إردوغان عندما يهزم ثورة السوريين

* بشار الأسد عجز عن هزيمة الثورة أخلاقياً لكن إردوغان فعلها، وباسم مناصرة الثورة، وهنا كانت الهزيمة مزدوجة، هزيمة الأفراد، وهزيمة الفكرة والتمايز الأخلاقي عن نظام مجرم
 

مجزرة من نوع آخر ترتكب بحق السوريين اليوم، فقد استطاع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من تحويل شباب سوريين خرجوا ضد نظام الأسد مطالبين بالحرية والعدالة، إلى مرتزقة وقتلة مأجورين يرسلهم إلى حيث يطمح أن تتوسع إمبراطوريته المزعومة.
وقبل ما يقارب العام بدأت الأنباء تتوالى عن وصول دفعات من مرتزقة سوريين إلى ليبيا للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، كثيرون رفضوا التصديق في البداية، بل اتهموا خصوم إردوغان أنهم يقفون خلف هذه الإشاعات كجزء من حربهم الإعلامية على النظام التركي، ولكن ما هي إلا أيام قليلة وبدأت صور وفيديوهات لمقاتلين سوريين تأتي من ليبيا.
يتكرر اليوم الأمر نفسه، فها هو إردوغان يرسل مرتزقة سوريين إلى أذربيجان لدعمها في حربها ضد أرمينيا، ومجددًا سمعنا بعض الأصوات التي أنكرت الأمر ولكن سرعان ما وصلت صور أول قتيل سوري على خط النار بين أرمينيا وأذربيجان.
وفق الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، الصادرة عن الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) عام 1989، فإن المرتزق هو «أي شخص يُجنَّد خصوصًا، محليًا أو في الخارج، للقتال في نزاع مسلح، ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي عبر مكافآت تُقدّم له من قبل طرف من أطراف النزاع، فكيف حول الرئيس التركي مقاتلين سوريين إلى مرتزقة، يرسلهم شرقا وغربا للقتال، مقابل بدل مادي مغر وبعض التسهيلات لعائلاتهم في تركيا؟ بل تعدى الأمر موضوع الإغراءات والبدل المادي ليصل الضغط بتهديد من يرفض وسجنه كما حصل مع بعض من رفض الذهاب إلى ليبيا.
عرف السوريون كلمة مرتزقة عندما بدأت إيران بإرسال مرتزقتها من أفغانيين وعراقيين ولبنانيين للمشاركة مع نظام الأسد بحربه ضد الشعب السوري، كان يكفي استخدام كلمة مرتزق للدلالة على من يقاتلون ويقتلون في معركة بشار الأسد للبقاء في الحكم، كذلك عرفوها عندما باشرت روسيا قبل خمسة أعوام بإرسال مرتزقة روس عاملين مع شركات أمنية روسية وتحديدا فاغنر للقتال إلى جانب المرتزقة الإيرانيين وقوات الأسد، اليوم لا نعرف ما هو أسوأ، هل تحويل إردوغان لمن حملوا راية الدفاع عن المدنيين السوريين بوجه المرتزقة إلى مرتزقة، أم تبريرات بعض السوريين للأمر مرة بحجة العوز، ومرة أخرى بشعارات إسلاموية شعبوية؟ هل فعلا يصدق هؤلاء المرتزقة أو المدافعون عن إرسالهم أنهم يخوضون معركة «الأمة»؟ وعن أي «أمة»يتحدثون؟
هل يعقل أن من يدعي تمثيل السوريين وثورتهم ويجلس في مكتبه في إسطنبول لا يجرؤ على قول لا؟ لم يسمع تصريح واحد للائتلاف ضد تحويل سوريين إلى مرتزقة وإرسالهم إلى أصقاع الأرض لخوض معارك إردوغان؟ أما ما يسمى الجيش الوطني، فيطالعنا قادته من وقت لآخر بمطولات عن مآثر إردوغان ودعمه للثورة السورية، ألا يخجلون؟
أليست حلب أقرب إليهم من طرابلس الغرب؟ أو أليست حماه وإدلب التي تباد يوميا أقرب إلى من يسمون أنفسهم «جيشا وطنيا»من ناغورن وكاراباخ؟
يقول بعضهم، ها هي روسيا تجند مرتزقة سوريين وترسلهم إلى ليبيا، ولكن من قال إن الثوار يجب أن يتحولوا إلى مرتزقة؟
أكثر من نصف مليون شهيد على طريق الحرية، ثورة استمرت لأعوام وأعوام بوجه نظام لم يعرف التاريخ له مثيلا من حيث الإجرام، يرتكب اليوم بحقها مجزرة لا تقل بشاعة عما ارتكبه الأسد ومرتزقته، وهل أبشع من أن تحول صورة ذلك الثائر البطل الذي أشعل الساحات بهتافاته للحرية إلى مجرد مرتزق يقتل ويقتل مقابل بدل مادي؟ ألم يحن الوقت ليتم إنقاذ السوريين، فقد أصبحوا بين فكي كماشة، إما يقتلهم الأسد وإما تقتلهم أطماع إردوغان ونرجسيته السامة؟
 لقد هزم إردوغان الثورة عندما حول بعض المقاتلين الذين تصدوا للأسد لأشباه له، وعندما تقع الحرب بين المتشابهين تختل كل منظوماتنا الأخلاقية ونفقد القدرة على التمييز بين الجلاد وضحاياه.
بشار الأسد عجز عن هزيمة الثورة أخلاقيا لكن إردوغان فعلها، وباسم مناصرة الثورة، وهنا كانت الهزيمة مزدوجة، هزيمة الأفراد، وهزيمة الفكرة والتمايز الأخلاقي عن نظام مجرم.