خرافات لبنانية

* هناك من يصر على الأوهام اللبنانية متناسيا التطورات الهائلة التي طرأت على العالم. لذا طالما يتمسك اللبناني بتلك الأوهام فلن يكون هناك أمل بقيام دولة على أسس علمية تدوم، لا خرافية تترنح كل عقد لتهجر بعضا من أبنائها وتقتل بعضهم الآخر.

لطالما عاش اللبنانيون على الأمل في أحلك ظروف حياتهم، وما أكثرها في تاريخهم، أمل لطالما اتكل على أساطير وأوهام لم تتحقق يوما، فظلت مآسيهم تتوالى حتى يومنا هذا. هذه الأساطير التي تبناها اللبنانيون كان لها أثر سلبي على حياتهم، إذا عمت بصيرة المسؤولين عن الحقائق العلمية التي منها ينطلق أي بناء جدي لدولة ما.
لعقود ظن اللبنانيون أن بلدهم همزة وصل بين الشرق والغرب، وأن لا بديل عن هذه الصلة للطرفين، وأن هذا دور لن تنطفئ شعلته. وإن كان لبنان قد لعب هذا الدور في مرحلة بسيطة جدا من تاريخه فرضته ظروف إقليمية، منها ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، ومنها ما له صلة بالدور اللبناني في إمارات الخليج، ومنها ما يتعلق بجغرافية البلد وتعدد وتنوع مجتمعه، إنما كان هذا الدور ظرفيا، فهو اضمحل مع التغيرات السياسية التي طرأت على المنطقة منذ سقوط جدار برلين مثلا، أو التغير الديموغرافي الذي طرأ على بنية المجتمع اللبناني، كما مع التقدم التكنولوجي بحيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هي همزة الوصل بين العالم أجمع. صحيح أن لبنان عاش حالة من الرفاهية استقطب من خلالها السائح العربي والأوروبي والمال الخليجي الذي وجد في قطاعه المصرفي ملاذاً آمناً. لكن الحرب الأهلية أتت لتقضي على كل شيء ويتحول لبنان معها من همزة وصل إلى صندوق بريد أحقاد محيطه وساحة لتصفية صراعاتهم. الرئيس رفيق الحريري حاول إحياء هذا الدور ونجح لفترة قبل أن يُغتال. وها هو البلد اليوم في أسوأ أحواله إذ تعصف به أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية، فيما أبناؤه الشباب يهجرونه. اليوم لبنان لم يعد همزة وصل بل بلد معزول كليا عن محيطه والعالم إذ إنه يخضع لعقوبات جراء سيطرة حزب الله عليه وفرض إرادته على سياساته الداخلية والخارجية. إذن هذه الخرافة لم تأتنا بالكهرباء 24 ساعة يوميا، ولم تحم أموال المودعين في المصارف، ولم تبن اقتصادا متينا ومتنوعا. وهناك من يصر على إدمانها.
الوهم الآخر الذي عاش عليه اللبنانيون وباعوه للعالم هو أن لبنان بلد التعايش. بالمنطق هذا يعني حياة من السلام بين مكونات مختلفة دينيا في حالتنا. في القاموس اللبناني مفهوم التعايش لم يعن يوما عيش المسيحي والمسلم بسلام في جمهورية واحدة، إنما عنى شيئا واحدا، قبول المسلم بحكم المسيحي. ظل المسيحيون يبيعون الغرب هذه الصورة على أنها إنجاز حتى انفجرت الحرب الأهلية عام 75 ليكتشف العالم المعنى الحقيقي لمبدأ التعايش. حاول اتفاق الطائف تصحيح الخلل الذي جعل من المسلم اللبناني ملحقا بالدولة ولكنه أبقى البلد أسيرا حول الطائفية. التعايش ليس نظاما سياسيا يستطيع حماية الإنسان المواطن على أسس العدالة وتحت سقف القانون، إنه مجلس «ملة»في حلة تشبه عصرها. ولكن حتى في المعنى المجازي لفكرة التعايش اللبنانية فإن دول الجوار سبقت لبنان بمجالات، إن كان في انفتاح بعضها على إسرائيل ونشر مبدأ السلام أو حتى في الدول التي كانت متشددة تجاه غير المسلمين، وأصبحت ترحب وتتقبل اختلافاتهم ولا تنتفض لممارستهم طقوسهم الدينية المختلفة. سقط هذا الوهم أيضا.
هذه الأساطير وغيرها منعت بنيان البلد على أسس علمية سليمة ومستقرة لا تتأثر بشكل أساسي بالمتغيرات المحيطة به، كما منعت البلد من التطور والاستفادة من هذا التعاطف والبناء عليه من خلال تحديد دوره الاقتصادي في المنطقة بشكل يكمل محيطه. كيف يستفيد من قدراته؟ كيف يستفيد من انتشار أبنائه في العالم؟ لم يحدث أي من تلك الأشياء وظلت خيارات البلد اعتباطية، وظل النظام اللبناني ينتج أبشع أنواع السياسيين. فحتى موضوع الغاز، والبلد على حافة الانهيار، لم تكترث الحكومات المتعاقبة بتأسيس البنى التحتية التي ترافق هذه الصناعة ولكي يكون البلد جاهزا للاستفادة بسرعة من تلك المواد الأولية حال توفرها.
هذه المواضيع المهمة ليست مطروحة للنقاش للأسف بين المجموعات المعترضة على النظام القائم. هناك من يصر على الأوهام اللبنانية ويحاول بيعها للغرب، وهناك من يطرح حلولا مستندا على تلك الأوهام، متناسيا التطورات الهائلة السياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي طرأت على العالم. لذا طالما يتمسك اللبناني بتلك الأوهام فلن يكون هناك أمل بقيام دولة على أسس علمية تدوم، لا خرافية تترنح كل عقد لتهجر بعضا من أبنائها وتقتل بعضهم الآخر.