إسرائيل تصر على مفاوضات داخل غرفة واحدة... وتستعد للرد على فيتو اللحظة الأخيرة لـ «حزب الله»

نقطتان مركزيتان تشغلان تل أبيب إلى حين بدء المفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية 14 أكتوبر

* بعد الخطاب الذي ألقاه نبيه بري، انتقل مضمون الخطاب وتداعياته إلى منابر النقاش الإسرائيلي، وأجمع سياسيون وعسكريون على أن خطاب بري جاء بعد حصوله على الضوء الأخضر من «حزب الله»
* الحاجة إلى التوصل لتسوية سريعة باتت ملحة، حيث إنها ستسمح ببدء التنقيب عن الغاز، الذي سيملأ صندوق الدولة اللبنانية وصندوق حزب الله
* وفق تقرير إسرائيلي اعتبر الجيش تسلح حزب الله بقدرات صاروخية دقيقة يشكل خطا أحمر

تل أبيب: إلى حين البدء في المفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية حول ترسيم خط الحدود البحرية بين الدولتين، تبقي إسرائيل ملف حزب الله على رأس أجندتها وأبحاثها، من جهة تعقب حزب الله بكل ما يتعلق بتسلحه وخصوصا برنامج الصواريخ الدقيقة الذي يقلق إسرائيل، ومن جهة ثانية إذا ما كان حزب الله سيتراجع عن الضوء الأخضر الذي منحه لمتخذي القرار في لبنان للموافقة على المحادثات مع إسرائيل، وفق التوقعات الإسرائيلية.
وهناك نقطتان مركزيتان تشغلان الإسرائيليين إلى حين بدء المفاوضات، المتوقعة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) وقد زاد القلق بشأنهما مع استمرار النقاش اللبناني حول طبيعة المفاوضات وإذا ما كانت ستكون بشكل غير مباشر وعبر ممثلين عن الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي برعاية اليونيفل، أم ستكون وفق ما يعلنه الإسرائيليون ويصر وزير الطاقة، يوفال شطاينتس، داخل غرفة واحدة بحضور شطاينتس ورئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري.
بعد الخطاب الذي ألقاه نبيه بري، انتقل مضمون الخطاب وتداعياته إلى منابر النقاش الإسرائيلي، وأجمع سياسيون وعسكريون وخبراء على أن خطاب بري جاء بعد حصوله على الضوء الأخضر من حزب الله. ويشكل هذا الجانب نقطة أولى ومركزية في نقاش الإسرائيليين.
وفي وقت أبدى فيه البعض قلقه من أن يتعرض الحزب لضغوطات من إيران ويتراجع عن موقفه ضمن خطوات ضاغطة على اللبنانيين، انشغل الجيش الإسرائيلي بإشراف ومشاركة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، حول النشاط العسكري لحزب الله وتسليط الضوء على ما يعتبره الإسرائيليون خطرا كبيرا ليس فقط على إسرائيل وإنما المنطقة برمتها، وهو مشروع الصواريخ الدقيقة.
النقطة الثانية التي تشغل الإسرائيليين تتركز في شكل إدارة المحادثات. ويكثف الإسرائيليون اجتماعاتهم استعدادا لهذه المحادثات ويحضر الجلسات إلى جانب شطاينتس كبار مسؤولي وزارته وبمشاركة جهات من مكتب رئيس الحكومة ووزارات الخارجية، والقضاء والأمن. وقد تمت في هذه الاجتماعات بلورة شروط إسرائيل لهذه المفاوضات.
وبحسب شطاينتس، فإن «الوساطة الأميركية والإطار التقني للمفاوضات اتفق عليها بما يرضي إسرائيل».
وبالنسبة للإسرائيليين فإنهم يؤكدون أن موضوعا هاما مثل الحدود المائية، التي شكلت نقطة خلاف كبيرة على مدار سنوات، والنقاط التي ستطرح تتطلب مستوى سياسيا أعلى من أن تكون مجرد محادثات بحضور ممثلين عن الجيش. ويوفال شطاينتس، الذي يقود ويشرف على الجانب الإسرائيلي يصر على مشاركته في الاجتماعات، وهو أمر لم يعترض عليه اللبنانيون منذ اليوم الأول من الكشف عن اتفاق المحادثات، أي قبل البيان الذي ألقاه نبيه بري بعدة أيام، لكن بعد حديث بري ومع تفاعل نقاش الملف طرح اللبنانيون مسألة المستوى المشارك في هذه المحادثات، وهو موقف مغاير لما يطرحه الإسرائيليون بحيث تقتصر المشاركة على الجيش اللبناني وكل وفد يجلس في غرفة على انفراد، فيما يتوسط بين الطرفين اليونيفل والأميركيون.
أي سيكون بحث الموضوع مثلما يتم بشكل عام بحث مواضيع مختلفة في راس الناقورة بمشاركة ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
 




