مقتل شيماء… من يحمي الجزائريات من العنف؟

اغتصبها الجاني وأضرم النار في جسدها وألقى بها إلى منطقة مهجورة

* شهدت الجزائر ارتفاعاً ملحوظاً في معدل جرائم اختطاف الأطفال الذي استفحل مؤخراً، لاسيما في عامي2011 ، و2012 

* في عام 2014 تم تسجيل220  محاولة اختطاف لأطفال، وبلغ الرقم52  حالة عام 2016، ونجحت الجهود الأمنية في استعادة معظمهم، بينما عثر على7  منهم مقتولين

* تصدر المحاكم الجزائرية أحكاماً بالإعدام في قضايا ثقيلة، لكنها لا تنفذ، بعد أن تم تعليقها منذ عام 1993 بسبب اتفاقيات دولية وقعتها الدولة، والتراجع عن هذه الاتفاقيات أمر صعب

* يرفض ناشطون حقوقيون تنفيذ الإعدام، ويرون أن الحل في هكذا حالات يكون بتحليل الظاهرة، وتحديد أسبابها الاجتماعية والنفسية وبالعمل الاستباقي 

 

الجزائر: «خرجت ولم تَعُد، خرجت ولم تُوَدعني، أحَرَقتَ قلبي وفَطَرت فؤادي، طَلَبْتَها للزواج ورفضتك، لماذا انتقمت منها بهذه الطريقة، أحْرَقَها، يا تبون لا أريد منك غير القصاص لابنتي»، بهذه الصرخات والآهات، عبّرت الأم المكلومة في ابنتها المغدورة «شيماء»، التي هزّت حادثة مقتلها قلوب وأفئدة الجزائريين جميعاً، بعد أن قام الجاني باغتصابها للمرة الثانية، وإضرام النار في جسدها، ورميها بعد ذلك في محطة مهجورة للوقود بمدينة الثنية ببومرداس التي تبعد 50 كلم شرقي العاصمة، لتتحول قصتها إلى قضية رأي عام، وسط مناشدات قوية للسلطات من أجل التحرك وكشف التفاصيل.

وبينما كان الجزائريون يتطلعون لبناء عهدٍ جديد، يكون فيه القانون سيد الموقف، وفيه تُصَان الأرواح والحريات، جاءت قصة شيماء المروعة لتوقظهم على واقعٍ خطير، لطالما حذّر من تداعياته كثيرون، في ظل تنامي حالات العنف داخل المجتمع، وبشكل خاص ضد الأطفال والنساء، وقصة شيماء ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة فيما يبدو، إذا لم تتحرك السلطات لردع الجناة، وفرض منطق القانون.

شيماء صاحبة الـ 19 ربيعاً، غادرت المنزل صبيحة الخميس، متجهة نحو إحدى المدن القريبة من منزلها لتسديد فاتورة هاتفها، حسب ما روته والدتها في مقطع فيديو بُث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كان خروجها من المنزل عادياً، لكن عودتها لم تكن كذلك، فشيماء تأخرت لساعات عديدة، بل تجاوز الأمر أربعا وعشرين ساعة، لتضطر الوالدة لتقديم شكوى لدى مصالح الأمن، لتكتشف حجم الفاجعة التي ألمت بها، وبابنتها المغدورة، فشيماء البريئة عُثر عليها جثّة هامدة، بل متفحمة في محطة وقود مهجورة.

السلطات كشفت أن المختصين عاينوا جثة شيماء، وتبين أن هناك كدمات وجرحاً كبيراً على فخذها الأيسر، ومؤخرة رأسها، كما كان بعض من شعرها ملقى أمام الجثة، مثلما كشفه وكيل النيابة في بومرداس خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، حينما كشف أن «المتهم استدرج الضحية وقام باغتصابها قبل أن يضربها ويحرق جثتها بالبنزين». 

