القطاع السياحي في لبنان يتهاوى

دفع ثمن التعثر الاقتصادي والمعارك السياسية

* مارديني: بين عامي 2010 و2018 أدخل قطاع السياحة بين 7 و8 مليارات سنوياً إلى لبنان
* نزهة: حجم الخسائر التي يتكبدها قطاع المطاعم شهرياً يقدر بـ500 مليون دولار
* الأشقر: عدم الاستقرار السياسي أدى إلى أن يصبح لبنان بلداً معزولاً

 

بيروت: لطالما لعبَ القطاع السياحي في لبنان دوراً مهماً على الصعيد الاقتصادي، إذ شكل الدعامة الأولى للاقتصاد اللبناني، وما ساعد هذا القطاع على النمو هو امتلاك لبنان لخصائص جغرافية ومناخية وآثار دينية وتاريخية تجذب السياح من كل أصقاع الأرض، إلا أن الأزمات المتلاحقة التي تشهدها البلاد منذ عدّة أشهر أطاحت بالقطاع السياحي حتّى أصبح في حالة «الموت السريري».
تتعدد الأزمات التي تظهر كل يوم في لبنان لتنعكس سلباً على مختلف القطاعات ومنها القطاع السياحي، فقد تأثرت كل النشاطات السياحية بسلسلة الانهيارات المالية والاقتصادية خصوصاً بعد ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملة الوطنية، كما جاء فيروس كورونا ليشكل ضربة موجعة لمختلف المؤسسات السياحية.
وأمام هذا الواقع، بات خبر إقفال المؤسسات السياحية من مطاعم ومقاهٍ وفنادق ومكاتب تأجير السيارات ومحلات تجارية خبراً يومياً يتداوله الناس، مع ما يترتب عليه من تسريح أعداد من الموظفين، وخفض رواتب الآخرين.
وفي هذا الصدد، يشرح نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان خالد نزهة، في حديث لـ«المجلة»دور المطاعم في «تحويل الكثير من المناطق اللبنانية مثل مونو والجميزة والواجهة البحرية وبدارو والبترون وغيرها إلى وجهة سياحية مما أعطى دفعة كبيرة للبنان على هذا الصعيد، بحيث بات فيما صفي من البلدان المصنفة سياحياً بامتياز».
إلا أن الأحداث السياسية المتتالية التي بدأت عام 2018 مروراً بحادثة قبرشمون واندلاع الاحتجاجات الشعبية في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) ومن ثم أزمة المصارف التي امتنعت عن تسليم المودعين ودائعهم بالعملات الصعبة وانخفاض سعر الصرف وصولاً إلى أزمة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، كل ذلك أدى إلى تهديد هذا القطاع الذي بات يُعاني من مشاكل تهدد بقاءه على قيد الحياة، وهذا «ما دفع آلاف المؤسسات إلى إغلاق أبوابها»وفقاً لنزهة.
وأمام هذه الأزمات بات القطاع السياحي على المحك، ويؤكد نزهة أن «المطاعم حاولت قدر الإمكان المحافظة على أسعارها إلا أن انخفاض سعر الصرف بهذا الشكل كبدها خسائر كبيرة»ولتوضيح ذلك يقدم نزهة المثال التالي «كان سعر صحن الحمص اللبناني بحدود الـ7 آلاف ليرة أي ما يُعادل 5 دولارات، أما بعد الأزمة النقدية فقد اضطرت المطاعم إلى زيادة سعره لحدود الـ10 آلاف ليرة وهو ما يُعادل حالياً 1.5 دولار»، ويُتابع نزهة: «هكذا بتنا نراكم الخسائر وأصبح هدفنا إبقاء مؤسساتنا على قيد الحياة فقط دون تسجيل أي أرباح».

