الحدود السائبة بين لبنان والجارة سوريا

تشجّع على تهريب البضائع براً وبحراً

* الترسيم الحدودي مع إسرائيل انطلق، فماذا عن «الصديق» والجار العربي  الذي يقتل اقتصادنا؟

* «فوربس» تكشف هوية الباخرة «الشبح» ودورها في تهريب البنزين إلى سوريا

* عصابات التهريب أقدمت على شراء البنزين والطحين والدواء لتهريبها عبر الحدود المنفلتة إلى سوريا، وبغطاء من قوى الأمر الواقع الحزبية المتحكمة بها

بيروت: بعد مرور أكثر من 20 يوماً على احتجاز الباخرة جاغوار- إس، قبالة منشآت الزهراني، جنوبي لبنان، لا يزال الغموض يسيطر على مجرى التحقيقات الجارية حول مصير الباخرة ومصير البنزين المخزن في جوفها ومصير الأشخاص الذين تم توقيفهم بناء على إشارة النائب العام الاستئنافي في الجنوب، مما طرح أسئلة عديدة حول هذه الفضيحة التي بدأت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عنها.

كما دفع بعض الخبراء السياسيين والاقتصاديين لطرح الأسئلة على السلطة اللبنانية وأبرزها:

ما دام لبنان قد توصل إلى إطار عملاني، مع إسرائيل، بوساطة أميركية  للتفاوض حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، برعاية قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)؛ فهل من الطبيعي أن ينجح لبنان في التفاهم مع العدو، في وقت يعجز عن اتفاق مماثل مع «الشقيق»؟ لضبط عمليات التهريب الدائرة على طول الحدود بين البلدين التي أنهكت الاقتصاد اللبناني واستنزفت احتياطي البنك المركزي اللبناني نتيجة دعمه المواد الأساسية التي تساعد المواطن اللبناني على الصمود بعد انهيار العملة الوطنية، فعمليات تهريب المواد الأولية الأساسية إلى سوريا، التي خفتت قبل فترة بعد أزمة فقدان المازوت من السوق اللبنانية، استفاقت من جديد، بعد أن أعلن مصرف لبنان أنه سيتوقف عن دعم المحروقات والطحين والمواد الطبية بعد حوالي الشهرين وبفعل اختناق الاقتصاد السوري وعجزه عن تأمين الأساسيات بسبب العقوبات المفروضة على دمشق.

هذه العوامل حركت عصابات التهريب التي أقدمت على شراء البنزين والطحين والدواء لتهريبها عبر الحدود المنفلتة وبغطاء من قوى الأمر الواقع الحزبية المتحكمة بها، إلى سوريا، لبيعها بسعر أعلى فيما يبحث عنه اللبنانيون بالسراج والفتيلة في طوابير الذل. هذا الواقع الذي يسرّع في قتل الناس والاقتصاد وفي هدر القليل الباقي من احتياطي البنك المركزي، ألا يستأهل ترسيم هذه الحدود المتشابكة، مرة لكل المرات، وإقفالها بإحكام من قبل الجيش اللبناني الذي لا ينتظر إلا قرارا سياسيا لتنفيذ المهمة، ويمكن أيضا الاستعانة باليونيفيل لمساندته فيها؟



عمليات تهريب المواد الأولية الأساسية إلى سوريا استفاقت من جديد بعد أن أعلن مصرف لبنان عن وقف دعم المحروقات والطحين والمواد الطبية

تشير التقديرات إلى أن قيمة البضائع المهربة إلى سوريا تتجاوز 4 مليارات سنوياً، حيث يدعم مصرف لبنان المركزي استيراد الطحين والمازوت والأدوية بنسبة 85 في المائة على السعر الرسمي لصرف الدولار 1507، ما يعني أن أي تهريب لهذه المواد خارج الحدود سيؤدي إلى استنزاف القدرة المالية للمصرف المتعثّر أصلاً ويستنزف قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية للسوق المحلية.

