د. سعاد الصباح لـ«المجلة»: الاتجار بحقوق الإنسان قائم

د. سعاد الصباح: المتاجرون بحقوق الإنسان يدافعون عن الديمقراطية
* دعاوى الحسبة تتناقض مع حقوق الإنسان 
* الأمسيات الشعرية ليست حفلات كوكتيل 

الكويت: «حقوق الإنسان في العالم المعاصر»،أحدث إصدارات د. سعاد الصباح، يطرق موضوعاً يكاد يكون الشغل الشاغل لكل المنتديات السياسية في العالم... وحول هذا الكتاب وما تضمنه من قضايا كان لـ«المجلة»الحوار التالي معها:
 
* ربطت بين الاهتمام المتنامي بموضوع حقوق الإنسان واختفاء غالبية النظم الشمولية، فهل يمكنك رسم العلاقة التضادية بين الإطارين؟ 
- النظام الشمولي قائم بالضرورة ضد مفهوم حقوق الإنسان، النظام الشمولي أيا كان صيغته يزعم أنه مالك الحق في قرار الشعب، فهو الذي يحدد النظم ويعرف الباطل والحق ويرسم القوانين، إنه نظام يدعي ألوهية الحاكم ونبوة مساعديه في عصر لا مكان فيه للأدباء الجدد. ومنذ وفاة الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لم يعد هناك أنبياء فكيف يكون هناك مؤلهون؟ ورغم انجلاء هذه الحقائق فإننا ما زلنا نسمع بمحاولات للحكم الشمولي تحت مسميات عدة، لعل أبغضها عندما يحاولون إلصاق كلمة الديمقراطية بها، والزعم أن الديكتاتورية هي ديمقراطية الخلاص، لذلك فإن تعاظم الإيمان بحقوق الإنسان يشكل تناقضا مع الأنظمة المعصومة، والتي تحرم الإنسان من حقوقه بحجة أنها تعرف ما هو الأفضل له حتى ولو كان هذا الأفضل هو سجنه أو إعدامه. 
إن حقوق الإنسان تقوم على الحرية أولا بينما الشمولية التوتاليتارية تقوم على حلول حرية النظام بديلا لحرية الشعب.
 
* هل  تكرس مواضيع حقوق الإنسان الانفرادية والذاتية؟
- أبداً لا يمكن ذلك إلا حين يتحول مفهوم حقوق الإنسان إلى الفوضى، وما هو كذلك. إن حقوق الإنسان تعني حرية الاختيار في المجتمع، حرية تقرير مصيره والتعبير عما يؤمن به وأول حقوق الإنسان أن لا يعتدي على حق سواه لأنه لو فعل لكان متناقضا مع الذات ولكان فعله رخصة مشروعة للغير حتى يئد حقوقه.
 
* ألا تعتقدين بأن موضوع حقوق الإنسان بات مرتبطا بالمصالح السياسية أكثر من ارتباطه بالقيم أو المبادئ؟ 
- يجري استغلال موضوع حقوق الإنسان سياسيا وإعلاميا من قبل بعض الدول والمنظمات حتى تلك التي لا تؤمن بحقوق الإنسان ولكن هذا الاستغلال المشوه مكشوف أمام العالم ولا يلغي قضية حقوق الإنسان لقد عرفنا عبر التاريخ أنظمة تدعو إلى الديمقراطية وهي التي تقوم على الديكتاتورية وكأن الدعوة موجهة إلى غيرها فقط. إن الاتجار بحقوق الإنسان أمر قائم ولكنه غير شرعي.


 
* طوال صفحات عديدة أشرتِ إلى كفالة الإسلام لحقوق الإنسان في حين يصر بعض مفكرينا على تعارض مفهوم الإنسان في الدولة المدنية الحديثة عنه في الدولة الدينية التي تنادي بها بعض الجماعات السياسية، هل يمكنك تسليط بعض الضوء على موقفك من هذه القضية في إطار ما بحثته في كتابك؟ 
- من الضروري التمييز بين الدولة الدينية وبين الدولة التي تعتنق الدين وتستلهم تشريعاته دون الانتقال إلى حالة الدولة المغلقة أو التي يحكمها رجال الدين. إن الإسلام قد كفل حقوق الإنسان في حرية الرأي والعيش واختيار الحاكم ومحاسبته، ولم يعط لولي الأمر عصمة تسقط عنه الحساب العام. إن الدولة المدنية الحديثة لا يمكن أن تكون دولة السلطة الدينية ولكن يمكن لها أن تكون إسلامية الجذور وإسلامية التشريع في معظم شؤون الحياة ويتوقف ذلك على عمق ومدى فهمنا للإسلام وعلى عمق ومدى جدية وعينا بالمتغيرات والارتباط اللازم بالزمن لبناء حياة معاصرة. 
 
