لبنان إلى أين؟

* لبنان يتجه ليكون غزة ثانية يعيش على المساعدات الدولية، على وقع انقسامات سياسية داخلية لا تهم الغربطالما أنه لا تهديد أمنيا من لبنان باتجاه المنطقة

من البديهي القول إن ما نحن عليه اليوم من أزمات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية إنما هي تراكم لإدارة عشوائية للبلد، عشية انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، تحديدا في التناقض بين مشروع رفيق الحريري الاقتصادي الخدماتي ومشروع حزب الله وحلف الممانعة من خلفه الحربي ضد إسرائيل. هذا التناقض هو تماما كالذي بنى بيته على الرملِ فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، وصدمت ذلك البيت، وكان سقوطه عظيمًا.
لبنان يبدو يوما بعد يوم معزولا ومكبلا، أولا بالعقوبات الأميركية وبعزلة خليجية تعود أساسا إلى التناقض الذي مارسته السياسة اللبنانية واستحالة تعايش مشروعين، شبههما يوما وليد جنبلاط بهانوي ممثلا بحزب الله، وهونغ كونغ ممثلا برفيق الحريري.. انتصرت هانوي وفرضت واقعها على لبنان والمنطقة من سوريا مرورا بالعراق إلى اليمن. واختفت هونغ كونغ التي كانت تستميل العرب والغرب، وانتصرت هانوي التي عادت العرب والغرب. فكانت العقوبات والعزلة.
السؤال الذي يطرحه اللبنانيون على أنفسهم اليوم إزاء الواقع المزري هو: إلى أين يتجه لبنان؟ وما هي الحلول المطروحة التي يمكن ان تنقذه من حالته السيئة؟
هناك من يصر على أن الأمور لا يمكن ان تستمر بهذا الشكل، وأن حزب الله لا يمكن أن يستمر في أخذ لبنان رهينة الصراعات الإقليمية، وأن الضغوطات الاقتصادية ستنفجر بوجه الجميع وتغير من واقع الحال. البعض يظن أن الصراع الأميركي الإيراني قد ينتج عن انكسار الأخيرة، وبالتالي انكسار لحزب الله وسلاحه، هناك من يراهن على المبادرة الفرنسية. طبعا لا أحد يستطيع أن يتصور للحظة أن الأمور يمكن أن تستمر على ما هي عليه.
 
لماذا؟
نحن نقترب من الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الاحتجاجات في كافة المناطق اللبنانية على خلفية اقتراح وزير الاتصالات وقتها محمد شقير زيادة 6 دولارات على فاتورة الخلوي كضريبة غير قانونية وغير محقة لاستعمال تطبيق «الواتساب». هذا القرار كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فلبنان كان أصلا يعاني من أزمات اقتصادية ومالية كانت تظهر في الأرقام الاقتصادية التي وثقتها المؤسسات المالية الدولية وأيضا في التصنيفات الدولية السلبية للمصارف والبلد والتي كانت تؤشر إلى ما وصلنا إليه. تلك الاحتجاجات لم تفض إلى أي نتيجة، التغيير الحكومي لم يقدم أية حلول حتى أتى انفجار المرفأ المهول في شهر أغسطس (آب) والذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص ودمر مناطق بكاملها. بغض النظر عن وجود مسؤولية لحزب الله عن تلك الكارثة، مما لا شك فيه أن ما حصل في مرفأ بيروت يعود لاستهتار الدولة بأمن الناس وحياتهم. كان من المتوقع أن تقوم قيامة الناس وأن لا يهدأ روعها إلا بعد أن تفرض مطالبها بالتغيير وتطبيق شعارها «كلن يعني كلن». لم يحصل، حتى ماكرون نفسه، شكك في قوة هذا الحراك؛ إذ حسب ما قاله لم يلمس وجود قيادة محددة وبرنامج عمل. وها نحن اليوم أمام حكومة تقترحها القوي السياسية التقليدية نفسها المسؤولة عما نحن فيه. هذا يعني أن التغيير من الداخل شبه مستحيل لأسباب عديدة قد تكون أبرز أوجهها انقسام هذا الحراك على بعضه في مسائل تتعلق أساسا بتقييم المشاكل التي تواجه لبنان. الطبقة السياسية مرتاحة ولا تشعر بضغط الشارع وتمارس ترف إضاعة الوقت في فرض شروطها على الحكومة. لا شيء داخلي يجبر حزب الله على تغيير سلوكه إذن كما باقي الزعامات السياسية. هذا المجتمع أصبح مدجنا، يقبل بالأمر الواقع من تضخم في الأسعار إلى هبوط في سعر صرف الليرة وما هنالك من أزمات. 
أما الخارج وفرنسا تحديدا فهي تسعى إلى إبقاء الوضع القائم كما هو. الكثير قيل عن المبادرة الفرنسية، حتى البعض أعطاها مهلة محددة وشروطا معينة اتضح مع الوقت أنها غير موجودة. أو هي أضعف من أن تواجه مطالب الثنائي الشيعي إن كان تمسكه بوزارة المالية أو إصراره بتسمية وزرائه الشيعة. على الأرجح سترضخ فرنسا للأقوى الذي يمكنه المحافظة على الاستقرار في لبنان وتأمين مصالح الشركات الفرنسية.
 
أما فيما يخص اميركا وإيران فقد يطول كباشهما وقد ينتهي إلى حرب بالرغم من تدني هذا الاحتمال، كما أنه من الممكن لهذا الكباش أن يفضي إلى اتفاق يعطي بموجبه إيران نفوذا ما في جنوب العراق ولبنان بعد إزالة أي خطر عسكري عن إسرائيل.
هذه كلها احتمالات طبعا، ولكنها قائمة وأقرب إلى واقعنا اليوم. هذا يعني أن الاحتمال الأقرب إلى الواقع هو أن يبقى الوضع على ما هو عليه. بما أن الضغط الداخلي لن يثمر وبما أن الحراك الخارجي يريد التفاهم مع من يملك مفاتيح الاستقرار، لبنان يتجه ليكون غزة ثانية يعيش على المساعدات الدولية، على وقع انقسامات سياسية داخلية على جنس الملائكة لا تهم الغرب طالما أنه لا تهديد أمنيا من لبنان باتجاه المنطقة.