وخلال السنوات الماضية، أعلنت السلطات اللبنانية أكثر من مرة عن نيتها إقفال 136 معبراً غير شرعي مقابل 5 معابر شرعية على الحدود اللبنانية السورية، ولكن من دون جدوى، إذ بقيت هذه المعابر «المعروفة» والتي تعبرها قوافل الشاحنات يومياً من دون حسيب أو رقيب.

وتشير معلومات إلى أن معظم تلك المعابر يقع في مناطق نفوذ حزب الله، سواء من الناحية اللبنانية أو السورية، بخاصة منطقة القصير التي باتت بفعل سيطرة الحزب امتداداً جغرافياً لـ«بعلبك- الهرمل». وهذا ما شجع المهربين على توسيع نشاطهم إلى حد وصولهم إلى البحر أيضاً واستيراد المحروقات بطرق احترافية متقنة من أجل الالتفاف على أحكام قانون قيصر الأميركي غير مبالين بالعواقب التي ستطال لبنان من عمليات التهريب هذه.

 

«جاغوار إس» اللقيطة!

اواخر الشهر الماضي تفجرت فضيحة جديدة لها علاقة بالتهريب، كانت «بطلتها» سفينة محمّلة بمادة البنزين رست قبالة شاطئ الزهراني جنوبي لبنان. واللافت انها غير معروفة الهوية، كما أنها لم تأت بناء على طلب أي جهة رسمية أو أي شركة خاصة، وفي وقت لاحق تبين أنها آتية من اليونان.

وكشفت المعلومات «لغز» السفينة الشبح اللقيطة ومُخططًا جهنميا لتهريب ملايين اللترات من البنزين إلى سوريا، مشيرة إلى أن السفينة (jaguar S ) محمّلة بالبنزين بوزن قدره 2987 طنًا بما يعادل 4 ملايين لتر، وموضحة أن هناك لغزًا وراء الباخرة التي وصلت إلى الزهراني في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي ويُظهر تحرّكها أنها أبحرت باتجاه طرابلس 25 ميلًا، ثم عادت إلى محيط الزهراني يوم 27 سبتمبر (أيلول) ولا تزال كما يُظهرها موقع الرادار البحري لتتبع السفن.

وفي المعلومات أن إدارة الجمارك ولدى التدقيق في المانيفست وبوليصة الشحن والعلم والخبر المقدّم من الوكيل البحري تبيّن عدم وجود شركة مستوردة للبضاعة الموجودة على متنها، كما أن الشركات المستوردة للمحروقات تبرّأت منها، وكذلك منشآت النفط، فلمن تعود الباخرة ولماذا رست في الزهراني؟!

 



الباخرة جاغوار- إس

من إسطنبول إلى كريت فالزهراني فدمشق

تفيد المعلومات أنه أثناء البحث أظهر المانيفست لمفزرة الجمارك في الجنوب أن الباخرة التي ترفع علم بنما وبدلّت اسمها أكثر من مرة في السنوات الماضية، كانت وجهتها الأساسية الزهراني لنقل آلاف أطنان البنزين لصالح شركة «النعم» السورية ومركزها حرستا قرب دمشق، وقد انطلقت من إسطنبول في 15 سبتمبر (أيلول) إلى كريت في اليونان لتتوجه بعد ذلك إلى لبنان وسط معلومات تشير إلى أن تعبئتها تمّت في منصة يونانية.

وبحسب المصادر نفسها تبين أن شركة «النعم» السورية تتواصل مع نافذين في لبنان لإدخال شحنة البنزين عبر الأراضي اللبنانية كي تُهرّب إلى سوريا في إطار خطوة التفافية على «قانون قيصر»، ولهذا تم الاتصال بأحد الوكلاء البحريين في الشمال الذي طلب التواصل مع وكيل بحري في الجنوب.

أكثر من ذلك، عُلم أن قبطان السفينة الأجنبي تعهّد أمام إدارة الجمارك بالعودة إلى تركيا وعدم الدخول إلى سوريا تحت أي ظرف، لكن إدارة الجمارك كانت شديدة التدقيق بهذه الشحنة المشبوهة، وخابرت مدعي عام الجنوب الذي طلب ان تعود الباخرة إلى المنصة التي تزوّدت منها بالبنزين، وحاليا الباخرة محجوزة في البحر مع كافة مستنداتها لحين صدور القرار من النيابة العامة.

