ذهبوا ضحية اعتداءات لم يرتكبها إسلاميون متطرّفون منذ عام 1995 (عندما قُتل 168 شخصاً في انفجار استهدف مدينة أوكلاهوما). كما تشير أرقام منظّمة مكافحة التشهير إلى أنّ 81 في المائة من حوادث القتل المرتبطة بالمتطرّفين عام 2019، ارتكبها متطرّفون مؤمنون بتفوّق العرق الأبيض. أطلق مراقبون كثر على هذه الظاهرة اسم «الإرهاب المحلّي»، إلّا أنّ آيديولوجية تفوّق العرق الأبيض تعكس نزعة عالمية تتجلّى في بيانات إرهابيّي اليمين المتطرّف، مثل أندرس بريفيك في النرويج، وديلان روف في الولايات المتحدة، وبرينتون تارانت في أستراليا، والذين عبّروا جميعهم عن هوس مشترك بمستقبل الأشخاص الذين يتحدّرون من جذور أوروبية. 

 




مناصرو حركة «بوغالو»يسيرون مع المتظاهرين في 25 يوليو 2020 في ريتشموند، فيرجينيا، حيث انضم المتظاهرون في ريتشموند إلى متظاهرين آخرين في جميع أنحاء البلاد للمشاركة في مسيرة الوقوف مع بورتلاند لدعم المتظاهرين من حركة «حياة السود مهمة»في بورتلاند بولاية أوريغون. (تصوير: إيز آموس- غيتي)​

 


وقد أسّس المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض لعلاقات دولية عبر شبكة الإنترنت، ولكنّ طبيعة وعمق هذه العلاقات ليسا مفهومين، وحتّى عدد الاعتداءات التي ارتكبوها في الولايات المتحدة ليس موثوقاً نظراً لقلّة البيانات المرتبطة بهذه الحوادث. لا يوجد قانون أميركي يعاقب الإرهاب المحلّي، ولهذا السبب تتمّ إدانة المشتبه بهم بجرائم أخرى، ما يعني أنّ الدافع الآيديولوجي خلف جريمة معيّنة قد لا يتمّ تعريفه أو تصنيفه. وفي السياق نفسه، لا يمكن إحصاء أعداد المؤمنين بتفوّق العرق الأبيض في الولايات المتحدة لأّنّ هذا الأمر يشبه عدم القدرة على التفريق بين الأشخاص الذين لا يتعدّى نشاطهم المشاركة في مسيرة ما وبين من ينوون ارتكاب جريمة عنيفة. لا يزال التطرّف اليميني حتّى اليوم يُعتبر ظاهرة هامشية، ولكنّها تكبر وباتت تملك أبواقاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويستغلّ هذا النوع من المتطرّفين حريّة التعبير، هذا الحقّ الذي يعقّد الاستجابه للتهديد، حيث يقترح بعض المراقبين أن تبادر الحكومة الأميركية إلى تصنيف بعض المجموعات رسمياً بالإرهابية وإنشاء سجلٍّ يشبه لائحة وزارة الخارجية التي تتضمّن منظمات إرهابية أجنبية. ولكنّ هكذا خطوة قد تثير تساؤلات بعض المجموعات حول قانونيتها، فضلاً عن أنّ المؤمنين بتفوّق العرق الأبيض الذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيٍّ في الآونة الأخيرة لا ينتمون إلى أيّ منظّمات. من جهة أخرى، قد يكون التأسيس لتحرّكات أوسع صعباً في هذا الشأن، لأنّ هذه الخانة الآيديولوجية التوسعية قد تشمل قضايا مختلفة جداً. إذ تضمّ حركة «بوغالو»تحالفاً هشّاً من مؤيّدي حمل السلاح المناهضين للحكومة والذين يسعون لإشعال حرب أهلية، ومن أشخاص يصنفون أنفسهم كمؤمنين بالتفوّق الأبيض وآخرين يدعمون حركة «حياة السود مهمة»، بالإضافة إلى مجموعة «أنتيفا»التي تضمّ ناشطين من اليسار المناهض للفاشية.
تواجه شركات التواصل الاجتماعي تحدياً مشابهاً أيضاً، إذ إنّها تحرص على صون حريّة التعبير ولكنّها في الوقت نفسه، تشعر بالضغط لمراقبة مواقعها وحذف خطاب الكراهية والمحتوى المصنّف إرهاربيا. وفي السنوات الماضية، أحرزت هذه الشركات تقدّماً حقيقياً لجهة القضاء على بروباغندا بعض المجموعات التي صنّفتها الولايات المتحدة منظّمات إرهابية وأبرزها القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام. ولكن في ظلّ غياب هذا النوع من التصنيف في حالة الإرهاب المحلّي، سيصعب على هذه الشركات أن تحدّد المحتوى الذي ستسمح بنشره والمحتوى الذي ستحذفه. تتميّز منصات التواصل الاجتماعي بالابتكار حيث إنّها أحياناً تستخدم لوائح دول أجنبية لتحديد المجموعات اليمينية المتطرّفة واتخاذ القرار المناسب. ولكن بشكل عام، يُطلب اليوم من هذه الشركات أن تقوم بأمر شديد الصعوبة: أن ترسي توازناً بين محاسبة خطاب الكراهية والسماح بالنقاش السياسي، إذ لا شكّ أنّ أيّ قرار تتخذه هذه المنصات سيعرّضها لانتقادات لا مفرّ منها من قبل أيّ جهة سياسية تشعر أنّها مستهدفة.