* هل تعتقدين أن دعاوى الارتداد والحسبة التي يضطلع بها بعض الجماعات السياسية تتوافق مع مفاهيم حقوق الإنسان وفقا لما قرره الإسلام من واقع ما بحثته في كتابك؟ 
- على العكس من ذلك فإن دعاوى الحسبة كما نراها وبهذه الصيغ الدعاوية تتناقض مع مفهوم حقوق الإنسان التي تكفل للإنسان حريته في المعتقد والتعبير ومن هنا فإن وجود النظام في الدولة الحديثة هو الذي يحسب مثل هذه السلوكية لأن الدولة بأجهزتها القضائية هي الحكم الذي يجب أن يمارس دوره والذي لا يجوز التخلي عنه حتى لا يصبح كل مواطن شرطيا وقاضيا وجلادا للمواطن الآخر.
 
* تسجل دول العالم الثالث أكبر نسبة في مجال انتهاك حقوق الإنسان لماذا؟ 
- لأن أنظمتها في غالبيتها العظمى لم تقم أساسا وفق المفهوم الديمقراطي، لقد ورثت هذه الأنظمة من عصور الاحتلال والانتداب سلطة مطلقة تتناقض مع حقوق الإنسان في الاختيار الحر لنظامه، لذلك فإنها تقمع هذه الحقوق التي سوف يؤدي الأخذ بها إلى سقوط أنظمة البطش والقوة كما أن المجتمعات في دول العالم الثالث تعاني من حصاد للنظام فقرا وجهلا وتخلفا ويؤرقها السعي وراء لقمة العيش بحيث تعجز عن خوض معركة الإقرار بحقوقها فتستمرئ الأنظمة ذلك وتمعن في انتهاك حقوق الإنسان.
 
* اللجوء إلى العنف لمواجهة العنف المضاد في سبيل الحصول على هذه الحقوق هل تتصورينه السبيل إلى تحقيق شيء ما؟
- لست من أنصار العنف في أي شكل كان، دون المساس بحق الشعوب في النضال والكفاح المسلح من أجل استعادة حقوقها من القوى المحتلة أو المغتصبة، ولكنني لست من دعاة العنف في المجتمع الواحد، أدعو إلى الحوار وإلى السعي لتعميق مفهوم الرأي الآخر وحق الإنسان فيه بعيدا عن الرصاص والسجون والاضطهاد. 
 
* أتلاحظين أن هناك ازدواجية في الفكر الغربي تجاه موضوع حقوق الإنسان؟ 
- هذا صحيح ولعل في موقف الولايات المتحدة من قضية حقوق الإنسان في فلسطين وفي الصين خير نموذج على التناقض وعلى الاستغلال وعلى الاتجار بشعارات حقوق الإنسان على حساب الحق الإنساني الذي لا يتجزأ ولا يتلون. إن الولايات المتحدة خاضت حربا لإقرار شرعية الانتخابات في هايتي وبالتالي حق الشعب في اختيار نظامه، إنها تقاطع دولا تحت شعار الحرص على حقوق الإنسان بينما تبحث عن غطاء تستر به وجهها حين تدفن قضية حقوق الإنسان في الصين حرصا على مصالحها التجارية وعلى توازن القوى في آسيا، كذلك تفعل في فلسطين التي تشحن أرضها اغتصابا وعدوانا يوميا على حقوق العرب فتطرب له واشنطن وتصفق وتمنح إسرائيل المزيد من المساعدات ومن التغذية والدعم السياسي والإعلامي حتى تنتصر قوى العدوان والبطش على قوى الحق والسلام.
 
* لخصت مصادر موضوع حقوق الإنسان في الفكر السياسي الحديث بثلاث مدارس، فهل لنا أن نعرف إلى أيها تميلين لتحديد صياغة عامة لمفهوم حقوق الإنسان في المجتمعات العربية التي تتصارع فيها التيارات والاتجاهات المتناقضة على المستوى السياسي والاجتماعي كذلك؟
- يبدو لي أن المدرسة القانونية الوضعية هي الأقرب إلى متطلبات بناء مجتمعاتنا الجديدة، إننا بحاجة إلى تجذير مفهوم حقوق الإنسان وفي ربطه حياتيا من خلال التقنين الذي يسمح لكل فرد بمعرفة حقوقه وواجباته ويسمح بقيام الميزان الذي على أساسه تتم محاسبة المواطن ومحاسبة الدولة أيضا إن فرطت بهذه الحقوق أو تجاهلتها. 
 
