قطاع الكهرباء في لبنان ينخر مالية الدولة

يستنزف مداخيل اللبنانيين ويحرق أعصابهم

* القطاع كبد الخزينة 47 مليار دولار على الخطط والمشاريع المشبوهة والفاشلة
* باسيل وعد بتأمين التيار 24 على 24 ساعة سنة 2015... واليوم التقنين بات موضة رائجة
* أزمة الكهرباء المزمنة في لبنان معضلة مركبة من مزيج من الفساد والهدر ومن المنافسة السياسية ومن الخلل الديموغرافي والفلتان الأمني والجشع التجاري

بيروت: الفساد المستشري في قطاع الكهرباء يعتبر رمزًا لفشل الطبقة السياسية في إدارة شؤون البلاد الخدمية التي تمتد لتشمل قطاعات عديدة غيرها. لكن يبقى أبرزها قطاع الكهرباء الذي يسبب خسائر سنوية تقارب الملياري دولار أي ما يمثل قرابة ثلث العجز في الموازنة السنوية للحكومة .
وعلى الرغم من تعهد جميع الحكومات منذ سنة 2010 بما فيها حكومة حسان دياب بإجراء إصلاحات في قطاع الكهرباء، فإن كل الحكومات اصطدمت بتبادل الاتهامات بين الأحزاب التي تتقاسم السلطة على أسس طائفية .
ومن بين المشاكل التي تواجه مؤسسة كهرباء لبنان تسجيلها عجزاً كبيراً في الإنتاج فضلاً عن شبكة التوزيع الرئيسية التي تتسبب في هدر كبير وسرقة التيار الكهربائي والتلاعب بالعدادات ومشاكل التحصيل.
ويقدر اقتصاديون أن الشعب اللبناني يدفع حوالي 1.5 مليار دولار سنوياً لأصحاب المولدات الخاصة الذين يقومون بتعويض انقطاع الكهرباء المتكرر في كل المناطق اللبنانية .
 
لا طاقة ولا مياه
وزارة الطاقة والمياه اللبنانية كانت ولا تزال الشوكة التي تنخر في مالية الدولة وجيوب المواطنين وتستنزف مداخيلهم وتحرق أعصابهم؛ فهذه الوزارة وخلال عقد من الزمن كبدت الخزينة اللبنانية نحو 47 مليار دولار، أي حوالي نصف الدين العام الذي تجاوز 94 مليار دولار، منتصف هذا العام على الخطط والمشاريع الفاشلة لتأمين الكهرباء للمدن والقرى اللبنانية، ومع ذلك فالتقنين الكهربائي بات موضة رائجة، والمياه إن وصلت مرتين أو أكثر في الأسبوع فهي صالحة للخدمة المنزلية فقط لأنها ملوثة .
وشاءت الظروف أن هذه الوزارة ومنذ سنة 2009 محتكرة من قبل فريق سياسي واحد هو التيار الوطني الحر، حيث تسلم هذه الوزارة بدايةً رئيس التيار الحالي جبران باسيل، ثم حليف التيار آرتيور نظريان، ثم مستشار باسيل، سيزار أبي خليل، ثم مستشارته ندى البستاني، ثم مستشارها ريمون غجر، من دون التوصل إلى أي حل يخفف الهدر المالي ويخفف آلام المواطنين، فالوزير باسيل وعد الناس خلال توليه الوزارة من سنة 2009 إلى 2014 بأن التيار الكهربائي سيؤمن 24 على 24 ساعة يومياً سنة 2015، لكن هذا الوعد تلاشى، لأن العاصمة بيروت التي تحتضن كل الوزارات ومجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء والمؤسسات الحكومية والأسواق التجارية وإدارات المصارف وكبرى الشركات المحلية والعالمية كانت تحصل في الأساس على 19 و21 ساعة يومياً، وحالياً باتت لا تحصل إلا على 16 ساعة، أما باقي المناطق فمعظمها يعتمد على المولدات الخاصة للحصول على 18 ساعة يومياً حتى بات هذا القطاع مضرب الأمثال للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول المانحة والداعمة للبنان .
والمضحك المبكي في آن هو أن التيار الوطني الحر يتذرع دوماً بمقولة «الكل يعرقل مشاريعنا ويعارض أي خطة نضعها لتطوير القطاع».
«المجلة» استضافت خبيرة الطاقة المحامية كرستينا أبي حيدر، التي استهلت حديثها بالقول إن لبنان يعاني من أزمات اقتصادية ومالية متعددة تسببت بها سياسات الحكومات المتعاقبة والتي أوصلت وطن الأرز إلى حافة الإفلاس.
وتعتبر أبي حيدر أن أزمة الكهرباء التي ما زال يعاني منها لبنان، هي المثال الواضح والصريح على عجز السلطات التي ادعت الإصلاح، مما أدى إلى حلول العتمة لفترة طويلة وترك تأثيراً على مختلف القطاعات الاقتصادية، وبالنتيجة هذه السياسات أدت إلى إفلاس لبنان.
أبي حيدر كشفت في حديثها بعضاً مما هو خفي في أزمة الكهرباء، فقالت: «إن مشكلة الكهرباء في لبنان يمكن حلها بسهولة شرط اعتماد خريطة طريق واضحة المعالم والتوقف عن تبادل التهم بين المسؤولين والتي لا تقدم أو تؤخر في حل هذه المشكلة التي أرهقت الخزينة وجيوب اللبنانيين، فهؤلاء المسؤولين لم يحسنوا إدارة الدولة بشكل عام وقطاع الكهرباء بشكل خاص، و«هشلو» كل من كان بإمكانه أن يقدم الدعم ونحن بأمس الحاجة إليه كما حدث مع الصندوق الكويتي للتنمية، الذي وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلها لمساعدة لبنان إلا أن المسؤولين والوزراء المتعاقبين رفضوا ما قدمه الصندوق لهم».
 
