هل تمهد مصر الطريق لحل الأزمة الليبية؟

بعد لقاء السيسي مع حفتر وعقيلة صالح
* التحدي الحقيقي هو إعمال هذه التفاهمات في أرض الواقع 
* لا توجد قوة متوافق عليها لتنفيذ القانون لأن مؤسسات الشرطة والجيش والقضاء بها انقسام على أرض الواقع  
* لا توجد دولة أقدر على إقناع الليبيين على التوافق والجلوس على مائدة واحدة والوصول ببلدهم إلى بر الأمان غير مصر
* الدور المصري يسعى في إطار التوفيق بين الأطراف الليبية حتى يتم تشكيل حكومة ليبية منتخبة على أسس ديمقراطية بغض النظر عن الأشخاص
* مصر أصبحت على مشارف تحقيق صياغة شاملة للوصول إلى حلول ناجعة تساهم في التقدم إلى خطوة متقدمة جداً للوصول إلى تسوية بين الفرقاء الليبيين

القاهرة: المباحثات الهامة التي جرت خلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس البرلمان الليبي في طبرق عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، والتي تمت في قصر الاتحادية منذ عدة ايام، بحضور رئيس المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، والتي فتحت تطورات الوضع في ليبيا، وجهود كافة الأطراف الليبية لتنفيذ وقف إطلاق النار، باب التساؤلات حول أهمية اللقاء الذي يأتي بعد سلسلة من الحوارات في جنيف، ومدينة بوزنيقة المغربية حول تقسيم المناصب السيادية في ليبيا، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وإعلان رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج اعتزامه ترك منصبه نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وهل تستطيع مصر من خلال هذا اللقاء، إضافة إلى اجتماعات الغردقة التي تضم ممثلين عن الجيش الوطني الليبي، وممثلين عن حكومة الوفاق بهدف الوصول إلى صيغ وتفاهمات تؤدي في النهاية إلى إيجاد حلول ناجعة للأزمة الليبية، حيث يعد هذا الاجتماع الاستثنائي امتدادا لجملة من الاجتماعات السابقة لأنه يدرس آلية فرض الأمن داخل مدينة سرت التي سيتم إخلاؤها من السلاح بينما تبقى قوات الجيش الوطني الليبي على مشارف المدينة، إضافة إلى وضع تصور للقاءات بين الطرفين.
«المجلة»من جهتها حاولت طرح التساؤلات هلى عدد من المتخصصين وأساتذه العلوم السياسية لمعرفة مدى مساهمة الجهود المصرية خاصة بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بطرفي الأزمة الليبية عقيلة صالح، وخليفة حفتر، في تمهيد الطريق لحل الأزمة الليبية.
 