الوقاية أفضل دواء
منحت معركة الولايات المتحدة مع الإرهاب الدولة الوقت والمساحة الكافيين للتعامل مع الأسباب وليس فقط العوارض، ولكن تبقى أولى مراحل الوقاية من الاعتداءات الإسلامية وغير الإسلامية الجزء الأضعف من أجندة مكافحة الإرهاب، إذ تشير الأرقام وبكلّ موضوعية إلى أنّ عدد الراديكاليين الموجودين اليوم أكبر بكثير ممّا كان قبل 11 سبتمبر (أيلول) 2001. إنّ اعتقال وقتل المزيد من الإرهابيين ليس حلاً عملياً للمشكلة، ولا يبدو أيضاً أنّ نار التطرّف ستحرق نفسها. تحتاج الولايات المتحدة إلى منع الاعتداءات الإرهابية قبل تنفيذها عبر معالجة المظالم التي تبرّر نشوء هذه المجموعات. باللغة العسكرية، يجب تنفيذ هجوم مضادّ على الأزمة. 
يعتبر التطرّف عملية معقّدة يمكن أن تستهدف الأغنياء والفقراء، والمتعلمين وغير المتعلّمين. صحيح أنّ الفقر ليس سبباً للإرهاب ولكنّه يجعل الشعوب ضعيفة أمام التطرّف، وكذلك تأثير سوء الحوكمة وانتهاكات حقوق الإنسان. ويشكّل واقع انتشار عناصر تنظيم داعش في ربع الدول الأفريقية التي يعاني الكثير منها من الفقر والفساد والاستبداد، خير شاهدٍ على استغلاله للفئات الضعيفة والساخطة. يواجه العالم صعوبات كثيرة في تحقيق الوقاية من الإرهاب لأسباب عديدة أبرزها الشكوك التي تدور حول فعالية هذه الوقاية، وبرامجها غير المدروسة والمشاريع التجريبية غير القابلة للتطوّر، والمتابعة غير الكافية ونقص الموارد.
وفي حال فشلت الحكومات في تحضير مزيجٍ من البرامج التي تدعم نشر الرسائل المضادّة وجهود محاربة الراديكالية والتطوّر الاقتصادي والحوكمة العادلة وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تمويل هذه المشاريع بالطريقة الصحيحة، ستستمرّ في خسارة نضالها ضدّ الراديكالية. وقد اتخذ الكونغرس خطوة في الاتجاه الصحيح عندما أضاف عشرة ملايين دولار إلى ميزانية وزارة الأمن الداخلي لعام 2020 لتمويل برنامج منحة يدعم جهود الدولة والحكومات المحلية والمنظّمات غير الربحية في تحديد الأفراد المعرّضين لخطر الانجرار تحت تأثير التطرّف. ولكن هناك المزيد من الخطوات التي يمكن للحكومات القيام بها ويجب عليها القيام بها.
لنقل إنّ الولايات المتّحدة اتّخذت جميع الإجراءات الوقائية، سيبقى هناك بعض الأشخاص المصمّمين على تنفيذ اعتداءات إرهابية، خاصّة وأنّ الوضع تغيّر اليوم وأصبح الإرهابيّون يستفيدون من التطوّر التقني. يستخدم هؤلاء التواصل الاجتماعي لنشر البروباغندا والمعرفة، والتواصل مع بعضهم البعض عبر محادثات مشفّرة، وتمويل عملياتهم بالعملات المشفّرة، وصناعة وثائق سفر احتيالية خادعة للتسرّب عبر الحدود، وتطيير طائرات الدرون للمراقبة وإرسال المتفجّرات، وتعلّم كيف يصنعون الأسلحة وحتّى الأسلحة الكيميائية والبيولوجية منها من خلال الاطلاع على إرشادات متوفّرة عبر الإنترنت.