* يلح عليّ تساؤل رأيته في همسات الكثيرين ممن حضروا الأمسية الأخيرة لك في مهرجان القرين وهو ما يتعلق بغياب الجديد والاتكاء على الإرث التاريخي لسعاد الصباح...  فما هو تعليقك على ذلك؟ 
- أحس أن هناك قصائد لي نشرت وسبق لي وألقيتها ولكنها لم تأخذ المدى الذي أريده لها من حيث الأثر الفاعل في حياتنا الثقافية والعامة لذلك أشعر أنني مدعوة إلى إلقاء هذه القصائد أكثر من مرة، خاصة وأن الجمهور اليوم هو جمهور تلفزيوني بمعنى أنه لو كانت هذه الوسيلة الإعلامية تؤدي دورها الثقافي في تغطية المهرجانات والأنشطة الثقافية لكان الشعر أدرك أن غرضه قد تحقق وانتقل إلى اختيارات جديدة ترضي قناعته وتشبع رغبات جمهوره.
 
* البعض يشير إلى أن جمهور سعاد الصباح في غالبه يقتصر على نوع وطبقة اجتماعية معينة وهو ليس بجمهور شعر ولكنه جمهور مناسبات اجتماعية فقط ما هو تعليقك على ذلك؟
- الأمسية الشعرية ليست حفلة كوكتيل فالمستمع الذي يخصص ساعتين من وقته للوصول والاستماع ثم المغادرة لا يفعل ذلك للتسلية إنه يتحمل العناء حتى يحصل على ما يريده والقول بأن جمهوري يمثل طبقة اجتماعية معينة فيه الكثير من المغالاة فالشعر الذي ألقيه لا يمكن أن يكون طبقيا لأن الشعر في تكوينه للإنسان وليس لفئة من الناس.
 
* السؤال الأخير عن إشاعة وجود عدد من المشاريع الإعلامية المعدة أو المؤجلة لديك كإصدار صحيفة أو مجلة، ما مدى صحة هذه الإشاعة وهل هناك نية  لذلك؟
- منذ عامين حصلت من الأخت الفاضلة غنيمه فهد المرزوق على امتياز مجلة «أجيال»السياسية الأسبوعية والتي أصدرتها في العام 1970، ثم حالت ظروفها دون الاستمرار في أداء هذه الرسالة السامية، إذ كرست معظم اهتمامها لأعمال إنسانية عظيمة لمتابعة إصدار مجلتها الاجتماعية الراقية «أسرتي»وليس لدي الآن خطة محددة تجاه هذا المشروع الإعلامي والذي أريد له أن يستكمل كل عناصر النجاح والديمومة قبل الانطلاق به.


 
 
