مستقبل حرية الصحافة في الجزائر

قلق من تنامي اعتقال الصحافيين ونشطاء الحراك بعد سجن درارني
* حقوقيون: الجزائريون في خطر، لا يوجد أمل قضائي ولا قانوني، يجب أن ننتصر جميعاً، ويجب أن ننتفض جميعاً، من أجل جزائر أقوى
«مراسلون بلا حدود»:درارني متهم بانتقاد النظام السياسي عبر صفحته على «فيسبوك» التي يتابعها أكثر من 150 ألفاً، وبنشر بيان لتحالف أحزاب سياسية يدعو إلى الإضراب العام
الأمل الوحيد معلق على عفو رئاسي يصدر عادة قبل احتفال الجزائريين بعيد الثورة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، للسماح للصحافي خالد درارني بمغادرة السجن

 

الجزائر: بعد ترقب لأسابيع، أصدر مجلس قضاء الجزائر الثلاثاء، خلال جلسة الاستئناف حكماً بالسجن على الصحافي الجزائري خالد درارني بعامين من السجن النافذ، ما أثار نقاشاً واسعاً في الوسط الإعلامي والحقوقي، بشأن أبعاد ودلالات وتبعات هذا الحكم، الذي وصفه البعض بـ «الصادم»، كما أثار مخاوف على مستقبل حرية الصحافة والحريات الأساسية بالجزائر مستقبلاً، كما أعاد ملف سجناء الرأي واعتقال نشطاء الحراك للواجهة.
 
الحكم على درارني ليس الأول، بل صدر في10  أغسطس (آب) الماضي حكم بالسجن ثلاث سنوات مع النفاذ وغرامة 50 ألفدينار (330يورو) بحق درارني الذي يشغل مدير موقع «قصبة تريبيون»، ومراسل قناة «تيفي 5 موند» الفرنسية، ومنظمة مراسلون بلا حدود في الجزائر، وحوكم بتهمتي «التحريض على التجمهر غير المسلح والمساس بالوحدة الوطنية»، عقب تغطيته في7  مارس (آذار) في العاصمة مظاهرة للحراك المناهض للسلطة، الذي هز الجزائر لمدة عام، وأطاح بالرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة الذي خطط لولاية رئاسية خامسة، قبل أن يتوقف الحراك بسبب وباء كوفيد-19، وبحسب منظمة مراسلون بلا حدود فهو متهم أيضا بانتقاد النظام السياسي عبر صفحته على «فيسبوك» التي يتابعها أكثر من 150 ألفاً، ونشر بيان لتحالف أحزاب سياسية يدعو إلى الإضراب العام.
 
وبرأ القضاء الجزائري الناشطين السياسيين حميطوش سليمان وسمير بلعربي من تهمة المساس بسلامة الوحدة الوطنية، وحكم عليهما بعام حبساً منها 4 أشهر نافذة عن تهمة التحريض على التجمهر غير المسلح، وكان ممثل النيابة العامة التمس الأسبوع الماضي حكماً بالسجن لأربع سنوات، وغرامات مالية في حق درارني ورفيقيه، وهو التماس يتجاوز الحكم الابتدائي الصادر سابقاً بثلاث سنوات. 
 



 
لوحة تحمل صورة الصحافي خالد درارني

 



 
الحكم الصادر بحق درارني وصفه عضو هيئة دفاعه المحامي والحقوقي عبد الغاني بادي بـ«الصادم»، وأكد بادي في تصريحات لوسائل الإعلام التي تجمعت حوله بعد النطق بقرار الحكم أن «الجزائر في خطر»، وتابع: «الجزائريون في خطر، لا يوجد أمل قضائي ولا قانوني، يجب أن ننتصر جميعاً ، ويجب أن ننتفض جميعاً، من أجل جزائر أقوى، لا يمكن أن يُداس فيها على القانون، ويُداس فيها على القضاء، ويُداس فيها على الصحافة والحريات الأساسية، هذا القرار صادم، وصادم جداً»، وكشف بادي أن هيئة الدفاع ستقوم بإيداع طعن على مستوى المحكمة العليا، لكن هذه الإجراءات حسبما كشفه «تأخذ وقتا طويلاً، وربما تتجاوز العامين، وهي فترة محكومية الصحافي درارني»، ويبقى الأمل الوحيد برأي حقوقيين ومحامين معلقاً على عفو رئاسي يصدر عادة قبل احتفال الجزائريين بعيد الثورة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، للسماح للصحافي خالد درارني بمغادرة السجن.
 