أولوية الحل السياسي في الفترة القادمة
في البداية قال الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي: الأزمة لها أطراف ثلاثة: حكومة الوفاق- المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي- والبرلمان. وبالتالي فإن أي تسوية كانت في الفترة السابقة تشير إلى أن هناك تحالفا، وتطابقا في المواقف بين عقيلة صالح، والمشير خليفة حفتر، وفي الفترة الأخيرة حدث فتور في العلاقة بين المشير حفتر، وعقيلة صالح، نتيجة تقزم المبادرات السياسية، وكما هو معروف فإن المشير حفتر يميل إلى حسم الأمر أولا بطريقة عسكرية، وثبت استحالة هذا التصور، وبالتالي فإن الموقف المصري أصبح قائما على محاولة التقريب بين قائد الجيش الوطني الليبي، ورئيس البرلمان حتى لا تكون هناك فجوة بينهما، ودلالة هذا التقريب ليس فقط لأن هناك مواجهة بين شخصين، ولكن حتى لا تكون هناك مواجهة أو نزاع بين الحل العسكري، والحل السياسي، وأن يكون هناك إقناع للمشير حفتر باستحالة تحقيق الحل العسكري، وهذه الخطوة تقول إن القاهرة تدعم الحل السياسي، وترى أنه لن يستطيع أي طرف حسم الأمر عن طريق القوة المسلحة، إضافة إلى استعادة جانب من خطوط اتصالها بطرابلس (حكومة الوفاق)، ويظل موقف القاهرة ثابتا في رفض التعامل مع العناصر المتطرفة، والإرهابية، وإعادة العناصر الإرهابية المسلحة التي جلبت من سوريا من حيث أتت، والمسألة أن القاهرة تقول من خلال استقبال الرئيس السيسي للطرفين الذين من المفترض أنهما متحالفان أنها تدعم الحل السياسي، والذي يجب أن تكون له الأولوية، وأنه أجريت مباحثات من أجل توحيد مؤسسة الجيش، وتوحيد المؤسسات، واستبعاد العناصر الإرهابية، وأصبح المشهد يقول إن هذه الأطراف هي أطراف رئيسية لا يمكن استبعادها، والشيء المستبعد فقط هو العناصر المتطرفة، والإرهابية. وبالتالي فإن لقاء القاهرة الذي جمع الرئيس السيسي، وطرفي النزاع الليبي ليس لقاء بين اثنين، ولكنها رسالة بأهمية أن يكون الحل السياسي هو الأولوية في الفترة القادمة.
وقال الشوبكي: إن اجتماعات جنيف، واجتماعات بوزنيقة في المغرب والتي سبقت اجتماع القاهرة، هي مسارات متكاملة، فقد حصل اتصال بين وزير الخارجية المغربي، ونظيره المصري، خلال اجتماعات المغرب، وأن مباحثات المغرب لا تتعارض مع مباحثات القاهرة، إضافة إلى مباحثات الغردقة في مصر والتي تمت يومي الأحد والاثنين الماضيين، فهذه مبادرات، سواء اتفاق الصخيرات، أو المباحثات التي جرت في المغرب مؤخرا، أو حوارات جنيف هي لا تتعارض أبدا مع المبادرة المصرية، أو التحركات المصرية الأخيرة، التحدي الحقيقي هو إعمال هذه التفاهمات في أرض الواقع، بمعنى أن التفاهمات التي تحدث فهناك ميليشيات على الأرض، مع غياب مؤسسات الدولة يضع تحقيق هذه التفاهمات أمام صعوبة كبيرة، وهذا تكرر أكثر من مرة، مثلما تم تفعيل اتفاق الصخيرات لفترة من الزمن، ثم تم تجاوزه، وتفاهمات المغرب المتعلقة بالمادة 15، حول المناصب السيادية، ومصرف ليبيا، والرقابة الإدارية، والتوافق على رؤساء الأجهزة والمناصب السيادية السبعة، هناك توافق عليه، ولكن كيف يمكن إعماله في الواقع؟ وهذا هو التحدي، لأنه توجد ميليشيات على الأرض كما أنه لا توجد قوة متوافق عليها لتنفيذ القانون، أي إنه ليست هناك قوة ردع يمكنها تنفيذ القانون، لأن مؤسسات الشرطة والجيش والقضاء، بها انقسام على أرض الواقع، وبالتالي فإن مجهودات القاهرة تنصب على إنهاء حالة الانقسام، كي تتم جميع التفاهمات السياسية على أرض صلبة، ويمكن تنفيذها على أرض الواقع، كما أن مسألة الخلاف حول من يقود مبادرات الشرق الليبي، من هو الشخصية الأولى التي ستمثل الشرق الليبي، هل هو عقيلة صالح ؟ أم حفتر؟ هي مسألة أصبحت مطروحة الآن، وحفتر لا يستطيع أن يقود الحل، ولكن في نفس الوقت لا يستطيع أحد أن يتجاهلة في أي حل سياسي للأزمة في ليبيا، وبالتالي هناك صعوبات أمام القاهرة، لكن لا بديل لأن يقود عقيلة صالح المسار السياسي، فهو الشخص الأنسب للتفاهم، وحفتر لا يستطيع أن يقود الحل السياسي حاليا على ضوء عدم تحمس أطراف دولية عديدة له، وعلى ضوء خبرات سابقة، ولكن لا يمكن تجاهله أيضا في أي حل. 
ويضيف: إذا ما حدث اتساع في الهوة بين حفتر وصالح فلن يحدث ما يقول به البعض من إمكانية تقسيم الأرض الليبية لأنه سيكون أمرا صعبا، وأعتقد أنه يأتي ضمن الخطوط الحمراء، ولا مجال لذلك الطرح، والمهم هو الحفاظ على مؤسسة الجيش الوطني الليبي وتطويرها، بصرف النظر عمن يقود هذه المؤسسة، فإن قائد هذه المؤسسة سيظل شخصًا، إنما الحفاظ على هذه المؤسسة التي تعتبر نواة للجيش الليبي الموحد في الفترة القادمة والتي تضم عددا من الجنود والضباط المحترفين، مع أنه يوجد بها بعض الميليشيات مثل المدخليين، وما إلى ذلك، لكنه وبالمقارنة بالطرف الآخر (حكومة الوفاق) نجد على الأقل أن أكثر من 80 في المائة من قوات حفتر مكونة من ضباط وجنود محترفين، على العكس الطرف الآخر تتكون قواته من أكثر من 80 في المائة من ميليشيات، والباقي ضباط سابقون وما إلى ذلك، ولذلك يجب الحفاظ على مؤسسة الجيش الوطني الليبي كنواة للجيش الليبي الموحد بصرف النظر عمن يقوده. 
 
