التحقيق الدولي... مرفوض في المرفأ ومرحب به في مصرف لبنان

تصفية حسابات سياسية مع حاكم المصرف رياض سلامة
* حمود لـ«المجلة»:المجلس المركزي هو المخول فعلاً بالتحقيق 
* مرقص: التحقيق يجب أن يشمل الإدارات والمجالس والصناديق
* نجار: أي تدقيق مالي يجب أن يكون وفق القوانين حتى لا ينتهي به الأمر إلى الطعن أمام مجلس شورى الدولة

بيروت: نسي أهل الحكم في لبنان انفجار مرفأ بيروت والتحقيقات الدائرة لمعرفة من تسبب في هذه الكارثة التي أدت إلى تدمير نصف العاصمة اللبنانية وأودت بحياة أكثر من 190 شخصاً، وأكثر من 6500 جريح، وشردت نحو 300  ألف شخص من منازلهم، ولم يعد هم رئيس الجمهورية ميشال عون سوى التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، من أجل تصفية حسابات سياسية مع حاكم المصرف رياض سلامة، ناسياً أنه هو من يقف في وجه الإصلاح ووقف الهدر وحماية الفاسدين، حين يجمد التشكيلات القضائية ويرفض توقيع مرسوم إنهاء خدمات مدير عام الجمارك بدري ضاهر أحد المتهمين بالإهمال في كارثة مرفأ بيروت وحين يلغي توقيع رئيس حكومته ووزير المالية لإحياء مشروع معمل سلعاتا الكهربائي حتى لا يغضب الصهر المدلل جبران باسيل ولا يطالب بالتحقيق في وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان التي كبدت الخزينة اللبنانية نحو 47 مليار دولار منذ سنة 2009 وحتى اليوم والتقنين الكهربائي يعم كل لبنان ولا التحقيق في وزارة المال ووزارة الأشغال العامة وصندوق المهجرين ومجلس الجنوب.
والأنكى من ذلك حين طالبت معظم القوى السياسية باستقدام خبراء دوليين للتحقيق بانفجار مرفأ بيروت عارض الرئيس عون، واعتبر أن التحقيق الدولي مضيعة للوقت وإذ به يصر على التعاقد مع مؤسسات دولية للقيام بتدقيق جنائي في مصرف لبنان.
ونسي رئيس حكومة اللون الواحد حسان دياب كل المآسي التي يعيشها الشعب اللبناني والقطاعات الإنتاجية والمصارف والشركات والقطاع السياحي الذي يعيش في غرفة العناية الفائقة ليهلل ويعلن أن اعتماد التدقيق الجنائي في مصرف لبنان سيكون قراراً تاريخياً في لبنان ويشكّل تحوّلاً جذرياً في مسار كشف ما حصل على المستوى المالي من هدر وسرقات.
 
وبرأي وزير العدل السابق إبراهيم نجار، فإن هناك وجهين لقرار الحكومة بإجراء تدقيق جنائي، الأول سياسي والثاني قانوني، مع تأييده وتأكيده على أهمية إجراء أي تدقيق مالي شرط أن يكون وفق القوانين حتى لا ينتهي به الأمر إلى الطعن أمام مجلس شورى الدولة على غرار ما قد يحصل مع قرار الحكومة الأخير.موضحا ان «الوجه السياسي معروف ويتمثل بمحاولة امتصاص النقمة الشعبية واتهام السلطات النقدية عبر محاولة الالتفاف على الأزمة النقدية وارتفاع سعر صرف الدولار وتفاقم الأزمة الاقتصادية»، مشيرا في الوقت عينه إلى أنه قد يكون هناك هدف لإلصاق التهم بالمصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة لأسباب سياسية، وتجاهل المؤسسات الأخرى ومصادر الهدر الأساسية كالكهرباء والخليوي والمناقصات والصفقات وموازنة وزارة المالية وغيرها.
واعتبر نجار أن «قرار الحكومة يتجاوز دور ديوان المحاسبة الذي تقع عليه مهمة التدقيق بالحسابات العامة كما أنه لا سلطة لمجلس الوزراء على المصرف المركزي الذي يتمتع باستقلالية تامة كتلك التي تتمتع بها المصارف المركزية في معظم دول العالم، خاصة أن حسابات البنك المركزي مرعية بقانون النقد والتسليف وتحديدا المادة 15 منه المعطوفة على قانون السرية المصرفية في لبنان».
ويلفت إلى أنه من البديهي القول: «إن كل تحقيق في حسابات المصرف المركزي والمؤسسات المالية التي تتعلق به تخضع للسرية المصرفية، التي تنطبق ليس فقط على حسابات المركزي وإنما على كل من اطّلع عليها، أي بعبارة أخرى، القرار سياسي بامتياز وإذا أرادت الحكومة تفعيله فعليها تعديل القانون في مجلس النواب، لأن التقنيات التي اعتمدت من شأنها أن تؤدي إلى النيل من صدقية المصرف المركزي».
 