يتقدّم دُهاة التقنية من الإرهابيين على القانون والسياسات دائماً بخطوة، ولا شكّ أنّ هذه المشكلة ستزداد سوءاً في المستقبل. لنتخيّل الوضع بعد خمس سنوات من اليوم حيث من المرجّح أن تصبح منتجات التشفير الأجنبية متوفّرة بالمئات في الأسواق، وأن تتطوّر الطباعة الثلاثية الأبعاد إلى مستوى يسمح للناس بتحميل وصناعة أسلحتهم الخاصّة. كما قد نصل إلى مرحلة  تصبح فيها مقاطع الـ«ديب فيك»، أي التقنية التي تتيح للأشخاص صناعة مقاطع فيديو مزيّفة ولكن مقنعة، متوفّرة على نطاق واسع... باختصار، لا يمكن للولايات المتحدة أن توقف تطوّر أفكارها عند عام 2020.
إنّ ما ورد أعلاه يرغم الحكومة الأميركية على تطوير وتحديث أدواتها الاستخبارية، لا سيّما وأنّها واجهت في الماضي مفاجآت كثيرة نتيجة تغيّر طموحات المجموعات الإرهابية. في البداية، اعتقد العالم أنّ تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية يركّز نشاطه في الإقليم حتّى دخل عمر فاروق عبد المطّلب إلى التنظيم وحاول تهريب المتفجّرات بملابسه الداخلية على متن رحلة تهبط في ديترويت يوم عيد الميلاد عام 2009. ينطبق الأمر نفسه على تنظيم طالبان الباكستاني والذي حاول المنتمي إليه فيصل شاه زاد تفخيخ سيّارة في ميدان التايمز في العام الذي تلاه. اليوم، على الولايات المتّحدة أنّ تكافح ضدّ عدد أكبر بكثير من الفروع والشبكات والوكالات الإرهابية، الأمر الذي يفرض عليها جمع وتحليل كمٍّ أكبر من المعلومات. ولكنّ هذه المهمّات ستزداد صعوبة في ظلّ انسحاب القوّات الأميركية من أفغانستان والشرق الأوسط ومع تراجع مرتبة مكافحة الإرهاب على لائحة الأولويات الوطنية. 
علاوة على ذلك، ومع تطوّر مهارات الإرهابيين في إخفاء هوياتهم الحقيقية عبر جوازات سفر مزوّرة، يجب على الولايات المتّحدة أن تحدّث أنظمة المراقبة والفحص واعتماد تقنية القياسات الحيوية القادرة على تحديد هوية أيّ شخص وتأكيدها. ومع تزايد كمية المعلومات التي تخفي في طيّاتها بيانات صغيرة مهمّة، على المجتمع الاستخباراتي تحديد أفضل الوسائل التقنية لمعالجة هذه الكميات الهائلة من البيانات (ومن بينها البيانات المتوفّرة على التواصل الاجتماعي). هنا يلعب الذكاء الصناعي دوراً أساسياً ولكن مع مراعاة المخاوف المرتبطة بالقانون والخصوصية. 
يتوجّب على واشنطن اليوم أن تتعاون مع حلفائها والقطاع الخاص والحكومات المحليّة أكثر من أيّ وقت مضى. تتطلّب محاربة الإرهاب الكثير من التعاون، ولكن يبدو أنّ واشنطن تعود إلى المقاربة التي كانت معتمدة قبل أحداث 11 سبتمبر. ففي عصر ما بعد إدوارد سنودن، أصبحت مشاركة المعلومات أصعب مع تطبيق الوزارات والوكالات لإجراءات شديدة تمنع التسريبات. في الوقت نفسه، تدهورت المنظمتان المكلّفتان بضمان تنفيذ نهج أمني شامل عبر الحكومة الفيدرالية بعد أن أوكلت إدارة ترامب المسؤوليات إلى الإدارات والوكالات. يملك مجلس الأمن القومي اليوم خبرات أقلّ مستوى بمكافحة الإرهاب أكثر من أيّ وقت تلا أحداث 11 سبتمبر، كما شهد المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي يضمّ خبراء من جميع الحكومات الفيدرالية، تخفيضا في عديده مع سحب بعض الوزارات والوكالات لعدد من ممثليها منه. 