 




نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان خالد نزهة


 
انهيار القطاع يولد أزمة اجتماعية
ويقدر نزهة أعداد الموظفين الذين باتوا في خانة العاطين عن العمل بـ«100 ألف عامل من أصل 160 ألفاً». وأضاف أن «الـ60 ألفاً الباقين يتقاضون نصف راتب أو أقل»، في حين يقدّر رئيس اتحاد النقابات السياحية في لبنان بيار الأشقر في حديث لـ«المجلة»عدد الذين صرفوا من العمل في الفنادق بسبب انفجار مرفأ بيروت بـ«65 ألف موظف»، وأضاف أن الخسائر شملت «تضرر بشكل كلي أو جزئي 163 فندقا و2060 مطعما و40 شقة مفروشة و250 سيارة أجرة».
وتابع الأشقر أن «لبنان فيه جميع المقومات ليكون وجهة سياحية إلا أن عدم الاستقرار السياسي أدىإلى أن يصبح بلدا معزولا». ولفت إلى أنه «منذ قيام لبنان مرّت على البلاد ويلات كثيرة من حروب واغتيالات وغيرها إلا أن الوضع لم يصل إلى هذه الدرجة من السوء في أي مرحلة مما جعل هذا القطاع يعيش أسوأ أيامه، وهو على شفير الانهيار».

 




رئيس اتحاد النقابات السياحية في لبنان بيار الأشقر

 


كما يتخوف الأشقر من أن يؤدي عدم الاستقرار المالي إلى تكبيد المؤسسات السياحية المتضررة من انفجار المرفأ المزيد من الخسائر، إذ إن شركات التأمين ستعوض المتضررين، وفقاً للسعر الرسمي، في حين أن أعمال الصيانة تُدفع وفق سعر صرف السوق السوداء. أضف إلى ذلك، أن «هذه المؤسسات تُعاني أساساً من تمنع المصارف عن فتح اعتمادات لاستيراد بعض الأجهزة التي تضررت من الانفجار أو تقديم تسهيلات مصرفية»،وفقاً للأشقر.
ولا شك أن تبعات انهيار القطاع أثرت بشكل سلبي على مالية الدولة اللبنانية، حيث يُساهم بجزء أساسي من أموال الخزينة عبر الضرائب، كما يساهم بالحركة الاقتصادية في البلاد عبر استهلاك الإنتاج المحلي من أجبان وألبان، وكذلك استهلاك كل ما يتعلّق بالصناعات الغذائية والمنتجات الزراعية.
ويُقدر نزهة حجم الخسائر التي يتكبدها قطاع المطاعم شهرياً بـ500 مليون دولار، أما الخسائر التي أسفرت عن انفجار مرفأ بيروت فتفوق المليار دولار. ويؤكد نزهة أن «السياحة تحتاج إلى استقرار أمني وسياسي وهذا ما يفتقده لبنان في الوقت الراهن»، ويُكمل أن الحل يكمن في تنفيذ المسؤولين اللبنانيين لـ«الاقترحات والمطالب التي رفعناها إلى مجلس الوزراء والتي تشمل الإعفاءات الضريبية وتخفيض الرسوم وتنظيم المدفوعات المستحقة على القطاع ومعالجة قضية ارتفاع سعر صرف الدولار».

 




رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني


 
عوائق أمام إعادة نمو القطاع السياحي
وثمة نظرية في علم الاقتصاد تُفيد بأن الأزمة النقدية الحالية يمكن أن تُساعد في إعادة نمو القطاع السياسي، ذلك أن التكلفة التي سيتكبدها السائح الذي يحمل العملات الصعبة خلال زيارة لبنان انخفضت مقارنةً بالتكلفة التي كان سيتكبدها في حال زيارة البلاد قبل الأزمة. بمعنى أوضح، فإن أسعار المقاهي والمطاعم والفنادق والأماكن السياحية زادت بضعف أو ضعفين وفقاً للعملة المحلية في حين أن سعر الدولار تضاعف خمس مرات عن السابق، وهذا بدوره ما سيزيد من أعداد السائحين.
يوافق رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني في حديث لـ«المجلة»على هذا التحليل من الناحية النظرية، إلا أنه يلفت إلى ثلاث مشاكل تمنع تحقيق هذه الاستفادة من الناحية العملية، وهذه المشاكل تتمثّل في «فيروس كورونا الذي أدى إلى تراجع القطاع السياحي في جميع أنحاء العالم، وانفجار مرفأ بيروت الذي زرع الخوف لدى كل من يريد القدوم إلى لبنان». أما المشكلة الثالثة فتتمثل في «أسعار تذاكر الطيران من وإلى لبنان عبر شركة طيران الشرق الأوسط التي تعتبر ذات أسعار مرتفعة جداً بالمقارنة مع وجهات سياحية منافسة، فمثلاً تذكرة السفر من فرنسا إلى لبنان تترواح بين 500 إلى 600 دولار في حين أن تذكرة السفر إلى الأردن أو اليونان أو قبرص هي 200 دولار»، وفقاً لمارديني.
ويرى مارديني أن «قطاع السياحة هو نبض الاقتصاد اللبناني وهو قطاع تنافسي مما أدى إلى جذب السائحين رغم كل المشاكل في البنى التحتية التي يُعاني منها البلاد من كهرباء وإنترنت وغيرها»، وأضاف مارديني أن «سبب نجاح هذا القطاع طوال السنوات السابقة تعود إلى أنه كان مُدارا من قبل القطاع الخاص بشكل كامل»، مشيراً إلى «دور العرب في إحياء وتنمية قطاع السياحة».
ولفت مارديني إلى أنه «من الناحية التاريخية فإن السياحة هي أكثر قطاع منتج في لبنان، حيث يساهم بدخول العملات الصعبة التي تسمح للشعب اللبناني باستيراد كل حاجاته». كما أشار مارديني إلى أنه «بين عامي 2010 و2018 أدخل قطاع السياحة بين 7 و8 مليارات سنوياً إلى لبنان إلا أن هذا الرقم انخفض للنصف ليصبح 4 مليارات عام 2019، أما اليوم فالوضع كارثي». 
ويؤكد مارديني أن «المؤسسات السياحية اللبنانية كانت تُسجل خسائر في فصل الشتاء إلا أن أرباحها الطائلة خلال فصل الصيف يعوض خسارتها ويُسجل لها فائضاً من الأرباح، ولكن مع انتشار فيروس كورونا وما نجم عنه من خسائر خلال هذا الصيف شكل ضربة قاسية للقطاع».
وعن مستقبل القطاع السياحي، أوضح مارديني أنه «سوداوي؛ إذ سنشهد إغلاق الكثير من المؤسسات السياحية التي ستغير وجه لبنان الجميل، وقد تتفكك بنية لبنان السياحية حيث ستكون المرحلة المقبلة صعبة جداً».
 
السياحة الداخلية 
وأمام هذه الأزمات، برزت في الآونة الأخيرة عدّة مبادرات لدعم السياحة الداخلية، إلا أن زيادة أعداد العاطلين عن العمل وتدني القدرة الشرائية لم تسمحا للسياحة الداخلية بالتأثير الإيجابي على القطاع. لذا باتت أولوية المواطن اللبناني تأمين مستلزماته واحتياجاته الأساسية، وأصبحت معها زيارة المقاهي والمطاعم في أدنى سلّم اهتماماته.
فضلاً عن ذلك، فإن الوضع السياسي والأمني غير المستقر وإغلاق البلاد بسبب الوباء ساهما في حصر هذا النوع من السياحة.
ومن جهته، لا يُخفي مستشار وزير السياحة وعضو لجنة التدابير الوقائية لمكافحة فيروس كورونا مازن بو درغم في حديث لـ«المجلة»أن هناك «صعوبة تفعيل السياحة الداخلية، إذ إن اللبناني يُعاني في الوقت الحاضر من تدني المدخول الفردي».
وأشار بو درغم إلى أن «السياحة تعتمد على فئتين هما الأجانب واللبنانيون المغتربون الذين يزورون البلاد بشكل دوري، لذا فإن إعادة فتح المطار ساعد باستقطاب الفئة الثانية». وتابع بو درغم أن «الوزارة عملت على تفعيل السياحة الطبية وخصوصاً من العراق من خلال اتخاذ تدابير وقائية بإجراء فحص كورونا والحجر لمدة يومين».
وأكد بو درغم على أن نمو هذا القطاع سينعكس إيجاباً على كامل الدورة الاقتصادية للبلاد، إذ إنه «يحوي 155 ألف عائلة عاملة إضافة إلى 55 ألف عائلة تعيش من العمل في القطاع في المواسم».
إذن، يبدو أن القطاع السياحي أصبح ضحية جديدة للأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، وبات في مرحلة «الموت السريري»في ظل غياب الرؤية الإنقاذية الجدية من قبل الدولة، وأصبحت المؤسسات التي وضعت البلاد على خارطة السياحة العالمية مهددة بالإقفال النهائي مع ما يحمله هذا القرار من ترك آلاف الأشخاص والعائلات بلا عمل أو مدخول، وما يزيد من حجم الكارثة تحول المسؤولين إلى «متفرجين»على الانهيار دون تحريك أي ساكن.