سلامة هدفاً منذ سنة 2017
رغم الضغوط التي مورست ولا تزال على سلامة لدفعه نحو الاستقالة، بعدما فشلت كل محاولات التيار الوطني الحر لإقالته من أجل الإتيان بشخص يسير في فلكهم السياسي باعتبار أن مصرف لبنان هو المؤسسة الوحيدة غير الخاضعة لسلطتهم.
فالعهد الحالي ومنذ سنة 2017 حاول إبعاد سلامة عن الحاكمية وعدم التمديد له من أجل تعيين موظف من أنصارهم يعمل في «فرنس بنك»ويدعى منصور قطيش.
لكن هذه المحاولة فشلت بسبب معارضة بعض الأطراف السياسية المحلية والمؤسسات الدولية، لأن رياض سلامة استطاع منذ توليه الحاكمية سنة 1993 الحفافظ على الاستقرار النقدي والاستقرار المصرفي ويتمتع بسمعة طيبة في المحافل العربية والدولية، لذلك اضطر رئيس الجمهورية وحلفاؤه السير في عملية تمديد ولاية سلامة لمدة 6 سنوات تنتهي سنة 2023.
لكن النائب جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر الطامح لخلافة عمه في قصر بعبدا لم يكن راضياً على هذا القرار الذي قطع الطريق على أحد أزلامه لخلافة سلامة، فقام باختيار بطيش لتولي حقيبة وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة سعد الحريري الأولى، فما كان من هذا الأخير وبعد أن حمل لقب معالي الوزير إلى شن حملة مغرضة ضد سلامة واتهامه بأنه يعمل لمصلحة القطاع المصرفي عبر الهندسات المالية التي ينفذها، وقد استهجنت القوى السياسية هذه الحملة وتنصل منها باسيل وتياره عبر تسريب معلومات بأن حملة بطيش شخصية ولا علاقة للتيار بها. 

 




الدكتور سمير حمود


 
أهل الاختصاص
«المجلة»استطلعت آراء أهل الاختصاص والقانون، والتقت الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود، الذي استهل حديثه بالقول: «ماذا نريد العمل من خلال التدقيق الجنائي؟ يكفي إمعاناً في سمعة القطاع المصرفي ومؤسساتنا المصرفية..». وأوضح أن «التدقيق الجنائي يأتي بعد التدقيق المحاسبي في حال وجدنا أن هناك نوعاً من التحفظ على بعض النقاط».
وأكد أنه «لا يجوز إجراء التدقيق الجنائي في مصرف لبنان من دون تعديل قانون النقد والتسليف وتعديل قانون السريّة المصرفية، وإلا أصبحنا نقوم بما هو خارج إطار القوانين»، آسفاً «لكوننا اعتدنا مع هذه الحكومة ضرب القوانين عرض الحائط، متناسية قانون النقد والتسليف»، وذكّر بأن «البنك المركزي هو ملك الدولة والحكومة والناس»، مستغرباً «هذا الإمعان في ضرب الثقة والسمعة».
وقال: «إن التدقيق يجب أن يقوم به المجلس المركزي لمصرف لبنان وليس شركة أجنبية لأن المجلس المركزي يضم ممثلين عن وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتجارة وهناك شركات عالمية تقوم بتدقيق حسابات المصرف».
واقترح حمود: «الذهاب إلى التدقيق المحاسبي الموسّع والدقيق.. إذا وجدنا بعض النقاط تثير الشبهة، عندها نطلب التعمّق في الموضوع وهناك مؤسسات داخلية تستطيع أن تعطينا الأجوبة دون التوجّه إلى الخارج، علماً أنني لست من مؤيّدي التدقيق الجنائي وأشك في أن الشركة المولجة تستطيع القيام بمهامها من دون التعديل في القوانين».
وانتقد وصف رئيس الحكومة حسان دياب «اعتماد التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بأنه سيكون قراراً تاريخياً في لبنان ويشكّل تحوّلاً جذرياً في مسار كشف ما حصل على المستوى المالي من هدر وسرقات»، وتساءل حمود: «كيف يمكن لرئيس الحكومة استباق الحكم في التدقيق وبأيّ وجه حق؟! ولماذا التدقيق إذن طالما هناك سرقة وهدر إذا كان هناك حكم وبالتالي هناك إجراء؟! وكيف يصدر هكذا كلام عن مسؤول في الدولة؟! وأكد أنه لا يمكن أن «نشطح» بالكلام عندما نتحدث عن القطاع المصرفي.