وأوضحت السلطات أن مرتكب الجريمة من أصحاب السوابق، وقد سبق للضحية أن تقدمت بشكوى ضده بتهمة الاغتصاب عام 2016، حين كانت تبلغ من العمر14  عاما فقط، تم إيداع المجرم السجن لمدة عام ليفرج عنه بعد ذلك، ويعود إلى فعلته، وقام باختطاف شيماء من أمام بيتها مستخدما السلاح الأبيض واغتصبها، ثم أحرق جثتها، وفر هاربا.

وكيل الجمهورية لدى محكمة بومرداس، كشف تفاصيل أخرى حينما قال إن «الجاني تقدم صبيحة يوم 2 أكتوبر من مصالح الدرك ليبلغ عن قيام مجهولين حسبه بحرق الفتاة بمحطة البنزين المهجورة، أثناء غيابه لإحضار الأكل، غير أنه بعد التحقيق معه اعترف باستدراجه لها لهذا المكان، واغتصابها والاعتداء عليها بسكين ثم حرقها». 

وبينما أعلنت والدة شيماء أنها لن تقبل دون القصاص، اهتزت شبكات التواصل الاجتماعي على وقع هذه الجريمة النكراء، وأطلق نشطاء هاشتاغ  «القصاص لقاتل شيماء»، وآخر حمل اسم «العدالة لشيماء»، وغردّت الناشطة كوثر «شيماء سعدو، تعرضت للاغتصاب سنة 2016، وعلى غير العادة، شيماء لم تسكت، اشتكت وحصّلت حقها من المجرم الذي عوقب بالسجن، عاشت شيماء جحيم التهديد من والدة الجاني بالانتقام. خرج المجرم من السجن واختطفها، وقام بضربها حتى أغمي عليها، وأعاد اغتصابها ثم قام بذبحها وحرق جثتها». 

أما أنفال فغرّدت «نتيجة العفو على المجرمين وغياب العدالة،  شيماء البالغة من العمر  19 عاما قدمت شكوى ضد مغتصب كان أصلا مسبوقا بجرائم عديدة. لكن الشكوى لم تؤخذ بعين  الاعتبار حتى عذبها وأحرقها حية، البلد الذي لا توجد فيه لا كرامة ولا عدالة هو مجرد غابة كبيرة وغير صالح للعيش. العدالة لشيماء». 

أما عبد الرحيم فقد غرّد مطالباً بتطبيق حكم الإعدام في حق الجاني: «المطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام للمغتصبين ما هو إلا الحل السريع لإعفاء المجتمع من كل المسؤولية وتجنب التشكيك في أسسها». أما سارّة فغردت غاضبة: «في الوطن العربي تتغير الأسماء وتبقى الجريمة واحدة، لا قانون يحمي النساء في هذه البقعة الموبوءة بالجهل والفساد». 

وفي بيان تحصلت «المجلة» على نسخة منه، وصفت جمعية حورية للمرأة الجزائرية ما حدث لشيماء بـ«الجريمة النكراء»، واسنتكرت المنظمة بشدة هذا الفعل الشنيع الذي هزّ حسب البيان «قلوب كل الجزائريين وأدخل كل العائلات الجزائرية في حالة من الحسرة والألم والذهول». وبينما دقت الجمعية ناقوس الخطر من تنامي ظاهرتي الاختطاف والاغتصاب، دعت إلى «تكاتف جميع الجهود وضرورة اتخاذ كل التدابير الوقائية للحد من انتشارها». كما طالبت القضاء الجزائري بـ«تسليط أقصى العقوبات والقصاص من كل من تسول له نفسه بالتعدي على أعراض الناس وأرواحهم». كما طالبت بـ«ضرورة تفعيل عقوبة حكم الإعدام في قضايا الاختطاف والاغتصاب والقتل». ودعت الأولياء إلى «ضرورة التحلي بروح المسؤولية والحرص على حسن تربية أبنائهم ومرافقتهم في مختلف مراحلهم العمرية من أجل تجاوز العقبات».

