كورونا يهدد بسقوط أكثر من 100 مليون شخص في براثن الفقر المدقع

أكثر من مليار طفل خارج المدرسة

* 80 مليون طفل لم يحصلوا على التطعيمات الأساسية..

* الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة لا تزال تواجه المخاطر

* الجائحة تعرض للخطر ما تحقق من تقدم خلال عشر سنوات في بناء رأس المال البشري

* تأثيرات على أنظمة الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وسوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي

* زيادة الاستثمار العام بنسبة 1% فقط من إجمالي الناتج المحلي يخلق 33 مليون وظيفة جديدة

 

القاهرة: ألحق فيروس كورونا أضراراً كبيرة، خاصة في بلدان العالم النامية، ويتفاوت التأثير من بلد إلى آخر. وقد أثرت الجائحة على الفئات الأشدّ فقراً في العالم، ولاسيما النساء والأطفال، وتراوح ذلك من انخفاض التحويلات المالية إلى انهيار أسواق العمل الرسمية وغير الرسمية.

وتهدد الجائحة بسقوط أكثر من 100 مليون شخص في براثن الفقر المدقع، ليرتفع العدد الإضافي المحتمل لمن يعيشون في فقر مدقع إلى 150 مليون شخص، بحسب ديفيد مالباس، رئيس مجموعة البنك الدولي.

وتفاقم أوجه عدم المساواة في جميع أنحاء العالم. وقد يستمر التأثير السلبي على الصحة والتعليم لعقود، فهناك 80 مليون طفل لم يحصلوا على التطعيمات الأساسية وأكثر من مليار طفل خارج المدرسة.

وتعرض النشاط الاقتصادي العالمي لهبوط غير مسبوق في الربع الثاني من العام الجاري، حين دخل 85 في المائة من الاقتصاد العالمي في حالة إغلاق عام لعدة أسابيع. لكن التطورات في الربعين الثاني والثالث من العام كانت أفضل بعض الشيء.

لكن الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة لا تزال تواجه وضعا محفوفا بالمخاطر. فنظمها الصحية أضعف، وهي معرضة بدرجة كبيرة للمخاطر من القطاعات الأكثر تضررا، كالسياحة وصادرات السلع الأولية. كما أنها تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي. ورغم أن السيولة الوفيرة وأسعار الفائدة المنخفضة ساعدت الكثير من الأسواق الصاعدة في استعادة قدرتها على الاقتراض، لم يقم ولو بلد واحد في أفريقيا جنوب الصحراء بإصدار سندات الدين الخارجي منذ شهر مارس (آذار) الماضي.

فالمخاطر لا تزال مرتفعة، بما فيها تلك الناشئة عن حالات الإفلاس والمبالغة في التقييمات في الأسواق المالية. وهناك بلدان كثيرة أصبحت أكثر عرضة للمخاطر. فقد ارتفعت مستويات مديونيتها نتيجة استجابتها المالية للأزمة والخسائر الفادحة للناتج والإيرادات. وتشير تقديراتنا إلى أن الدين العام العالمي سيبلغ أعلى مستوياته القياسية في حدود 100 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020.

 

مكاسب رأس المال

وكشفت دراسة تحليلية للبنك الدولي أن جائحة فيروس كورونا تهدد المكاسب التي تحققت في مجالي الصحة والتعليم على مدى العقد الماضي، خاصة في أشد بلدان العالم فقرا. فالاستثمارات في رأس المال البشري (المعارف والمهارات والصحة التي تتراكم لدى البشر على مدى حياتهم) هي الأساس لإطلاق العنان لإمكانات أي طفل وزيادة النمو الاقتصادي في كل بلد.

ويتضمن مؤشر رأس المال البشري 2020 الذي وضعته مجموعة البنك الدولي بيانات عن الصحة والتعليم في 174 بلداً تغطي 98 في المائة من سكان العالم، وذلك حتى شهر مارس (آذار) 2020، مما يتيح خطا أساسيا لما قبل تفشي الجائحة بشأن صحة الأطفال وتعليمهم.

 



تسببت الجائحة في عدم انتظام أكثر من مليار طفل في الدراسة بمدارسهم، وقد يخسرون في المتوسط نصف عام من التعليم (غيتي)

رأس المال البشري

يقيس مؤشر رأس المال البشري مقدار رأس المال البشري الذي يتوقع أن يكتسبه طفل يولد اليوم، عند بلوغه سن 18 عاماً، بالنظر إلى مخاطر تدنِّي الظروف الصحية والتعليمية السائدة في البلد الذي يعيش فيه، ويقيس كذلك المسافة التي تفصل كل بلد عن الوصول إلى حدود التعليم الكامل والصحة الكاملة لطفل يولد اليوم.

