خشبة خلاص الأسد المعتادة

* إن كان البعض يرى أن لا أفق لأي عملية سلمية بين سوريا وإسرائيل بسبب وضع الجولان المحتل واعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليها، فإن هذه النقطة قد تكون الأقل تعقيدا إن تمت أي مفاوضات، فمن سلم دمشق وحمص وحلب لإيران، لن يصعب عليه التخلي عن الجولان تحت تسميات مختلفة

تناقلت وسائل إعلام عربية ودولية عدة أنباء تتحدث عن احتمال وجود مفاوضات وقنوات تواصل سرية بين نظام الأسد والحكومة الإسرائيلية، وزادت التكهنات بعد توقيع اتفاق السلام الإسرائيلي الإماراتي، والإسرائيلي البحريني، وعدم صدور أي موقف عن نظام الأسد، وهو الذي طالما تاجر بقضية الصراع العربي الإسرائيلي واتهم كل من يختلف معه بالعمالة لإسرائيل.
وبغض النظر عن مدى دقة الأنباء، فإن الأمر في حال حصوله ليس مستغربا، ولن يكون مفاجئاً، فالأسد قد يراوغ اليوم بإرسال رسائل إيجابية لإسرائيل، تكون بمثابة تمهيد لما سيقدم عليه بعد الانتخابات الأميركية في حال فوز ترامب، حيث إن فوز الأخير بولاية ثانية قد يعني لبشار الأسد أربع سنوات صعبة، لن يستطيع تحملها، وقد تشكل إسرائيل خشبة خلاصه الأخيرة، وهذه لن تكون المرة الأولى التي يهرول فيها الأسد إلى إسرائيل لفك عزلته، فعلها بعد صدور القرار 1559 في العام 2004، واغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وإرغامه على سحب جيشه من لبنان، ليُعلن لاحقا رجل الأعمال السوري الأميركي إبراهيم سليمان أنه خاض جولات من المفاوضات مع إسرائيل بالتنسيق مع بشار الأسد بين العامين 2004-2007، وهو ما مهد عمليا للوساطة التركية بين دمشق وتل أبيب والتي أسفرت عن عقد ثلاث جولات من المفاوضات في إسطنبول عام 2008، والتي انتهت بحكم الأمر الواقع بعد توجيه التهم لإيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي واستقالته في شهر سبتمبر (أيلول) من نفس العام، لكن بشار الأسد خرج رابحا من هذه الجولات حيث استطاع فك عزلته الدولية، وهو نهج اتبعه والده من قبله الذي كان يشتم إسرائيل في العلن ويرسل لها رسائل الود في السر.
ولكن هل يثق المجتمع الدولي مجددا في الأسد؟ وهل تثق الولايات المتحدة وادارتها الجديدة أيا تكن، بنوايا الأسد الحقيقية؟ وهل ستوافق الإدارة الأميركية على إلغاء سجل بشار الأسد الوحشي المليء بجرائم الحرب والانتهاكات لكل المواثيق الدولية؟
لكن السؤال الأبرز، هل يملك الأسد أساسا قرار السلم والحرب مع إسرائيل، بعد أن سلم قراره بالكامل للإيراني؟ فإيران اليوم هي صاحبة الكلمة الأخيرة في سوريا، وما انتظره الكثيرون من روسيا بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا قبل خمس سنوات ومن أنها ستضع حدا للتمدد الإيراني، إنما أثبتت الأحداث أن نتيجته جاءت عكسية، وأن التدخل الروسي إنما خدم مصالح إيران في الدرجة الأولى.
 
وإن كان البعض يرى أن لا أفق لأي عملية سلمية بين سوريا وإسرائيل بسبب وضع الجولان المحتل واعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليها، فإن هذه النقطة قد تكون الأقل تعقيدا إن تمت أي مفاوضات، فمن سلم دمشق وحمص وحلب لإيران، لن يصعب عليه التخلي عن الجولان تحت تسميات مختلفة.
 في الواقع، العقدة الحقيقة هي وجود الميليشيات الإيرانية في سوريا، وهل سترضى إسرائيل بما يشبه القرار الدولي 1701 فتكون إيران بعيدة عنها بضعة كيلومترات كما في لبنان؟ ومن يقبل برعاية مفاوضات سلام بين نظام الأسد وإسرائيل قبل التوصل لحل للأزمة السورية؟
ما يقوم به الأسد هو نفسه ما تقوم به قوى الممانعة في لبنان بإيحاء إيراني، فإعلان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عن التوصل لاتفاق إطار مع إسرائيل لبدء محادثات مباشرة لترسيم الحدود بين البلدين لا يعني التوصل إلى اتفاق، وما إفشال الثنائي الشيعي، أي: حركة أمل ممثلة بالرئيس بري، وحزب الله، مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإنقاذية، إلا لأن أعينهم شاخصة على إرضاء السيد الأميركي ومحاولة تأجيل ما يمكن تأجيله من عقوبات ريثما يعلن البيت الأبيض عن سيده الجديد.
إلى حينه، فإن إيران تسعى للمفاوضات لا للحل، عل المفاوضات تخفف من وطأة العقوبات، وتسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية في العراق واليمن وسوريا، بانتظار القادم إلى البيت الأبيض، ولذلك أعطت إيران الضوء الأخضر لحلفائها ومنهم بشار، بقليل من المرونة التكتيكية وإرسال الرسائل الإيجابية ضمن هوامش اللعبة الإيرانية الكبرى في المنطقة.