حمدوك يضع ثلاثة شروط مقابل التطبيع مع الدولة العبرية

السودان إنجاز إضافي لنتنياهو وحل لأزمة اللاجئين السودانيين في إسرائيل

 
* السلام مع السودان، رغم أنه يأتي في أعقاب السلام مع الإمارات والبحرين، لن يكون مثل سابقتيه الأخيرتين وهو أيضا غير شبيه بالسلام مع مصر والأردن
* أولى المهمات التي يتوجب حلها بين الدولتين إعادة ما لا يقل عن سبعة آلاف سوداني إلى بلدهم. ومثل هذه الخطوة ستسجل إنجازاً كبيراً في تاريخ نتنياهو السياسي
 
تل أبيب: في الوقت الذي كانت الأجواء السياسية والصحية في إسرائيل ملتهبة، في ظل انتشار الكورونا بما لم يعد في قدرة إسرائيل السيطرة على الفيروس، وجد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مما يخفف من حدة أزمة بلاده بعدما اطلق رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، في بيان للمجلس حول ما وصفه الإسرائيليون خطوة إلى الأمام نحو إنجاز سياسي جديد لنتنياهو «البحث في مستقبل السلام العربي الإسرائيلي، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لرؤية حل الدولتين، ودور السودان في تحقيق هذا السلام».
لا يختلف اثنان في إسرائيل أن السلام مع السودان، على الرغم من أنه يأتي في أعقاب السلام مع الإمارات والبحرين، لن يكون مثل سابقتيه الأخيرتين وهو أيضا غير شبيه بالسلام مع مصر والأردن.
ليس فقط كدولة ما زالت في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993، بل لكونها دولة واجهت بعض القضايا والإشكاليات مع إسرائيل، وشهدت العلاقة أزمة متواصلة في ظل تسلل آلاف السودانيين إلى إسرائيل وطلب اللجوء السياسي أو أولئك الذين اعتقلوا وسجنوا في إسرائيل. فهذه واحدة من أكثر القضايا تعقيدا بين البلدين، وكانت أولى القضايا التي تطرق إليها المسؤولون الإسرائيليون لدى إطلاق تصريحات مسؤولين في السودان تؤكد نية السلام مع إسرائيل.
وبالنسبة للمسؤولين الإسرائيليين أولى المهمات التي يتوجب حلها بين الدولتين إعادة ما لا يقل عن سبعة آلاف سوداني، يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، إلى بلادهم في السودان. ومثل هذه الخطوة ستسجل إنجازا كبيرا في تاريخ نتنياهو السياسي.
وإزاء وضعية كهذه أسرع نتنياهو في وقت سابق إلى مهاتفة رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، واعلن أمام الإسرائيليين أنه في طريقه إلى خطوة متقدمة نحو سلام مع دولة لم يكن متوقعا عقد السلام معها. في مهاتفته هذه مع البرهان أبلغ رئيس الحكومة الإسرائيلية بضرورة الاستمرار في تمتين العلاقات.
كما اتفق في اللقاء بين الاثنين على «إطلاق التعاون بين البلدين تمهيدا لتطبيع العلاقات»، على حد تعبير نتنياهو، الذي اعتبره حدثا تاريخيا. في حينه ذكر نتنياهو أن «السودان يسير في اتجاه جديد وإيجابي، فيما يسعى رئيس مجلس السيادة في السودان إلى مساعدة بلاده على اجتياز عملية التحديث، من خلال إخراجها من العزلة ووضعها على الخريطة العالمية»، وبشّر نتنياهو الإسرائيليين بأن دولة السودان ستسمح لإسرائيل بتحليق طائراتها فوق أراضيها وهي في طريقها إلى أفريقيا وأميركا اللاتينيّة.
 
السلام السوداني
قبل أية خطوة رسمية وصريحة حول إمكانية توقيع اتفاقية السلام بين السودان وإسرائيل حرص الإسرائيليون على ذكر العديد من الجوانب التي تشير إلى أن التوقيع ليس إلاّ مسألة وقت.
استبق الإسرائيليون تصريحات مسؤولين سودانيين حول التقدم في عملية السلام هذه. وفي تقرير حول الموضوع جاء أن رئيس الحكومة السوداني، عبد الله حمدوك، وضع ثلاثة شروط مقابل التطبيع مع إسرائيل:

  • حصول السودان على 1.2 مليار دولار من إمدادات الوقود والقمح.
  • حصول السودان على منحة نقدية فورية بقيمة ملياري دولار لدعم الموازنة، وبالتالي تقليص قيمة العجز.
  • الالتزام بمساعدات مالية تقدم للسودان على مدار السنوات الثلاث المقبلة.