الإنسان أصل كل تطور والإسلام عالج حقوق الإنسان
 
 
لن يكون مستغربا أن تقدم د. سعاد الصباح على إصدار كتاب يعنى ببحث قضية حقوق الإنسان، فهي عضو مؤسس للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وعضو مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية فيها، وعليه فإن هذه الخطوة تعتبر استكمالا لمسيرتها الناشطة في هذا المجال، والكتاب الذي صدر بالحجم المتوسط وبصفحات تزيد على المائتين والخمسين صفحة ويحمل عنوان «حقوق الإنسان في العالم المعاصر»أفاض في بحث هذا الموضوع الحيوي وحددت ثلاثة دوافع حملتها لإصداره، وأولها نشر الوعي بقضايا حقوق الإنسان بين أبناء الكويت ودول الخليج العربي الأخرى، وأن يكون هذا الوعي واضحا بهذه الحقوق دون لبس أو اختلاط. 
 وثانيها أن أبرز قضايا حقوق الإنسان ليست موضوعا سياسيا وحسب لا يهتم به سوى القلة المثقفة ورجال السياسة، بل إنه يتصل اتصالا وثيقا وحميما بحسن تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وبتوفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي. 
وثالثها أن يدرك كل إنسان حقوقه وواجباته وأن يعرف أن كل حق يقابله واجب وأن الوجه الآخر للحرية هو المسؤولية وأن نطاق حرية كل واحد منا ينتهي عند النقطة التي يبدأ فيها نطاق حريات الآخرين.
وترى الباحثة في المقدمة التي وضعتها لكتابها أن الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان والحريات الأساسية يمكن إرجاعه إلى اعتبارات كثيرة منها أن الإنسان الذي قررت هذه الحقوق من أجله هو الأصل في كل تطور أو تقدم وتوفير الضمانات اللازمة التي تكفل التمتع بقدر مناسب من الحقوق والحريات صار يعتبر أحد المداخل المهمة لتحقيق الغايات المرجوة من أي مشروع أو خطة للتنمية ويعرض الكتاب لموضوعه من خلال فصول ثمانية...
ركز الأول منها على بحث حقوق الإنسان في الإسلام والفكر السياسي الحديث، وذلك كمدخل لفهم الأصول الأولى لمجمل القواعد المتعلقة بحقوق الإنسان والتي ينبغي أن تنطلق أساسا من هذين المصدرين وهما الأديان وتطور الفكر البشري. وركزت الباحثة على بحث مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام من خلال مداخل رئيسية أربعة تناولت في الأول منها جزئية الإسلام والإنسان بصفته فردا، وحددت أن الأصل في الإسلام ترقية الإنسان إلى مكانة خاصة تتقدم بها على الكثير من مخلوقات الله تعالى. 
وفي الجزئية الثانية بحثت الإسلام وعلاقه الفرد بالدولة، والتي ترى أن فهم موقف الإسلام منها يمثل أحد المداخل المهمة للوقوف على كنه التصور الإسلامي لحقوق الإنسان بصفة عامة.
أما الجزئية الثالثة فخصصتها لبحث موضوع الإسلام وحقوق غير المسلمين في إطار الدولة الإسلامية وقالت إن الإسلام وضع عدة مبادئ حاكمة...
أولها: المبدأ الذي يقضي بأن كل الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية من غير المسلمين يحق لهم التمتع بكل الحقوق والحريات المكفولة للمسلمين وبلا أي تمييز ولا يستثنى من نطاقها إلا تلك التي تتعلق بالولاية القضائية.
وثانيها: المبدأ الذي يكفل لغير المسلمين التمتع بالحق الكامل في المساواة مع مواطنيهم المسلمين أمام القانون.
وثالثها: المبدأ الذي يقضي بأن غير المسلمين الذين يعيشون في كنف هذه الدولة يتمتعون بكامل أهليتهم القانونية كمواطنيهم المسلمين سواء بسواء، فيما خصصت الجزئية الرابعة لدراسة بعض التطبيقات لحقوق الإنسان في التصور الإسلامي كحق الحياة والحق في الأمان والطمانينة والحق في كفالة حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية وحرية الرأي والتعبير وحرية التعليم والتعلم وحرية العمل وتولي الوظائف العامة. 
وفي الشق الثاني من الفصل بحثت موضوع الفكر السياسي كمصدر لحقوق الإنسان ولخصتها في وجود ثلاث مدارس هي مدرسة القانون الطبيعي التي ينطلق أصحابها من فكرة أن كل إنسان يعيش في جماعة منظمة يلزمه التمتع بمجموعة من الحقوق النابعة من طبيعته الإنسانية والتي لا يمكنه الاستغناء عنها، وبالتالي فإن أي تقنين لها لا يفعل أكثر من الكشف عما هو مستقر فعلا في الضمير البشري. والمدرسة الأخرى هي مدرسة القانون الوضعي والتي يرى أنصارها أن التسليم بوجود حقوق أساسية للإنسان دون تقنين هذه الحقوق في قوالب قانونية محددة يظل أمرا نظريا وعديم الجدوى وفي رأيهم أن الصيغة القانونية هي التي تكفل حث الأفراد والدولة في آن واحد على احترام هذه الحقوق والعمل بمقتضاها. 
أما المدرسة الثالثة فهي النفعية التي تقوم على مقولة رئيسية أساسها أن الحقوق المقررة للإنسان والتي تثبت له بوصفه فردا يعيش في جماعة منظمة، إنما الأصل فيها هو هذه الجماعة، ويترتب على ذلك أنه إذا حدث تناقض بين الأفراد عند سعيهم لإشباع احتياجاتهم المستمدة من هذه الحقوق فإن الفصل في الأمر هو ما يحقق أكبر قدر من المنافع لأكبر عدد من الأفراد حتى ولو اقتضى ذلك التضحية بحقوق فرد معين.