«نساء جزائريات من أجل المساواة»، وهي شبكة نسوية تدافع عن حقوق النساء، وتسلط الضوء على قضايا العنف الممارس ضدهن، أحصت منذ بداية العام الجاري وإلى غاية اليوم تعرض نحو 38 امرأة للقتل لأسباب متعددة ومن مصادر مختلفة، دعت إلى وقفة احتجاجية للتنديد بما تتعرض له النساء الجزائريات من عنف في المجتمع، وبينما تحصي الجزائر سنويا أكثر من سبعة آلاف حالة عنف ضد النساء، إلا أن جهات حقوقية تعتبر أن هذه الأرقام بعيدة كل البعد عن الواقع لأن هناك كثيرا من النساء المعنفات لا يصرحن بالعنف، نظرا لاعتبارات عديدة منها اجتماعية وثقافية.  وحسب جهات حقوقية فإن نسبة الاعتداء على المطلقات ارتفعت في الآونة الأخيرة في المحاكم بشكل مذهل، مؤكدين أن ما يزيد على 30 في المائة من العنف الممارس ضد النساء يتعلق بالمطلقات اللواتي يعتدي عليهن أزواجهن السابقون، سواء بالضرب أو الشتم والسب، فيما تصدرت قتل المطلقات قائمة الجرائم في حق النساء في الجزائر.

ومنذ ظهور وباء كوفيد-19، ومع الإجراءات التي فرضت في إطار الحجر الصحي، تنامت ظاهرة العنف بشكل كبير داخل الأسر الجزائرية، وحسب حديث الناشطة الحقوقية ياسمين برّي لـ«المجلة» فإن «الحجر المنزلي لم يتسبب فقط في تنامي العنف بين الأزواج، بل تطور ليشمل عنف الآباء ضد الأبناء، وعنف الإخوة فيما بينهم»، لكن الحلقة الأضعف دائما حسب حديثها هي «المرأة التي تمارس عليها كل أشكال العنف في الأخير»، والسبب في ذلك حسب برّي أن «الحجر المنزلي الذي فرضته السلطات لم تتبعه إجراءات لحماية فئات ضعيفة كالنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين»، واعتبرت أن «تعليق عمل المحاكم، ورفض مصالح الطب الشرعي استقبال المعرضات إلى العنف إلا بأمر من وكيل الجمهورية أو الجهات الأمنية أمر كان له أثر سلبي على المعنفات لغياب وعدم توفر الحماية القانونية لهن».

رئيسة المرصد الجزائري للمرأة وعضوة المجموعة الإقليمية للأمم المتحدة، شائعة جعفري، أشارت إلى أن «لجنة المرأة بهيئة الأمم المتحدة كشفت عن تنامٍ وارتفاعٍ كبير للعنف المنزلي ضد المرأة»، وطالبت بإطلاق حملات توعوية للحد من الظاهرة، موضحةً أن «الجزائر وعلى غرار الدول التي تعيش ظروف الجائحة، عرفت كذلك ارتفاعاً في عدد حالات التعنيف المنزلي ضد المرأة؛، حيث تلقى المرصد شكاوى كثيرة من نساء معنَّفات». وأضافت جعفري أن «عجز النساء عن تقديم شكاوى لدى المصالح المختصة في الظروف الحالية، وتفضيل التكتم أو السكوت عن العنف الممارس ضدهن، سواء كان من زوج أو أب أو أخ، زاد من اتساع الظاهرة من جهة، ومن معاناة المرأة من جهة أخرى، خصوصاً أن الموروث الاجتماعي من أعراف وتقاليد لا يسمح لها بتقديم شكوى ضدهم، لذلك تتواصل معاناتها في صمت رغم الترسانة القانونية الجزائرية الموجودة لحمايتها من أي نوع من أنواع العنف الممارس ضدها».

