سيزار أبي خليل: المفاوضات مع إسرائيل ستزيد من إقبال الشركات العالمية على دورات التراخيص القادمة

وزير الطاقة اللبناني السابق في حوار مع «المجلة»: الحدود بين لبنان وإسرائيل هي حدود اقتصادية
لا يمكننا تقدير نوايا إسرائيل في مسار التفاوض، لكن الأكيد أن لإسرائيل مصالح كما للبنان في إنهاء الخلاف وترسيم الحدود البحرية
* الولايات المتحدة وسيط نزيه عمل مع لبنان منذ بداية مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات
العقود التي وقّعها لبنان مع شركات النفط العالمية تظهر أنّ لبنان استطاع أن يتقدم 8 نقاط عن العقود المعتمدة عالمياً في تحديد حصته
 

بيروت: منذ سنوات دخلت الولايات المتحدة الأميركية كوسيط بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود بين البلدين العدوين، واللذين خاضا حروباً ومعارك دامية على مرّ السنوات، ولكن هذه المرّة اختارا مسار التفاوض للحفاظ على مصالحهما الاقتصادية، فلبنان وإسرائيل معا يعانيان من أزمة اقتصادية خانقة، وتعويلهما للخروج من هذه الأزمة هو النفط والغاز المكتشف حديثا في مياههما الإقليمية في البحر المتوسط، ولكي يستقطبا أهم الشركات للاستثمار عليهما وقف أساليب التهديد والوعيد واتخاذ التفاوض مساراً جديداً في علاقتهما التي يمكن وصفها بالعدائية.
ولكن كيف ستنعكس هذه المفاوضات على لبنان، وما هي العراقيل التي يمكن أن تواجه مسيرة التفاوض التي يتوقع أن تكون طويلة ومعقدة، وهل موافقة لبنان في التفاوض المباشر مع إسرائيل والتواجد معهما في غرفة واحدة يعتبر اعترافا ضمنيا بدولة إسرائيل وشكلا من أشكال التطبيع؟ كل هذه الأسئلة طرحناها على وزير الطاقة السابق والنائب الحالي في البرلمان اللبناني سيزار أبي خليل، والذي عمل عندما كان وزيرا للطاقة على ملف النفط والغاز...
 
* كيف ستنعكس هذه المفاوضات على استفادة لبنان من ثروته النفطية؟
- من الطبيعي أن وجود خلاف بين دولتين عدوتين على الحدود سيثير تحفظات عند الشركات التي نريد استقطابها لدورات التراخيص القادمة، وبالطبع التوصل لاتفاق مع إسرائيل وترسيم الحدود البحرية سيساهم بزيادة الإقبال على دورات التراخيص القادمة.
لا أحد يستطيع تقدير نوايا إسرائيل، ولكن لإسرائيل مصلحة كما للبنان في ترسيم الحدود، لذلك يجب التوصل إلى الحل المنصف وتطبيق القوانين والاتفاقيات الدولية التي تتعلق بترسيم الحدود البحرية بين الدول. 
وهناك قواعد عامة تتبع في ترسيم الحدود، ولكن من الطبيعي أن لكل دولة ظروفها ذات الصلة بالشاطئ المتعرج وطبيعتها المختلفة، لذلك في البداية يجب أن يتم ترسيم الخط الفاصل والذي يجب أن يكون منصفا والأخذ بعين الاعتبار أن الحدود بين لبنان وإسرائيل هي حدود اقتصادية أيضا.
لذلك بعد اعتماد الحل المنصف في ترسيم الحدود البحرية، والأخذ بعين الاعتبار التكوين الجيولوجي الذي تكونت منذ مئات السنين، على الشركات المتعهدة في لبنان وإسرائيل أن تجد آلية لاقتسام الموارد المتواجدة في مكامن جيولوجية عابرة للحدود، ونحن نعلم أنّ إيجاد آلية لحل النزاع لن يكون أمرا سهلا، بل الأكيد أنّه مسار معقد ويمكن أن يأخذ وقتا طويلا.