وشكل الحكم صدمة أيضا لعدد من الصحافيين الذين تجمعوا داخل وخارج قاعة المحاكمة، وكان كثيرون يأملون في تخفيف الحكم الصادر بحق درارني، ويستفيد من الإفراج عنه بعد ستة أشهر من توقيفه وإيداعه سجن الحراش بالعاصمة الجزائر، ورفع الصحافيون قرب المحكمة صور الصحافي خالد رافعين شعارات تطالب بالإفراج الفوري عنه، كما شهد دار الصحافة عدة مسيرات احتجاجية وتضامنية مع درارني، وضد القيود الممارسة على الصحافيين ووسائل الإعلام العمومية والخاصة، والتي تنامت بشكل لافت ومقلق منذ تعليق الحراك بسبب وباء كورونا.
 
وخلال محاكمته الأولى التي ظهر درارني فيها نحيلاً، وضعيفاً، وفاقداً للكثير من الوزن، وخلال الجلسة أنكر كل التهم المنسوبة إليه، وأكد أنه قام فقط«بعمله كصحافي مستقل»،ومارس«حقه في الإعلام».وفي باريس قال الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، كريستوف دولوار: «أرادت السلطات الجزائرية أن تجعل منه عبرة لتخويف الصحافيين في الجزائر»،لكنها «جعلت منه رمزا، رمزا للدفاع عن  حرية الصحافة».
 
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال لقاء مع وسائل إعلام في الأول من مايو (أيار)، قد وصف خالد درارني دون ذكر اسمه بـ«الخبارجي» (أي الجاسوس) «لصالح سفارات أجنبية».
 



يسود قلق بالغ في الجزائر من تنامي حالات اعتقال سجناء الرأي ونشطاء الحراك



 
وندّد محامو خالد درارني في بيان له التصريحات «الإعلامية المتكررة للسلطة التنفيذية» التي «تمس بقرينة البراءة وبمبدأ الفصل بين السلطات»،كما استنكروا «الضغط على القضاة».
 
ووصلت قضية درارني إلى هيئات دولية عدة لاسيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والتي أعربت جميعها عن «قلقها»، كما حظي باهتمام كبريات وسائل الإعلام عالمياً.
 
ويسود قلق بالغ في الجزائر من تنامي حالات اعتقال سجناء الرأي ونشطاء الحراك، وبحسب اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين فإن نحو45 شخصا يقبعون خلف القضبان على خلفية نشاطهم ضمن الحراك في الجزائر، وخلال الأشهر الماضية، اتهم صحافيون من قبل النظام بـ«زرع الفتنة» والمساس بالوحدة الوطنية والعمل «لصالح جهات أجنبية».
 
ويوجد العديد من الصحافيين الجزائريين في السجن مثل عبد الكريم زغيلاش، مالك إذاعة تبث على الإنترنت، من مدينة قسنطينة شرق العاصمة، والمحكوم عليه يوم 24  أغسطس بعامين سجنا نافذا بتهمتي «المساس بالوحدة الوطنية» و«إهانة رئيس الجمهورية»، كما تجريم حاكمات أخرى.
 
وتحتل الجزائر المركز 146 ضمن 180  دولة، في مجال حرية الصحافة بحسب تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود لتتراجع 27  مركزا خلال السنوات الخمس الماضية.
 
وفي جنيف دان خبراء في الأمم المتحدة الأربعاء الحكم الذي صدر على الصحافي درارني واعتبروا أن «درارني كان يؤدي وظيفته فقط»، مطالبين بالإفراج عنه. وكتب هؤلاء الخبراء المستقلون الذين يعملون لدى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: «ندين بشدة هذا الحكم بالسجن لمدة عامين بحق صحافي كان يقوم بعمله فقط، وندعو السلطات الجزائرية إلى إلغائه والإفراج عن درارني». وأكد هؤلاء الخبراء أن «هذه العقوبة ما زالت غير مناسبة بشكل صارخ لأن التهم الموجهة إليه تشكل انتهاكا فاضحا لحرية التعبير والتجمع السلمي وتشكيل الجمعيات».
 
 



نافذ
 

 

وبين هؤلاء الخبراء كليمان نيالتسوسي فول المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع وحرية تشكيل الجمعيات، وإيرين خان المقررة الخاصة لتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، وماري لولر المقررة الخاصة لوضع المدافعين عن حقوق الإنسان.
 