 

كيف دخلت؟

ووسط الغموض الذي يخيم على عملية التهريب هذه طرحت الأسئلة التالية؟

كيف دخلت الباخرة المياه الإقليمية اللبنانية في طريقها من اليونان لترسو قبالة الزهراني؟

ومن أعطاها «الإذن» رغم أن الجهات الرسمية اللبنانية وصاحبة الشأن الممثلة بالمديرية العامة للنفط «تبرّأت» منها، مشيرةً إلى أن لا علم لها بها؟

كيف «تتجرّأ» باخرة على دخول مياه إقليمية «تعجّ» بقوات المراقبة البحرية منها الدولية التابعة لـ«اليونيفيل» واللبنانية المتمثّلة بالقوات البحرية التابعة للجيش اللبناني وتتجوّل في المياه لترسو قبالة منشآت الزهراني، وكأن «لا حسيب ولا رقيب» في البحر، وأن هناك قوّة أكبر من القوات الدولية واللبنانية الرسمية تُدخل من تشاء في المياه الإقليمية كما تفعل على الحدود البرية؟

قبل الإجابة على هذه التساؤلات المشروعة، رجّحت مصادر معنية أن يكون للباخرة- الشبح وجهتان بالاستناد إلى طريقة دخولها المياه الإقليمية اللبنانية؛ الأولى أن تكون آتية من إيران ومرّت عبر اليونان، حيث جرى تبديلها بباخرة أخرى تحمل اسماً ورقماً تسلسلياً مختلفاً بعد أن أطفأت جهاز GPS الخاص بها كي لا يتم رصد حركتها عبر الأقمار الاصطناعية، فدخلت المياه الإقليمية اللبنانية في طريقها إلى مرفأ طرطوس من أجل إفراغ حمولتها من البنزين.

والثانية أن تكون اتّبعت كل هذه الخطوات لكن ليس للتوجّه إلى مرفأ طرطوس وإنما لترسو في منشآت الزهراني تحديداً، فيتم تفريغ حمولتها بالتعاون مع جهات متواطئة وتنقل بالتقسيط وعبر البر إلى سوريا بتغطية من قوى الأمر الواقع المستفيدة من هذه العملية والمسيطرة على المعابر الشرعية وغير الشرعية بين لبنان وسوريا.

والثالثة التحقيق الذي نشر في مجلة «فوربس» الأميركية في عددها الأخير والذي أظهر تفاصيل جديدة عن باخرة «جاغوار إس» التي دخلت إلى ميناء الزهراني بـ«طريقة غير قانونية» محمّلةً بمادة البنزين ورافعةً علم بنما. وفي حين قالت وسائل إعلام لبنانية أنّ الباخرة كانت متجهة إلى سوريا في التفاف على قانون «قيصر»، أوضحت المجلة أنّه لم يتم تحديد الجهة التي طلبت الشحنة، مسلطةً الضوء على سجل «جاغوار إس» المريب، ودورها في نقل النفط إلى دمشق.

وكشفت المجلة أن الباخرة كانت راسيةً في ميناء بانياس في يونيو (حزيران) الفائت، «مما يشير إلى أنّها كانت ضالعةً سابقاً في نقل النفط إلى سوريا»، مضيفةً أنّ «جاغوار إس» اعتادت التستّر على رحلاتها عبر إطفاء نظام تحديد الهوية الآلي (AIS)؛ تعتمد السفن على هذا التكتيك بهدف التعتيم على أنشطتها.