وبالمقابل تسجل الجزائر سنويا بحسب الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل، أكثر من9 آلاف حادث اعتداء جنسي سنويا، تشمل زنا المحارم والاغتصاب والتعنيف الجنسي والحالات المتعلقة بالاختطاف، وقد أحصت البلاد هذه السنة13 حالة اختطاف للأطفال خلال العام الجاري، دون تسجيل أي ضحية. ويتضمن القانون الجزائري نحو18  جريمة يعاقب عليها بالإعدام، جميعها تتعلق بإزهاق الروح البشرية، بينما تنص المادة293  مكرر من قانون العقوبات على أن عقوبة جريمة الاختطاف تتراوح ما بين10  إلى20  سنة سجنا، وقد تصل إلى الإعدام، إذا مات الشخص المختطف.

وفي خطوة جديدة نحو وضع حد لمثل هذه الجرائم، سنّت وزارة العدل، بأمر من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مشروع قانون خاص، يتضمن تشديد العقوبات على مختطفي الأطفال. وينص القانون الجديد على عقوبة المؤبد للذين يختطفون أطفالا ويعثر عليهم سالمين، فيما تصل العقوبة إلى الإعدام في حال قتل الأطفال والتنكيل بجثثهم.

 وشهدت الجزائر ارتفاعا ملحوظا في معدل جرائم اختطاف الأطفال الذي استفحل مؤخرا، لاسيما في عامي2011 ، و2012، وفي عام 2014  تم تسجيل220  محاولة اختطاف لأطفال، وبلغ الرقم52  حالة عام 2016، ونجحت الجهود الأمنية في استعادة معظمهم، بينما عثر على7  منهم مقتولين. 

ويحدث أن تصدر المحاكم الجزائرية أحكاما بالإعدام في قضايا ثقيلة، لكنها لا تنفذ، بعد أن تم تعليقها منذ عام 1993 بسبب اتفاقيات دولية وقعتها الدولة، والتراجع عن هذه الاتفاقيات أمر صعب، وحتى داخليا يرفض ناشطون حقوقيون تنفيذ الإعدام، ويرون أن الحل في هكذا حالات يكون بتحليل الظاهرة، وتحديد أسبابها الاجتماعية والنفسية وبالعمل الاستباقي. 

أسباب العنف الممارس ضد النساء متعددة ومركبة، وجاء في تقرير صادر عن منظمة هيومان رايتس ووتش صدر قبل عامين «لا تستطيع الناجيات من العنف الأسري تغيير وضعهن، ليس فقط بسبب تبعيتهن المادية للجناة ولكن بسبب حواجز اجتماعية أيضا، منها الضغط عليهن للحفاظ على الأسرة مهما كلف الأمر، وتجنب الوصم والعار الذي يلحق بالأسرة إذا ما غادرت المرأة المنزل أو اشتكت من سوء المعاملة»، مما يزيد قسوة هذه الحواجز تقول المنظمة الحقوقية «إخفاق الحكومة الجزائرية في منع العنف الأسري وحماية الناجيات وإنشاء نظام شامل لملاحقة الجناة. من أوجه فشل الحكومة الجزائرية في الاستجابة للمشكلة قلّة الخدمات المقدمة إلى الناجيات، تحديدا مراكز الإيواء، ونقص تدابير الوقاية من العنف مثل تعديل المناهج التعليمية لإلغاء أنماط وسلوكيات اجتماعية وثقافية تمييزية وتنميط جنساني مهين، وعدم توفير حماية كافية من المعتدين، والاستجابة غير مناسبة من قِبَل أعوان إنفاذ القوانين».

وفي سياق التدابير التي تقوم بها الحكومة الجزائرية لمحاربة العنف ضد النساء، أطلقت وزارة التضامن والأسرة وقضايا المرأة خطوات إضافية ضمن استراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة أعلن عنها عام 2017، وتتضمن إنشاء قاعدة بيانات للنساء ضحايا العنف والنساء في وضع صعب، بهدف ضمان سرعة معالجة حالات النساء ضحايا العنف والنساء في وضع صعب، ووضع آليات التكفل بهن ومرافقتهن وأطفالهن، في فضاءات ومراكز، حيث تم خلالها التكفل بأكثر من ألف حالة خلال 2018، والعمل على إعادة إدماجهن الاجتماعي والمهني.