الدفع في الاتجاه الصحيح
من جهته، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير جمال بيومي: من المؤكد أن اللقاءات التي تعقدها مصر، والرئيس عبد الفتاح السيسي، بين الأطراف الليبية المتصارعة سوف تسهم في تمهيد الطريق نحو حل الأزمة الليبية، ونحن نحاول في كافة الاتجاهات، ومن المعروف أن الشعوب الشرق أوسطية قد يتم التوفيق بينهم عند الخلاف بوسائل بسيطة، خاصة مع تذكيرهم بروابط الأخوة، ومصر تقوم بدور كبير في حل الأزمة الليبية، ولديها خبرة كبيرة في هذا الإطار، إضافة إلى تواجد مليوني مصري في ليبيا، ما ساهم في تقوية الروابط بين الشعبين الشقيقين، كما أنهم جيش كبير من الخبرات، إضافة إلى أن مصر تعرف ليبيا كما تعرف كف اليد، وبالتالي لا توجد دولة أقدر على إقناع الليبيين على التوافق والجلوس على مائدة واحدة والوصول ببلدهم إلى بر الأمان غير مصر، لأن هذا الانقسام ليس في صالح أحد، وبالتالي المطلوب منا هو عدم اليأس، وإذا لم نفلح في هذه المرة يمكن تحقيق النجاح في المرة القادمة، إلى أن نقنع الجميع بأن مصلحة الجميع هي في وحدة الشعب الليبي بغض النظر عن الانتماءات القبلية لأن فكرة القبيلة تقتل الدولة، وتقتل الوطنية، وقال بيومي إنه من المرجح أن تساعد اجتماعات بوزنيقة المغربية، واجتماعات جنيف، الجهود المصرية لحل الأزمة، لأنه في ذمرة الوسائل الحديثة، والاتصالات السريعة بالتأكيد، سوف تساهم في أن تتواصل الجهود الدبلوماسية، بين جميع الأطراف المعنية بحل الأزمة، فالعلاقات الدبلوماسية تقتضي مع وجود طرف آخر يقوم بدور فاعل بأن نشجعه، وحتى لا يحدث تعارض بين المجهودات فيجب التنسيق بيننا، فالعلاقات الدبلوماسية تسمح بتنسيق المواقف وتبادل الخبرات في كل هذه الأمور، كما أنه من الصعب في الوقت الحالي تحديد من سيتحدث باسم الشرق الليبي هل هو رئيس البرلمان عقيلة صالح؟ أم قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر؟ فما يتوافق عليه الليبيون نحن نشجعه، لأننا نحاول دفع الأمور في الاتجاه الصحيح، والذي قد يرضى به الجميع، وإذا كانت هناك اعتراضات على أية شخصية، مثل حفتر، أو غيره، نشجعه، حتى اختيار خليفة له، ونقدم له الشكر ويتم الدفع بالشخصية التي يتوافق عليها الليبيون، والدور المصري يسعى في إطار التوفيق بين الأطراف الليبية، حتى يتم تشكيل حكومة ليبية منتخبة على أسس ديمقراطية بغض النظر عن الأشخاص. 
 
اقتراب الوصول إلى صياغة تسوية شاملة
فيما قال أستاذ العلوم السياسية، بجامعة القاهرة الدكتور جهاد عودة، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: مصر أصبحت على مشارف تحقيق صياغة شاملة للوصول إلى حلول ناجعة تساهم في التقدم إلى خطوة متقدمة جدا للوصول إلى تسوية بين الفرقاء الليبيين.
وقال عودة: اتفاق الصخيرات، واجتماعات بوزنيقة في المغرب، وحوارات جنيف، هي أصلا كانت خطوات أميركية، وهناك تناقض بين الخطوات الأميركية، والخطوات المصرية في هذا الملف، ولكن نحن نعمل على إنهاء هذا التناقض، ولا بد أن نأخذ الخطوات الأميركية في الاعتبار لأنها في النهاية خطوات قوى عظمى، لذلك نحن نعمل على أحداث عملية موائمة بين هذه الخطوات والمساعي المصرية.
وأضاف عودة: على ضوء وجود فجوة آنية بين رئيس البرلمان عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، فإن السعي المصري يأتي في إطار محاولة إيجاد تسوية بين الفرقاء، ونحن نقوم بعملية وساطة جيدة، وهناك أفكار خلاقة في هذا الإطار، مع الوضع في الاعتبار ضرورة المواءمة بين كل من عقيلة صالح، وخفتر، ولا بد أن نحرص على ضرورة وحدة وتماسك الشعب الليبي، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن هناك قبائل ليبية مؤيدة للمشير حفتر، وقبائل أخرى مؤيدة لعقيلة صالح، وهذه القوى لا بد أن تتوحد بأشكال مختلفة، ومع المسعى المصري نجحنا أن نجعل المساعي التركية في ليبيا قليلة القيمة، كما أننا في ليبيا  أمام نوعين من المساعي، أولا المسعى الأوروبي، وثانيا المسعى الأميركي، وما تقوم به القاهرة، هو عملية إيجاد توافق في إطار المسعيين، الأوروبي والأميركي، ونحن أمام انفراجة كبيرة في إطار حل الأزمة الليبية لأننا نحاول تشكيل مؤسسة عسكرية موحدة في إطار التوافق الوطني الليبي الشامل.