 




سيزار أبي خليل وزير الطاقة اللبناني السابق يشرح موقع البلوك 9 البحري النفطي


 
* هل وضعت وزارة الطاقة آلية أو تصوراً لترسيم الحدود البحرية؟
- طبعا، لدى وزارة الطاقة والمياه فكرة واضحة عن كيفية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ولكن كوزير طاقة سابق ومن خلال عملي على هذا الملف أرى أننا نستطيع أن نطالب بحلول منصفة، ولكن هذه المهمة تبقى حصراً في يد الفريق المفاوض الذي سيكلفه رئيس الجمهورية. 
والأكيد منه أن لبنان المتمثل برئيس جمهوريته ومجلس نوابه لن يفرط بالمصلحة الوطنية وحقوق اللبنانيين وحقوق الأجيال القادمة، وطبعا هناك مسؤولية كبيرة على الفريق الذي سيفاوض.
 
* ما مستوى التمثيل اللبناني في هذه المفاوضات؟
- بحسب الدستور اللبناني ملف المفاوضات هو حصرا من صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو بالتالي من سيعين الفريق الذي سيفاوض باسم لبنان، وهناك معلومات تؤكد أنّه تم تعيين نائب رئيس الأركان العميد الركن بسام ياسين لتولي هذه المهمة.
 
* ما أهمية البلوك رقم 9 بالنسبة إلى لبنان؟  وما النقاط الخلافية بين لبنان وإسرائيل؟ 
- البلوك رقم 9 والذي من المفترض أن تبدأ أعمال الحفر فيه عام 2021 من قبل تحالف الشركات (توتال، وإيني، ونوفاتيك)، هو من أكثر البلوكات جذبا للشركات، وهذا دليل على وفرة الموارد الهيدروكربونية، وأهم شركات في العالم تقدّمت للمنافسة في دورة التراخيص الأولى، وهناك شركات مهمة ستتقدم لدورات التراخيص الأخرى، لذلك لا يمكن أن يتخلى لبنان عن جزء من حقه من مساحة البلوك رقم 9. 
أما النقاط الخلافية بين لبنان وإسرائيل فهي تقع في البلوكين 8، و9، ويعود تاريخ البلوك 9 إلى عام 2009، حين اكتشفت شركة نوبل للطاقة الأميركية كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، تبلغ مساحته 83 ألف كم مربع، قرب منطقة الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية. أما المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل تبلغ 854 كيلومترا مربعا.
بحسب الادعاءات الإسرائيلية أيضا، فإن البلوك 8 جنوبا، تبلغ مساحته 1400 متر مربع، وبعمق يتراوح بين 1672 و2062 مترا تحت سطح البحر جنوبا،.ووفق تقديرات إسرائيل لحدودها البحرية فإن البلوك 8 يقع أيضا داخل حدوده.
 
* هل هناك عراقيل من المتوقع أن يواجهها لبنان خلال مسار المفاوضات؟
- هناك وسيط نزيه عمل مع لبنان منذ بداية مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات، أي الولايات المتحدة، ونحن نأمل أن تبقى الولايات المتحدة تتابع مسار التفاوض الذي سيبدأ قريبا وأن يكون دورها وسيطا نزيها كما السابق لإكمال مهمتها والوصول إلى ترسيم الحدود وهذا من مصلحة لبنان، لكي ترفع الشركات العالمية تحفظاتها في التقدم للمنافسة في دورات التراخيص المقبلة. 
وأكرر لا يمكننا تقدير نوايا إسرائيل في مسار التفاوض لكن الأكيد أن لإسرائيل مصالح كما للبنان في إنهاء الخلاف وترسيم الحدود البحرية، لذلك ولو أن مسار التفاوض سيكون طويلا كما هو متوقع لكن من المتوقع أن نصل إلى نهاية منصفة، خصوصا أن لبنان لن يفرط في مصلحته الوطنية وحقوق اللبنانيين.


