«السلاح المقدس» باق

* مفاوضات لبنان مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية والبرية ابتدأت منذ ما يقارب العشر سنوات مع الأميركيين من فيلتمان إلى هال إلى ساترفيلد ثم شينكر

ما إن انتهى رئيس مجلس النواب من مؤتمره الصحافي الذي أعلن فيه عن التوصل لاتفاق إطار غير نهائي، لكنه «يمثل قاعدة أساسية لرسم الطريق أمام المفاوض اللبناني حول ترسيم الحدود البرية والبحرية في الجنوب مع إسرائيل، حتى انهالت الانتقاضات على الفضاء الافتراضي لمنصات التواصل الاجتماعي من قبل اخصام حزب الله متهمينه وحركة أمل بالتطبيع مع إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية مقابل الغاز. البعض اعتبرها «رشوة»قدمها الإيراني للأميركي قبل الانتخابات الرئاسية، وإلى ما هنالك من ملاحظات وتعليقات لا تأخذ بعين الاعتبار مسار الأحداث في هذا الموضوع بالذات وتخدش غالبا حياء المنطق.
إعلان الرئيس بري التوصل إلى اتفاق إطار لترسيم الحدود ليس مفاجئا أبدا، وليس له علاقة بموضوع التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ولا بالانتخابات الرئاسية الأميركية التي لا يعير الناخب الأميركي فيها يوم الانتخاب أي اهتمام بلبنان وهو في أغلبه أكاد أجزم لا يعرف أين يقع. هذا إذا ما أخذنا الأمور بعقلانية ووضعنا المفاوضات في إطارها الموضوعي وتخلينا للحظة عن نظريات المؤامرة التي ذهبت إلى حد ربط المفاوضات بنزع سلاح حزب الله؛ فمفاوضات لبنان مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية والبرية ابتدأت منذ ما يقارب العشر سنوات مع الأميركيين من فيلتمان إلى هال إلى ساترفيلد ثم شينكر. رفض لبنان أولا فصل ترسيم الحدود البرية عن البحرية، ثم اقتراح تبني خط هوف المشهور وما بينهم من اقتراحات كالتحاق لبنان بـ«منتدى شرق المتوسط للغاز»مثلا وغيرها من الاقتراحات الأميركية على مدى سنين التفاوض.
المهم أن أخصام حزب الله قرروا القفز فوق كل ما سبق والتشهير بحزب الله على أساس قبوله بترسيم الحدود مع إسرائيل. وفي يوم وليلة أصبح خصوم حزب الله مقاومين من الدرجة الأولى معلنين ولاءهم للقضية الفلسطينية وكراهيتهم «للكيان الإسرائيلي الغاصب»بعد أن كانوا هم أنفسهم قبل أسبوعين من أشد المناصرين لنظرية الحياد الإيجابي الذي كان طرحه البطريرك الراعي.
بعيدا عن الزجل السياسي اللبناني الذي في نهاية المطاف لا يقدم ولا يؤخر، فإن مجرد التوصل إلى اتفاق إطار تفاوضي لترسيم الحدود هو بمثابة انتصار لنصر الله مهما كانت نتيجته، فإن تم ترسيم الحدود البحرية وبدأ استخراج النفط سيكون من المستحيل إقناع الرأي العام اللبناني والممانع أن هذا الأمر ما كان سيتم لولا وجود السلاح. وإن لم تنته مسألة المفاوضات إلى نتيجة ترضي الطرف اللبناني فسيكون أيضا من الصعب إقناع الرأي العام بأن قدرة لبنان على رفض ما سيصفونه بالشروط الأميركية الإسرائيلية مرده قوة السلاح.
ثم إن رست المفاوضات على بر، والكلام هنا أن إسرائيل تستعد لملاقاة الشروط اللبنانية، وبدأت شركة توتال بالتنقيب فورا، فهذا يعني أولا استفادة مادية مباشرة لمنطقة الجنوب وأهلها، وهم يستحقونها طبعا، ولكن، وعلى عكس الفكر الساذج المطروح من قبل بعض المحللين اللبنانيين على أن الرخاء الاقتصادي سيبعد الجمهور الشيعي عن حزب الله، فهذا الرخاء سيزيد من تعلق هذه البيئة بأحزابها، لأكثر من سبب لعل الأهم هو اقتناعهم بأن من دونهم سيعودون طائفة المحرومين في قلب النظام الطائفي.
فيما يتلهى أخصام حزب الله بمواجهته سردياً؛ إرضاء للجهات الخارجية التي تدعمهم، وطمعاً في حصد إعجاب افتراضي على شبكات التواصل الاجتماعي، يمضي نصر الله إلى انتصار آخر سينسبه دائما وأبدا إلى «السلاح المقدس».