رئيس مجلس النواب نبيه بري ولأمين العام لحزب الله حسن نصرالله



ما بين الحرب والدمار والسلام والازدهار
على الرغم من القلق الذي يراود الإسرائيليين من تدخل إيران وعرقلة المفاوضات، وبالتالي إبقاء الجبهة الشمالية في حال توتر، إلاّ أن الإسرائيليين يعتبرون التجاوب اللبناني مع شروطهم للمحادثات وقبول إجرائها مباشرة بعد حوالي ثلاثين عاما، وعراقيل كثيرة وقفت في طريقها، يأتي بالأساس على خلفية الوضع الاقتصادي الذي يشهده لبنان من جهة، ووضعية حزب الله داخل لبنان من جهة أخرى.
المعادلة الإسرائيلية المطروحة في النقاش هي اختيار اللبنانيين ما بين الحرب والدمار وبين السلام وما يعقبه من ازدهار للبنان. فوفق ما يتبين من المواضيع التي ستتم مناقشتها فإن الخلافات، ورغم عدم التوصل إلى حلول حولها على مدار سنوات طويلة وحتى بتدخل خارجي، إلا أنها طفيفة، وفق مسؤول إسرائيلي، الذي يرى أن الجلسات لن تطول والتوصل بين الطرفين إلى اتفاق سيمكن اللبنانيين من البدء في استمرار عمل فعلي لاكتشاف آبار من الغاز في مياه البحر المتوسط واستخراج الغاز من المناطق التي شكلت عقبة كبيرة وبالأساس «بلوك-9».  
حتى إن تفاؤل الإسرائيليين، رغم القلق من عرقلة المفاوضات في اللحظة الأخيرة في حال ضغطت إيران، يصل إلى حد التوقع بالتوصل إلى اتفاق خلال فترة قصيرة حول الحدود البرية، أيضأ، علما أن هناك 13 نقطة خلاف بين الطرفين.
وبحسب هذا المسؤول الإسرائيلي، الذي يشارك في الاجتماعات التشاورية حول المفاوضات بين البلدين فإن «القرار بيد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله»، ويقول: «نحن نعرف أنه يتعرض لضغوط شديدة من قادته في طهران لإبقاء الوضع على الحدود ملتهبًا. فهذه مصلحة إيرانية واضحة. وهذا أسلوب إيراني تقليدي فهم يشعلون الأوضاع في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي ليبيا، ويريدونها مشتعلة في لبنان. واللبنانيون بغالبيتهم يعرفون أن هذا التوتر ليس في مصلحتهم. فعندهم ما يكفي من أزمات ومشكلات».
الأميركيون، أيضا، يعتبرون الاتفاق في مجال الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان سيفتح الباب أمام اتصالات أخرى بين الدولتين.
 
ما بين التطبيع والجوع
اختلف الإسرائيليون في تقييمهم لهذه المفاوضات، وفيما احتدم النقاش اللبناني حول هذه المفاوضات وإذا ما تدرج ضمن التطبيع مع إسرائيل، اعتبر إسرائيليون المفاوضات تطبيعا أكثر من كونه سلاما وآخرون ردوا على ذلك: «لا سلام ولا تطبيع ولا حتى مؤشرات غاز إنما مفاوضات جوع قبل بها اللبنانيون».
مناصرو الرأي الأخير في إسرائيل قالوا: «إن ما يقف خلف الموافقة اللبنانية على هذه المفاوضات ما هي إلا مؤشرات جوع، ضائقة اقتصادية وتفكك اجتماعي وسياسي لبلاد الأرز».
ومما طرحه أولئك الذين يرون الوضع الاقتصادي دافعا للمفاوضات أن «الحاجة إلى التوصل إلى تسوية سريعة باتت ملحة حيث إنها ستسمح ببدء التنقيب عن الغاز، الذي سيملأ صندوق الدولة اللبنانية وصندوق حزب الله. فاحتمالات الغاز أمام الشاطيء هي الذخر الوحيد الذي يمكن للبنان أن يعرضه اليوم كضمانة لتلقي المساعدة الاقتصادية من العالم. ومن ناحية إسرائيل هذه فرصة جيدة للتوصل إلى حل وسط تسعى إليه منذ عقد».
وفي مقابل هذا الرأي طرح رأي مغاير يرى أن المفاوضات تندرج ضمن التطبيع. الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، غيورا إيلاند، حسم بشكل واضح أنه لن يكون هناك أي سلام قريبا بين لبنان وإسرائيل، ولكن- أضاف يقول: «كل تطبيع هو أمر إيجابي. ومهما كانت النتيجة يجب الثناء على السياسة الإسرائيلية في الموضوع، خصوصا الوزير شطاينتس».
ويطرح أيلاند ما يعتبرها معاني إيجابية لمجرد الشروع في المفاوضات:

  • لأول مرة منذ نهاية التسعينات، ستجرى مفاوضات مباشرة بين الدولتين.
  • المعنى الثاني: المفاوضات ستسمح للدولتين بتوسيع التنقيب على الغاز في المنطقة.
  • المعنى الثالث: توجد خسارة واضحة لحزب الله. ويقول أيلاند: «حزب الله هو الذي منع المفاوضات حتى الآن، ليس فقط لأنه يعارض كل حوار مباشر للبنان مع إسرائيل، بل وأيضا لأن نصر الله فهم منذ زمن أنه إذا أراد فتح معركة عسكرية ضد إسرائيل، فإنه ملزم بأن يستخدم الحجة التي تعد كدفاع عن مصلحة لبنان الوطنية. وطالما بقي الخلاف على الحدود البحرية، سيكون بوسع التنظيم أن يواصل الادعاء بأن إسرائيل تسرق المقدرات الطبيعية التي تعود للبنان، وأن هذا سبب لشن الحرب. أما إذا نضجت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان إلى اتفاق، فسيسحب الأمر البساط من تحت أقدام حزب الله»، وفق أيلاند.
  • المعنى الرابع: يرى أيلاند أن المعنى هو بمجرد السابقة ويقول: «المفاوضات المباشرة في موضوع ما يمكن أن يؤدي أيضا إلى مفاوضات في مواضيع أخرى. بين الدول المجاورة، حتى وإن كانت معادية، توجد أيضا مصالح مشتركة. وبتقديري إذا عملنا بحكمة سنتمكن من تسوية مواضيع أخرى أيضا.




وزير الطاقة الإسرائيلي  يوفال شطاينتس


 
تضييق الخناق على نصر الله
في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل بكل ما يتوفر لها من إمكانيات للتوصل إلى اتفاق مع لبنان حول الحدود المائية، خرجت تل أبيب بدعم وتعاون مع الأميركيين بحملة خاصة في مواجهة حزب الله في محاولة لزيادة تضييق الخناق على الحزب. وبعد أيام قليلة من حديث نبيه بري، الذي اعتبره الإسرائيليون مؤشرا إيجابيا ومطمئنا للشروع بالمفاوضات، أطلق الجيش حملة إعلامية واسعة يدعي فيها وجود مواقع لحزب الله لإنتاج الصواريخ.
استبق هذه الحملة خطاب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة حول الموضوع.
حديث نتنياهو ومن بعده الجيش هو جزء من حملة، كما أكدت جهات إسرائيلية «بهدف مزدوج: إساءة سمعة حزب الله كمن يعرض حياة المدنيين في لبنان للخطر في أنه يخزن مواد متفجرة تحت أحياء سكنية مليئة بالناس، ومحاولة أيضا للتأخير قدر الإمكان من مشروع الصواريخ الدقيقة من خلال كشف المواد الاستخبارية التي تجبر حزب الله على تغيير مخططاته وتغيير أماكن المواقع»، بحسب الإسرائيليين.
ووفق تقرير إسرائيلي اعتبر الجيش تسلح حزب الله بقدرات صاروخية دقيقة يشكل خطا أحمر، معلنا- فيما يعتقد مسؤولو جهاز الأمن- أن «حزب الله لا يعتزم التخلي عن المشروع، وإسرائيل ستقف في المستقبل أمام معضلة كيفية العمل تجاه مواقع إنتاج في لبنان وهل ستهاجمها حتى بثمن مواجهة عسكرية محتمة». ومع ذلك، التقدير في إسرائيل هو أن في هذه المرحلة قدرة حزب الله في الموضوع محدودة جدا وكمية الصواريخ الدقيقة لا تزيد عن بضع عشرات قليلة، أقل بكثير من مخططاتهم للوصول في هذه النقطة الزمنية إلى كمية أكبر من الصواريخ الدقيقة التي تهدد إسرائيل في مسافات مختلفة.