وعبر الخبراء عن أسفهم أيضاً لأن السلطات الجزائرية «تستخدم بشكل متزايد قوانين الأمن القومي لمقاضاة الأشخاص الذين يمارسون حقوقهم في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتشكيل الجمعيات»، وخلص الخبراء إلى أنه «يجب أن يطلق فوراً سراح درارني وكل المسجونين الآخرين حالياً، أو الذين ينتظرون محاكمتهم لمجرد قيامهم بعملهم والدفاع عن حقوق الإنسان».
 
المحامي والحقوقي الجزائري مقران آيت العربي اعتبر أن الحكم على درارني انتهاك للحريات، وكتب عبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «حكم مجلس قضاء الجزائر على الصحافي درارني خالد بسنتين من الحبس النافذ، ولم يرتكب أية جريمة يعاقب عليها القانون»، وتابع: «تم إلقاء القبض عليه وهو يغطي مسيرة سلمية بالجزائر كصحافي، ووجهت له تهمتان: المساس بالوحدة الوطنية والمشاركة في تجمهر غير مسلح، فالمساس بالوحدة الوطنية يعني محاولة تقسيم البلاد، وما قام به لا يتعدى تغطية صحافية، والمشاركة في التجمهر لا تطبق على الصحافي الذي يغطي الحدث». ووفق تقدير آيت العربي فإن «درارني خالد معتقل رأي»، مطالباً بـ«الإفراج عنه فوراً».
 
وقالت آمنة القلالي، نائبة مدير المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية تعقيباً على قرار المحكمة، إن «الحكم الصادر اليوم بالسجن على الصحافي خالد درارني هو استهزاء بالعدالة، في بلد يفترض أنه يمر بتغيير سياسي وتحول في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية»، وتؤكد هذه الأحكام وفق القلالي على «القمع الأوسع نطاقاً للحريات في البلاد، كما تؤكد على نمط يثير القلق للمحاكمات التي تستهدف الصحافيين والنشطاء الذين طالبوا بتحقيق المزيد من الديمقراطية واحترام سيادة القانون في الجزائر».
 
وطالبت القلالي في بيان نشر على الموقع الرسمي للمنظمة من السلطات الجزائرية «الإفراج فوراً دون قيد أو شرط، عن خالد درارني وعن معتقلين آخرين».
 
وزارة الاتصال، وبعد أن امتنعت لمدة عن التعليق عن قرار المحكمة بسجن درارني، نشرت بياناً خلال الحكم للمرة الأولى عن درارني لمدة ثلاث سنوات، وجاء في البيان أن «وزارة الاتصال، التي تمتنع عن أي تعقيب على قرار عدالة صادر عن هيئة جمهورية مستقلة من منطلق مبدأ حجية الأمر المقضي»، وبعد التأكد لدى مصالحها المختصة تقدمت بعدة توضيحات أبرزها أن «درارني لم يكن حاملاً أبداً لبطاقة الصحافي المحترف التي ينص عليها قانون الإعلام الصادر في 12 يناير (كانون الثاني) 2012». وأوضحت الوزارة أنها «لم تتلق أي طلب من طرف درارني في هذا الشأن. كما أن المؤسسات الإعلامية التي نشرت تغطياته وتعليقاته لم تقدم طلب الاعتماد وفقاً لما ينص عليه قانون الإعلام».
 
وقدمت الوزارة بالمناسبة توضيحات بشأن الترتيبات التي تنظم عمل المؤسسات الإعلامية الأجنبية بالجزائر، وأوضحت أن بعض «الصحافيين يمنحون أنفسهم صفة مراسلين تلقائيين دون اعتماد وفقاً لما ينص عليه القانون، ويفرضون نوعاً من قانون الأمر الواقع الذي يعرضهم لعدة مخاطر، أولها وليس أقلها ضرراً، هو عدم الاعتراف بهم كمراسلين». وحسب الوزارة فإن «الدول التي وصفت هؤلاء المراسلين لم تكن لتتسامح إطلاقاً مع مثل هذه الممارسات على أراضيها».
 
وأكدت الوزارة أن «سبل الطعن باعتبارها الإطار الأنسب والوحيد لمعالجة عادلة للملف»، وأوضحت أن «للدفاع إمكانية استئناف القرار الصادر عن العدالة في الدرجة الأولى بعيداً عن أي تدخل أو تسييس وبعيداً عن أي تلاعب في قضية لا تتعلق حسب تصنيف الوقائع بالممارسة الحرة لمهنة الصحافي».