 




بول مرقص


 
أما من النحية القانونية  في الموضوع، فقد قال المحامي الدكتور بول مرقص رئيس منظمة «جوستيسيا»الحقوقية، في حديث مع «المجلة»،إنه من حيث المبدأ، يذهب التدقيق الجنائي إلى أبعد من التدقيق المعروف بالمستندات والأرقام، وهو مسار يستمر لأشهر، ويصل إلى محاولة اكتشاف عمليات الغش والتزوير واختلاس الأموال العامة في حال حصولها، وذلك يكون عادة تمهيداً لتكوين ملف قضائي جزائي، خلافاً للتدقيق المالي العادي الذي يسعى إلى مطابقة الإدارة المالية مع المعايير المحاسبية.
وتابع: «إضافة إلى ذلك، التدقيق الجنائي يعني التدقيق التشريحي، أي إجراء تدقيق محاسبي يقوم على تحرير الأرقام عن طريق البحث في خلفيتها ومدى مشروعيتها وقانونيتها، بينما يهدف التدقيق المحاسبي العادي إلى التحقق من صحة القيود ظاهرياً من دون التعمق والرجوع إلى خلفيتها».
 
الأموال المنهوبة
وعن دور القانون والقضاء في مكافحة الفساد في لبنان واسترداد الأموال المختلسة، يشير مرقص إلى ضرورة تجميع الاقتراحات وتنسيقها في بوتقة واحدة ربما تكون بموجب قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لجهة إيلاء هذه الهيئة صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة، وتحديد رفع السرية المصرفية لمصلحتها (وليس رفعها بالمطلق كما جاء في اقتراحات القوانين المتفرقة)، وتنزيه قانون الإثراء غير المشروع وفق تعديلات 14 مايو (أيار) 2017، وإلغاء الإذن بملاحقة الموظف من الوزير، إضافة إلى إجراء تسويات تحفيزية من الهيئة المذكورة مع المختلسين، تضمن حقوق الدولة تحت رقابة القضاء.
وأضاف: «ثمة سوابق حديثة عن التعاون الدولي، منها مع تونس (2011) ومصر (2011) وأوكرانيا (2014) وكازاخستان (2008- 2014) والبرازيل (2014)، وقبلها الفلبين من 1986 حتى استرداد الأموال المنهوبة في 1998 بعد صدور عشرات الأحكام القضائية في سويسرا.
 
استرداد الأموال
أما عن استرداد الأموال المهربة إلى سويسرا، فيرى مرقص أن  السياسيين لا يفتحون الحسابات بالضرورة بأسمائهم الشخصية، بل تحت أسماء مستعارة وبموجب كيانات معنوية كالشركات، وأن لدى سويسرا قانوناً خاصاً صادراً عام 2011 معروفاً بقانون دوفاليي، وآخر عام 2015 وقانونPotentate) Money Act)  الذي يجيز تجميد أموال السياسيين الأجانب، فضلاً عن سلطة فيدرالية لمراقبة الأسواق المالية(FINMA)، التي يعود إليها التأكد، مما إذا تم إجراء عناية واجبة على تحويلات المتنفذين الأمنيين والسياسيين (PEPs) للتأكد من أنها غير ناتجة من فساد، فيصار إلى تجميدها بشروط مجتمعة هي لغاية الآن غير متحققة تراكمياً بالنسبة إلى لبنان، (سقوط الحكومة، فساد مرتفع، مصدر أموال جرمي، مصلحة سويسرية عليا).
وفي المقابل، استبعد مرقص أن يؤدي التحقيق المالي الجنائي في مصرف لبنان إلى كشف الجهات التي أوصلت لبنان إلى الانهيار، أو الحقائق المخفية والمخالفات المرتكبة بالمال العام، «وبالتالي يجب علينا انتظار نتائجه من أجل الحكم على مدى فاعليته. كما يجب شموله، عبر خطة واضحة، عدداً أكبر من مؤسسات الدولة والإدارات والمجالس والصناديق، ما يشكل ركيزة رصينة للقضاء لملاحقة المرتكبين، لأن مجرد السير فيه من دون أي استراتيجية واضحة أمر غير منتج».
 
العقبات 
وبرأي مرقص فإن مسار التحقيق الجنائي سيصطدم بالعديد من العقبات القانونية، ويتساءل: «هل تمت العودة إلى قانون النقد والتسليف وقانون إنشاء المصرف المركزي اللذين يمنحانه خصوصية واستقلالاً مالياً وإدارياً واستقلالية أشخاص القانون العام؟ ألا يجب أن يوافق المجلس المركزي الذي يدير مصرف لبنان على هذه التحقيقات في ظل الاستقلالية وهل سيوافق؟».
ويضيف: «كيف سيراعي التحقيق السرية المصرفية التي رفعت حصراً بموجب القانون الصادر في 1956 لمصلحة هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان للاطلاع على الحسابات المدينة فقط لا الدائنة؟ وهل سيطال التحقيق الجنائي لجنة الرقابة على المصارف؟ وهل وجدت الإرادة فعلاً بالتضحية بزبائن الجماعات السياسية في حال التوصل إلى نتائج تصلح كمادة للملاحقة؟ بمعنى آخر: هل ستتم الملاحقة؟ ثم ألن تحمي الجماعات السياسية المحسوبين عليها؟ وأخيراً كيف ستتعاطى النيابة العامة التمييزية مع هذه التحقيقات، وهل ستركن إليها لاتخاذها كمادة أمام القضاء وعلى أي أساس؟».