 




متظاهرون مسلحون يقفون أمام مبنى الكابيتول بولاية بنسلفانيا أثناء التجمع لإعادة فتح الولاية. تجمع المتظاهرون في مبنى الكابيتول لمطالبة الحاكم توم وولف بإعادة فتح اقتصاد الولاية الذي كان مغلقاً بسبب جائحة فيروس كورونا. (تصوير بول ويفر- باسيفيك برس- لايت روكيت، عبر غيتي)

 


 
الخطر والمرونة
تمثّل جائحة كورونا خير تذكير بأهمية تحضير الولايات المتحدة نفسها لمجموعة متنوعة من تهديدات الأمن القومي. وبناءً عليه، من الضروري أن يبقى تهديد الإرهاب نصب الأعين لا سيّما وأنّه سيبقى دوماً التكتيك الذي سيستخدمه بعض الساخطين. وعلى الرغم من كلّ الجهود التي تُبذل، ستستمرّ الاعتداءات وسيموت الناس. ولكنّ الإرهاب لن يكون تهديداً وجودياً في المدى المنظور طالما أنّ الدولة لن تغيّر طبيعتها ولن تبالغ في التفاعل معه. لهذا السبب، على الولايات المتحدة أن تعتمد المرونة في التعاطي مع هذا الخطر.
ولكنّ على الدولة أن تحسب المخاطر بوعي مع التركيز على الخطر المتنامي واتخاذ الخطوات الحذرة التي تحدّ منه إذ لم يختف الإرهاب، بل أصبح أكثر تعقيداً ممّا كان عليه قبل 20 عاماً. ولهذا السبب، تحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ على التقدّم الذي أحرزته وأن تعمل على تطويره أكثر. ويجب على واشنطن أن تجد الوسيلة التي تتيح لها ملاحقة مصالحها في الخارج دون مفاقمة الإرهاب وذلك من خلال الإبقاء على عدد كافٍ من القوى العسكرية في الخارج لجمع المعلومات الاستخبارية وشنّ الغارات والضربات والاستمرار في دعم برامج الوقاية. كما ستحتاج واشنطن إلى تطوير مجموعة أدوات معالجة لجميع أشكال العنف السياسي على الأراضي الأميركية وأن تعترف في نفس الوقت بأنّها تنبع من اتجاهات متجذّرة في المجتمع الأميركي.
وأخيراً، فاجأت جائحة كورونا الولايات المتحدة وأثبتت أنّها تحدٍ على قدر استثنائي من الصعوبة. وسيعمد خطر الإرهاب بالطريقة نفسها إلى امتحان قدرة البلاد على جمع كلّ عناصر القوة الوطنية لمواجهة مشكلة شديدة التعقيد... أي إنّ وقت إعلان النصر لم يحِن بعد.  
 
* نشرت هذه المقالة أولاً على موقع ForeignAffairs.com.