لكن إسرائيل لم تكتف بإظهار هذه الجوانب بل وضعت نفسها في مكانة مراقب على التطورات على الساحة السودانية، خصوصا ما يتعلق بالاجتماعات الأميركية- السودانية. وأعلن الإسرائيليون أن الاتصالات بين إسرائيل والسودان لم تتوقف منذ الاجتماع الذي عقد بين نتنياهو والبرهان بل إنها تسير بهدوء كبير. وحتى يسجل نتنياهو إنجازا جديدا أعلن أنه يتفهم شروط السودان بل إنه حث وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، على الاستجابة لهذه الطلبات، خصوصا ما يتعلق بالدعم الاقتصادي.
 
إسرائيل وحيدر صادق
لم تترك إسرائيل جانبا متعلقا في تقدم الخطوات نحو السلام مع السودان إلا وأسرعت لإبرازه وإحراز إنجاز منه. وكان أول السودانيين الذين سعت إسرائيل إلى إبرازهم للتاكيد على التقدم نحو هذا السلام هو الناطق بلسان الخارجية، حيدر بدوي صادق. ففور إعلان الأخير أن بلاده تريد اتفاقا مع إسرائيل، بعد الإمارات أسرعت قناة «كان» الإخبارية إلى التوجه إليه وعلى الفور وافق على إجراء مقابلة معها، كانت الأولى مع وسيلة إعلام إسرائيلية.
وخلال رده على أسئلة مراسل القناة تحدث صادق بشكل صريح، وأصر على ما قاله في تصريحاته، رغم الثمن الذي دفعه جراء ذلك بإقالته من منصبه.
وبحسب صادق لم يكن قادرا على البقاء غير مبالٍ بعد أن طلبت منه وسائل الإعلام المحلية ردا على تصريح وزير الاستخبارات الإسرائيلية، إيلي كوهين، حول الاتصالات بين الدولتين. وشدد في مقابلته مع القناة الإسرائيلية على أن الأهم بالنسبة له أن الموضوع طرح على جدول الأعمال، قائلا: «لا أفهم لماذا هذه الضجة. لقد بدأت السودان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حتى قبل الإمارات. إن التوجه هو السلام مع إسرائيل والدليل هو عدم الإنكار من قبل القيادة بإقامة علاقات معها».
وبالنسبة لحيدر صادق، فإن السلام مع إسرائيل هو الأمر الصحيح بالنسبة لبلاده السودان. وقد أنهى مقابلته بالتأكيد على نيته القيام بزيارة قريبة إلى إسرائيل.
ولم تنته تداعيات هذه التصريحات عند هذا الحد، بل وجد وزير الخارجية الإسرائيلي، غابي اشكنازي، التصريحات مناسبة ليرفع ملف السلام مع السودان إلى أجندة وزارته والإعلام فصرح بأن ما يجري في السودان إنما يدل على تغييرات جوهرية تجري في الشرق الأوسط. وقال أشكنازي: «بالضبط بعد 53 عاما بعد مؤتمر الخرطوم الذي دعت فيه السودان إلى معارضة اتفاق سلام مع إسرائيل». وبحسب أشكنازي فإن وزارته تعمل جاهدة من خلال نشاطات دبلوماسية لخلق فرص هامة في المنطقة مثل العلاقات بين إسرائيل والسودان.
إسرئيل على ثقة بأن الاتفاق مع السودان سيوقع قبل نهاية السنة الجارية. وبالنسبة لها فمثل الاتفاق مع الإمارات والبحرين يظهر نتيجة، طالما انتظرها المسؤولون الإسرائيليون بأن مشاكل العالم العربي لم تعد تتركز في إسرائيل، على حد رأي أكثر من مسؤول إسرائيلي الذين اعتبروا أن هذه النتيجة تؤكد أن التهديد الفوري والملموس هو من جانب إيران وحلفائها في المنطقة. ويقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط، إيال زيسر، إن زيادة عدد الدول العربية الموقعة على اتفاق سلام مع إسرائيل تساعد على تسريع الإنهاء الفعلي للنزاع الإسرائيلي- العربي الذي يترك إسرائيل أمام تحديين هامين وهما، وفق زيسر:

  • المسألة الفلسطينية التي أصبحت عمليا مسألة إسرائيلية داخلية إذ إن عموم الأوراق توجد الآن في يديها، وقراراتها وأفعالها هي التي تحدد أكثر من أي شيء آخر مستقبل العلاقات بين الشعبين من هنا فصاعدا.
  • أما التحدي الثاني فهو إيران، التي يتعلق بها- أكثر مما في فروعها في المنطقة حماس وحزب الله- مدى الاستقرار والهدوء اللذين سيسودان فيها.