أما الفصل الثاني فخصص لبحث موضوعين الأول هو في مفهوم حقوق الإنسان. 
والثاني الملامح العامة للمفهوم المعاصر لحقوق الإنسان. 
وتناولت في الشق الأول تعريف معنى الحق والمقصود به، وقالت إن نقطة البداية في هذا الخصوص هي أنه لا يوجد معنى محدد لمصطلح الحق في الثقافات واللغات المختلفة وحددت ستة مكونات رئيسية ينهض عليها هذا المفهوم وهي أن الحق أساسا قدرة يدعيها الفرد انطلاقا من أسس قانونية أو أخلاقية معينة وهو أيضا مرادف لما يسمى بحرية السلوك أو حرية التصرف على نحو معين وهو في ذلك ليس مطلقا من كل قيد فالحقوق هي دائما غائبة بمعنى أنها تقود إلى تحقيق غايات خاصة لأصحابها كما أن الحق لا ينبغي النظر إليه باعتباره مقابلا لمفهوم الحاجة بوجه عام والحق إذا كان يقيم حول صاحبه سورا لا يتجاوزه الآخرون فإنه لا يجوز لصاحب هذا الحق في المقابل تجاوز أسوار الآخرين وهو بهذا المعنى يثبت للفرد ليس باعتباره فردا فحسب وإنما باعتباره فردا يعيش في إطار جماعة سياسية واجتماعية معينة.
وتناولت د. سعاد الصباح في الشق الثاني من هذا الفصل الملامح العامة للمفهوم المعاصر لحقوق الإنسان والذي أوضحت فيه وباستقراء الأدبيات ذات الصلة وكذا في ضوء الخبرات المختلفة الوطنية والدولية أن هناك خصائص رئيسية ست لحقوق الإنسان في تطورها الراهن وهي غلبة الصفة العالمية عليها؛ أصالتها أو عدم إمكان التنازل عنها، طابعها العملي والنسبي فيما يتعلق بإمكانية تطبيقه، عدم ارتباطها باستعداد أو عدم استعداد السلطات العامة في الدولة للعمل بمقتضاها، ارتباطها بتصور إيجابي لدور الفرد في المجتمع كونها ذات مضمون متطور ولها طبيعة حركية. 
وفي الفصل الثالث تحدثت عن تصنيفات حقوق الإنسان والتي تندرج تحت عدة معايير ومنها معيار الظروف ومجال تطبيق حقوق الإنسان ومضمون حقوق الإنسان وتطورها.
وفي المعيار الأول هناك مجموعتان الأولى تتمثل في التشريعات الوطنية والدولية للإنسان وقت السلم والثانية الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها الأفراد أثناء المنازعات المسلحة، وفي المعيار الثاني نجد حقوق الإنسان الفردية وحقوقه الجماعية.
وفي المعيار الثالث الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق الجديدة ومنها الحق في السلام والحق في بيئة نظيفة وآمنة.
 وتناول الفصل الرابع موضوع تطور حقوق الإنسان وبروز فكرة الحقوق الجماعية، والتي يقسمها الباحثون إلى قسمين رئيسيين هما حق الشعوب في تقرير مصيرها من ناحية، وحقوق الأقليات من ناحية أخرى، وأن أضيف لها حقوق الجماعات المستضعفة وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق المعاقين. 
وخصصت الباحثة الفصل الخامس للحديث عن حقوق الإنسان في زمن الحرب أو حقوق الإنسان طبقا لأحكام القانون الدولي الإنساني، وتناولت فيه حقوق المدنيين أثناء العمليات القتالية وفي ظل الاحتلال والحقوق المقررة لأسرى الحرب. 
أما الفصل السادس فكان لموضوع الأمم المتحدة وقضايا حقوق الإنسان، حيث إن الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان أضحى يمثل إحدى السمات الأساسية والمميزة للنظام الدولي المعاصر والذي أرسيت دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتحدثت في هذا الفصل عن ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ومن القيمة القانونية لنصوص ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان وعن جهودها في مجال تقنين قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعن الاتفاقيات الدولية التي عرضت لموضوعات خاصة ذات صلة بحقوق الإنسان والاتفاقية الخاصة بمكافحة جريمة إبادة الجنس البشري والمعاقبة عليها. 
وفي الفصل السابع تناولت سعاد الصباح بالبحث موضوع التنظيم الدولي الإقليمي وحقوق الإنسان وألقت بالضوء على بعض المنظمات التي قامت لهذا الهدف في العالم كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
أما الفصل الثامن، فخصصته للحديث عن المنظمات الدولية غير الحكومية وقضايا حقوق الإنسان ومنح اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولأن العالم يموج بالتغييرات السياسية والتحولات الاجتماعية التي غيرت وجه العديد من الدول والمجتمعات، وأصبح معها قضية حقوق الإنسان والموضوعات المرتبطة بها على قمة أولويات الرأي العام، فإنه لا غنى للمكتبة العربية عن مثل هذا البحث الذي يلقي الضوء على السياق التاريخي والفلسفي والقانوني لهذا الموضوع بأسلوب ميسر وغير موغل بالتنظير والجدلية.