تطبيق القوانين
وبرأي أبي حيدر أن أحد أهم مشاكل الكهرباء هي عدم تطبيق القوانين وأهمها قانون تنظيم الكهرباء الذي أقر في عام 2002 والذي مع الأسف لم يطبق لتاريخه، إذ في ذلك العام فرض علينا المجتمع الدولي إقرار العديد من الإصلاحات من أجل إنجاح مؤتمر باريس الذي انعقد لإعطاء لبنان جرعة من المساعدات المالية فأقر البرلمان اللبناني حزمة من القوانين من بينها القانون 462 المتعلق بقطاع الكهرباء.
أهمية هذا القانون أنه يفصل القرار الإداري في الكهرباء عن الأهواء والمشاكل السياسية، تماما كما هو الحال في كل البلدان المتقدمة، وذلك عبر تشكيل هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء، تتمتع باستقلال مالي وإداري وتشرف على القطاع، وخصوصا لناحية إعطاء تراخيص الإنتاج والأذونات للقطاع، ويقسم القانون القطاع إلى ثلاثة: الإنتاج والنقل والتوزيع، ويحول مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة أو شركات للتوزيع والإنتاج يمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكا فيها وفقا لقواعد شفافة ومنافسة واضحة وحرة تؤمن مصلحة الدولة وتجذب الشركات العالمية المحترمة كما تحافظ على المنافسة التي يستفيد منها المواطن اللبناني على أن  يبقى قطاع التوزيع بيد الدولة.
وأضافت: «مع الأسف، جميع المسؤولين الذين تسلموا هذا الملف المهم لم يطبقوا القانون الذي أقره المجلس النيابي، وهذا الأخير لم يحاسب أي وزير على هذا الخرق الصريح للدستور، بل هو عدل لمرات متعددة وبشكل مؤقت المادة السابعة من القانون التي تنص على تعيين الهيئة الناظمة، وآخر تعديل جرى سنة 2019 لجهة إعطاء الحق بأن يحل مجلس الوزراء محل الهيئة الناظمة بناء على اقتراح وزيري الطاقة والمالية لإعطاء التراخيص، وعلى الرغم من هذه التعديلات المشوهة لم تعط أي رخصة للقطاع الخاص ولم يزد كيلو واط واحد على الشبكة، أي إن التعديل حول الهيئة الناظمة إلى هيئة استشارية للوزير».
وفي هذا الإطار، أي عدم تطبيق القوانين، تضيف أبي حيدر: «فقد أدخل القطاع الخاص إلى قطاع الجباية بواسطة ثلاث شركات كمقدمي خدمات، مفصلة على مقاس زعماء المناطق التي تعمل فيها وقد تكبدت الدولة أموالا ضخمة جراء ذلك وأثبتت هذه التجربة فشلها، مع العلم أننا لم نعرف كيف أدخلت الشركات الخاصة وبالاستناد إلى أي نص قانوني وهي تعمل منذ عشر سنوات ولم تدخل قرشا واحدا إلى مؤسسة كهرباء لبنان!».
وأردفت: «بعد تسلم الوزير جبران باسيل لوزارة الطاقة والمياه وضع خطة ووعد بكهرباء 24/24 في سنة 2015، ولكن حتى اليوم يزداد الظلام. وإلى يومنا الجميع يتحايل على القانون، فمجلس الوزراء كان متورطا من خلال رفضه تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، كما سمح بتحويل عقد بناء معمل دير عمار لإنتاج الطاقة الكهربائية من عقد إنتاج عادي كان قد رسا على شركة يونانية وتعطل يومها بسبب ما بات يعرف بأشكال القيمة المضافة إلى عقد B.O.T وقع مع شركة من دون اللجوء إلى منافسة شريفة وشفافة، علما بأن الشركة لم تبدأ لتاريخه بتنفيذ موجباتها التعاقدية، كما أن مجلس الوزراء أقر عملية استجرار الكهرباء من البواخر التي تملكها شركة تركية من دون الاستناد إلى أي نص قانوني وبتكلفة عالية مع العلم أن هذه البواخر ستعود إلى الشركة التركية فور انتهاء عقد الإيجار الذي كان من المفترض أن ينتهي منذ أكثر من سبع سنوات. وفي هذه الفترة خضع القطاع الحيوي إلى سيطرة المسؤولين وفقاً لرغباتهم، إذ كانوا يدخلون فقرة قانونية من هنا وأخرى من هناك. وبالنتيجة لا كهرباء، وهدر كبير في أموال الخزينة اللبنانية. وتراكم مستمر للديون... ناهيك بمحاولة فرض بناء معمل للكهرباء في سلعاتا (البترون شمال لبنان) من قبل الوزير جبران باسيل ووقف أي تقدم في هذا القطاع في حال عدم إقراره وهو دليل إضافي على الاستهتار الذي يعرفه لبنان، فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى إنشاء معملين في مناطق مجهزة بخطوط النقل ووقف الهدر التقني والفني مما يوفر الطاقة 24 ساعة».
 