ويقول زيسر إن المزيد من السلام مع الدول العربية «يسمح لإسرائيل بأن تصعد إلى الهجوم بعد نضال دفاعي طويل أدارته حيال أعدائها. هجوم كهذا لا يعني مواجهة عسكرية ليس معنيا بها أحد، بل سياسة رد أكثر حزما وتصميما على كل تهديد، سواء كان من لبنان أم من غزة، وبالأساس من إيران».
 




رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان



مصير السودانيين في إسرائيل
في هذه الأثناء يتصدر ملف السودانيين في إسرائيل أجندة جهات إسرائيلية عدة ويجري البحث في كيفية التصرف معهم في حال تم توقيع اتفاقية مع السودان.
يجري الحديث عن حوالي سبعة آلاف سوداني. وقد كشف أن مسؤولين إسرائيليين بدأوا التفاوض حول مصير هؤلاء مع المسؤولين السودانيين في كيفية إعادتهم إلى السودان.
وزير الاستخبارات إيلي كوهين يؤكد أن أية اتفاقية سلام مع السودان ستشمل، أيضا، مصير المتسللين السودانيين. ويقول: «يجري الحديث هنا عن سودانيين وصلوا بشكل غير قانوني وبالتسلل عبر الحدود إلى إسرائيل ووجودهم ما زال يمثل مشكلة، وعليه فإن التوقعات بأن يشمل أي اتفاق سلام بندا حول مصيرهم وكيفية إعادتهم إلى السودان.
أما البروفسورة جاليا تسيفر، مديرة المركز الأكاديمي «روبين» فترفض ما عرضه الوزير كوهين وترى أنه لا يمكن لإسرائيل إعادة السودانيين لأنه لا يجري الحديث عن طالبي عمل كما يقول الوزير إنما على طالب لجوء، ووفق القانون الدولي لا يمكن بأي شكل إعادتهم، مضيفة أن القانون نقي تماما من أي جانب سياسي ويجب عدم تدخل السياسة في الموضوع.
وتحذر من تعرض أي سوداني يعود إلى منطقة سكناه لخطر كبير، مشيرة إلى أن المناطق الأبرز التي سيصلها السودانيون ما زالت تعيش حالة من عدم الاستقرار ويميزها العنف الدائم والمتصاعد.
وتطرقت إلى تصريحات الوزير كوهين بالقول إنه خلافا لأقوال الوزير لا يوجد في العالم كله أي طالب لجوء يعود إلى بلاده فور توقيع اتفاقية السلام.
 
التدخل الإسرائيلي في السودان
في مقابل الجهود الإسرائيلية للتقدم نحو توقيع اتفاقية سلام مع السودان، يجدر التطرق إلى بحث سابق للمركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية حول التدخل الإسرائيلي في السودان والذي تطرق بإسهاب إلى نجاح إسرائيل في إقامة علاقات مع عدة جهات في السودان.
وتبين أن إسرائيل أجرت محادثات بينها وبين حزب الأّمة منذ عام 1954 واستمرت أربع سنوات على الأقل، حيث عقدت العديد من الاجتماعات والاتصالات والمفاوضات في مسألتين أساسيتين: الدعم المالي للحزب من حيث تقديم المساعدة على شكل قروض مالية لتمكين السودان من مواجهة النفوذ المصري فيها إلى جانب مواجهة الأحزاب التي لا تعتبر مصر عدوا لها، كما أن المفاوضات تمحورت حول استثمار إسرائيلي في مشاريع اقتصادية في السودان، على أن تكون المبالغ التي تقدمها إسرائيل كبيرة ومناسبة. وأبرز ما تم اقتراحه أن تشتري إسرائيل القطن على أن تدفع ثمن ما سيتم إنتاجه في غضون ثلاث سنوات، علما بأن القيمة السنوية للقطن تصل إلى مليون ونصف المليون جنيه إسترليني.
وضمن الاقتراحات التي تم تداولها تطوير أراض زراعية جديدة في السودان لزراعة القطن. لكن الجهود لتحقيق ذلك فشلت بسبب التكلفة الباهظة جدا. فجاء اقتراح آخر بإقامة بنك زراعي ووصلت العلاقة بين الطرفين إلى حد سماح السودان بإقامة جهاز للموساد في الخرطوم.
والأبرز في هذه العلاقة هو حرية العمل الإسرائيلي في السودان وما قدمته من دعم لحركة التمرد في جنوب السودان ونجحت تل أبيب في إخضاع هذه الحركة إلى دعم مصالحها.