وبعد تتبع حركة السفينة واستخدام صور التُطقت بالأقمار الصناعية، كشف الموقع أنّ «جاغوار إس» حمّلت البنزين من ميناء رومانو في ألبانيا يوم 15 مايو (أيار) قبل أن تبحر إلى كرواتيا للتزوّد بالوقود، وبعدها مرسين في تركيا. وفي تعليقها، اعتبرت المجلة أنّ سلوك السفينة في مرسين يدل على أنّها كانت تنتظر الإرشادات للتوجه نحو بانياس في 4 يونيو (حزيران). وفي سوريا، كشفت المجلة أنّ الباخرة عمدت إلى إطفاء إشارتها لمدة 10 أيام، لافتةً إلى أنّ صور الأقمار الصناعية تظهر الباخرة في المياه السورية في 13 يونيو (حزيران) الماضي.

وعن دخول «جاغوار إس» إلى لبنان، كشفت المجلة أنّها وصلت إلى الزهراني من جزيرة كريت اليونانية، إلاّ أنّها لم تدخل إلى ميناء أو محطة، بحسب ما تظهر بيانات « FleetMon». وقبل الإبحار إلى اليونان، كانت «جاغوار إس» في تركيا، وعندما غادرت اليونان في 23 سبتمبر الفائت، كانت إشارتها تدل على أنّها في طريقها إلى لبنان، قبل أن تغيّر وجهتها لتصبح «معمل الزهراني» في 25 سبتمبر، وذلك بعد دخولها إلى منطقة الميناء، وفقاً لـ« FleetMon».

وفيما يتعلق بسجل «جاغوار إس» المريب، كتبت «فوربس» تقول إنّ الوكالة الدولية لتقييم المخاطر البحرية صنّفتها «عالية المخاطر». وبحسب مدير تطوير الأعمال في الوكالة، واين هورلي، فإنّ عوامل عديدة تؤدي إلى تصنيف مماثل، منها ممارسة أنشطة غير شرعية في مناطق عالية الخطورة وكفاءة الطاقم وعمليات احتجاز السفينة؛ علماً أنّه سبق لـ«جاغوار إس» أن احتُجزت في 17 أبريل (نيسان) العام الماضي في ميناء كالوي ليمينيس اليوناني بعدما كشف فحص عن 25 عيباً فيها.

وعلى صعيد علاقة شح الوقود في لبنان بنقص الشحنات، لفتت المجلة إلى أنّ بيانات تعقّب السفن تشير إلى أن ناقلات النقط ما زالت تتجه إلى لبنان. واستناداً إلى بيانات شركة « Kpler» التي ترصد تدفقات النفط، كشفت المجلة أنّ لبنان استورد 72 ألف برميل نفط يوميا خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام الجاري، أي بزيادة 9 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من العام الفائت.

وعلى أي حال، وبانتظار نتائج التحقيقات التي يجريها القضاء وسط ترجيحات باتّخاذ قرار بإعادة الباخرة وحمولتها إلى البلد الذي زودها بالحمولة، لأن أي مساعدة لبنانية لإيصال الباخرة إلى مكان «محظور» دولياً سيُرتّب علينا تبعات خطيرة ليس أقلها خرق قانون قيصر الذي يحظر التعامل مع النظام السوري تحت أي عنوان وإلا فإن العقوبات بالمرصاد».

ولفتت إلى أن «لبنان بغنى عن هموم جديدة تضاف إلى جبال الهموم التي يتحمّلها. فهو اليوم في وضع اقتصادي سيّئ جداً ويُعاني من عزلة دولية وإقليمية نتيجة سياساته، فهل يجوز إقحامه في نيران قانون قيصر بالالتفاف عليه من خلال هذه الباخرة، رغم أن هناك اقتراح قانون مقدّما من السيناتور الجمهوري جين شاهين بإعفاء لبنان من عقوبات قيصر، لأن وضعه الاقتصادي لا يتحمل مزيداً من العقوبات»، إذ «لا يجوز أن نُلدغ من الجحر نفسه مرّتين؛ فمنذ أكثر من شهرين دفعنا ثمن الباخرة روسوس المشبوهة والتي لا هوية لها فتسبّبت في انفجار مرفأ بيروت. فهل يجوز تكرار التجربة لا سمح الله مع الباخرة جاغوار-إس التي لا نعرف حتى الآن صاحبها؟».