فضيحة سوناتراك
ولعل خير مثال على تقاعس كل من تولى هذا القطاع في حماية المال العام هو ما بات يعرف بفضيحة سوناتراك التي أمنت منذ عام 2005 معظم حاجات مؤسسة كهرباء لبنان من الفيول (حوالي 60 في المائة) على أساس أن هذا العقد موقع بين الدولة اللبنانية ودولة الجزائر مع كل ما يعنيه ذلك من توفير في المال والسمسرة، ليتبين لاحقاً أن العقد موقع مع شركة خاصة وأن هناك وسطاء لا دخل لهم بالعقد يبيعون الدولة اللبنانبة الفيول المغشوش ما كبد الخزينة الكثير من الخسائر وأدخل البلد مرات عدة في الظلام. والمشكلة اليوم مع شركة سوناتراك الجزائرية، أنها أبلغت الدولة اللبنانية رسمياً أنها لن تجدد عقدها مع لبنان في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وحتى الآن ليس لدينا دفتر شروط واضح لإجراء مناقصة عالمية وهناك شكوك بحماسة الشركات العالمية أو الدول بمد لبنان بالفيول بسبب شح الدولار والفساد المستشري بالإضافة إلى نوعية الفيول المطلوب.
 
كارثة انفجار المرفأ
وتطرقت أبي حيدر إلى انفجار الرابع من أغسطس (آب) واصفة إياه بأنه كارثة رهيبة، دمر حوالي نصف بيروت إضافة إلى المبنى الأساسي لمؤسسة كهرباء لبنان الذي تحول إلى ركام. كل ذلك والسلطة في غيبوبة، ولم تضع لتاريخه خطة طوارئ للخروج من الأزمة المستجدة.
وأضافت: «في نفس الإطار بتنا لا نعرف مصير الفيول الذي قدمته حكومة العراق كهبة لصالح مؤسسة كهرياء لبنان بعد الانفجار».
إلى ذلك، فإن شركة «سيمنز»، وبعد الكارثة، أوفدت مديرها إلى لبنان برفقة وزير الخارجية الألماني، وعرضوا هبة للمنطقة المنكوبة، عبارة عن مولدين بقدرة 80 ميغاواط، وعلى الرغم من هذه الهبة فإننا لم نر شيئا وذلك بسبب الخلاف على مكان وضعهما، ومن يقدم الصيانة والفيول.
وحذرت أبي حيدر من الوصول إلى كارثة حقيقية وكبيرة مع كل هذه التراكمات التي يعاني منها القطاع، إذ في ظل ندرة العملة الصعبة وعواقبها الكارثية. فشراء الفيول يتم بالدولار وكذلك دفع ثمن عقود الصيانة والتشغيل، وقد تعمد الشركات المتعاقدة مع مؤسسة كهرباء لبنان إلى فسخ العقود لوقف الخسائر، مما يعني إمكانية غياب الكهرباء بالكامل، تاركة آثارا سلبية على جميع القطاعات الصحية والمياه والإنترنت وغيرهم.
 
الحل
وتصف أبي حيدر الوضع بالصعب، وبأننا مقبلون على كارثة، إلا إذا وضعنا خطة طارئة تقوم على الآتي :

  • خطة قصيرة الأمد مؤقتة لحين زيادة الإنتاج عبر تشجيع البلديات واتحاد البلديات على إنتاج الطاقة وتوزيعها وجباية الفواتير التي تعود لها كما هو الحال في مدينة زحلة التي تنعم بالتيار 24 على 24 يومياً .
  • خطة متوسطة الأمد ترتكز على تنفيذ القانون 462 كما هو، مما يبعد القرارات الإدارية عن الصراع السياسي وإقرار قانون تشجيع إنتاج الطاقة المتجددة ونقلها كما قانون توفير الطاقة.
  • اعتماد الغاز لإنتاج الطاقة مما يوفر الملايين على الخزينة.
  • تجديد وتحديث الإنتاج المائي الذي يمد لبنان بالطاقة النظيفة. والانتهاء من مد شبكة التوزيع.
  • وقف الهدر الفني والسرقة عبر تركيب العدادات الذكية، بالتزامن مع تجزئة القطاع.
  • إبعاد السياسة والفاشلين والمستشارين عن القطاع وخصوصا من كل من يمت بصلة لمن تولى إدارة القطاع منذ عشرين عاما.