 
* هل المفاوضات على ترسيم الحدود مع إسرائيل هو اعتراف ضمني بدولة إسرائيل وشكل من أشكال التطبيع؟
- بالطبع لا، فلبنان لم ولن يغيّر قناعاته، والتفاوض مع إسرائيل يتم عبر وسيط الولايات المتحدة الأميركية، وفي مكان محايد، أي في مقرّ الأمم المتحدة، وهو مساحة تلتقي فيها كل الدول سواء كانوا أعداء أو أصدقاء، وأصلا هناك اتفاقية هدنة وقعت بين لبنان وإسرائيل عام 1949، وأيضا تفاهم وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني (الذي يعرف أيضًا باسم تفاهمات عناقيد الغضب و‌تفاهم نيسان) كان اتفاقا مكتوبا غير رسمي بين إسرائيل و‌حزب الله، تم التوصل إليه بفضل الجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة، والتي أنهت صراع 1996 العسكري بين الجانبين. إذن التفاوض بين لبنان وإسرائيل ليس بجديد والأهم بالنسبة لنا اليوم هو التوصل إلى ترسيم الحدود والحفاظ على حقوقنا الاقتصادية في المنطقة المتنازع عليها.
 
* السؤال الذي يطرحه كل اللبنانيين: متى سيستفيد لبنان من ثروته النفطية؟
- لا أحد ينكر أننا تأخرنا من الاستفادة من ثروتنا البحرية، ولكن هذا يعود لعدّة أسباب أبرزها أننا تأخرنا 4 سنوات حتى استطعنا توقيع مرسومين في العام 2017، يتعلقان بتقسيم المياه البحرية الخاضعة للولاية القضائية للدولة اللبنانية، أي مناطق على شكل رقع (بلوكات)، ودفتر الشروط الخاص بدورات التراخيص في المياه البحرية، ونموذج اتفاق الاستكشاف والإنتاج، والنظام المالي لهيئة إدارة قطاع النفط، إضافة إلى مشروع قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالنشاطات البترولية ومشروع قانون الموارد البترولية في البر.
وأيضا الظروف الاقتصادية والسياسية التي يمرّ بها لبنان، كذلك جائحة كورونا التي أخّرت شركة توتال من بدء عملية الحفر في البلوك رقم 9. 
ولكن الأكيد أنّ لبنان سيستفيد من هذه الثروة، ولا خوف على تسويق الغاز الذي من المفترض أن يستخرجه لبنان، خصوصا أنّ الشركات المتعهدة مسؤولة عن التسويق، وأيضا لبنان مرتبط بخط الغاز العربي الممتد بين مصر وسوريا والأردن وتركيا وصولا إلى أوروبا، أي إنّ جزءا من البنى التحتية التي يحتاجها لبنان لتصدير غازه موجودة.
أمّا حصة الدولة اللبنانية فبحسب العقود الموقعة مع الشركات، فالدولة اللبنانية ستختار كيف تأخذها عيناً أو نقداً، والعقود التي وقّعها لبنان تظهر أنّ لبنان استطاع أن يتقدم 8 نقاط عن العقود المعتمدة عالميا في تحديد حصته، أي استطاع لبنان أن ينتزع 71 في المائة كحصة من الأرباح في البلوك رقم 4، و68 في المائة كنسبة من الأرباح في البلوك رقم 9 وهي نسب مرتفعة، وبهذه الحصة سيستطيع لبنان تأمين طاقة بأسعار متدنية للصناعات المحلية، التي تأثرت بسبب غلاء أسعار النفط والغاز ووصلت بعض الصناعات إلى الإقفال، أيضا نستطيع تحويل معامل الكهرباء على الغاز الطبيعي الذي يعتبر أقل كلفة من مادة المازوت التي تعتمد لتشغيل معامل الكهرباء في لبنان، وأيضا سدّ العجز في قطاع الكهرباء الذي يعتبر عبئا على خزينة الدولة.