ويظهر التحليل أن معظم البلدان قد حققت تقدماً مطرداً في بناء رأس المال البشري للأطفال قبل تفشي الجائحة، مع تحقيق أكبر القفزات في البلدان المنخفضة الدخل، ورغم هذا التقدم، وحتى قبل انتشار تأثيرات الجائحة، يمكن أن يتوقع الطفل المولود في بلد ما أن لا يحقق سوى 56 في المائة من إمكانات رأسماله البشري، بالمقارنة بمعيار التعليم الكامل والصحة الوافرة.

ويخلص التحليل إلى أن نتائج رأس المال البشري بالنسبة للفتيات أعلى في المتوسط منها بالنسبة للبنين، غير أن هذا لم يتحول إلى فرص مماثلة لاستغلال رأس المال البشري في سوق العمل، حيث تقل معدلات تشغيل النساء في المتوسط بمقدار 20 نقطة مئوية عن معدلات تشغيل الرجال، مع وجود فجوة أوسع في العديد من البلدان والمناطق.

وقال رئيس مجموعة البنك الدولي: «إن الجائحة تعرض للخطر ما تحقق من تقدم خلال عشر سنوات في بناء رأس المال البشري، بما في ذلك التحسينات في مستوى الصحة، ومعدلات البقاء على قيد الحياة، والالتحاق بالمدارس، وانخفاض التقزم. والتأثير الاقتصادي لهذه الجائحة عميق بشكل خاص بالنسبة للنساء والأسر الأكثر حرماناً، مما يترك العديد منهم عُرضة لانعدام الأمن الغذائي والفقر... إن حماية البشر والاستثمار فيهم أمر حيوي في الوقت الذي تعمل فيه مختلف البلدان على إرساء الأساس للتعافي المستدام الشامل والنمو المستقبلي».

وقد تسببت الجائحة في عدم انتظام معظم الأطفال- أكثر من مليار طفل- في الدراسة بمدارسهم، وقد يخسرون في المتوسط نصف عام من التعليم، بعد تعديله ليعكس مقدار التعلم، وهو ما سيتحول إلى خسائر نقدية ضخمة. كما تظهر البيانات حدوث تعطل ملموس في الخدمات الصحية الأساسية للنساء والأطفال، مع فوات الفرصة على عديد من الأطفال للحصول على التطعيمات الحيوية.

 

مجلس التعاون الخليجي

أثرت جائحة فيروس كورونا المستجد سلبًا على أنظمة الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وسوق العمل في جميع دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى سبيل المثال، لم تتم 50 في المائة من زيارات الرعاية الصحية المنتظمة ولم يحضر أكثر من 12 مليون طالب في فصولهم بالمدارس والجامعات بسبب الإغلاق الاقتصادي المرتبط بالجائحة.

تؤكد جائحة كورونا على الضرورة الملحة لزيادة الاستثمار في رأس المال البشري، وهو أمر حيوي للتنمية الاقتصادية لبلدان العالم، وخاصة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث لا يمكنها الاستمرار على المدى الطويل في الاعتماد على عائدات النفط والغاز لتمويل مشروعات التنمية. خاصة بعد الصدمات السلبية في العرض والطلب الناجمة عن الجائحة، بسبب انخفاض أسعار النفط الذي أضر بشدة بالعائدات المالية وأدى إلى ضعف الأرصدة الخارجية. ويساعد الاستثمار في رأس المال البشري على تحويل مسار الاقتصاد وتعزيز النمو، مع إحداث تأثيرات واسعة على رفاهة المواطنين ورخائهم.

وكانت المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت من أوائل بلدان العالم التي  تبنت مشروع البنك الدولي لرأس المال البشري. من خلال إسهامات ثلاثة مجالات هي: المعارف، والمهارات، والصحة.

 



 يقوم البنك الدولي، من خلال عمليات جديدة، بدعم وضع المحتوى التلفزيوني والرقمي للتعليم المختلط للعام الدراسي الجديد

مصر.. الاستثمار فى البشر

مصر من أوائل الدول التي تبنت مشروع رأس المال البشري، فى أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وحققت مكاسب طفيفة في رأس المال البشري على مدى العقد الماضي. إذ سيحقق الطفل المولود عام 2010 في مصر 48 في المائة من إنتاجيته عندما يكبر مقارنة مع تحقيق إنتاجية كاملة لو كان حصل على قدر كامل من التعليم والصحة. وسيحقق الطفل المولود عام 2020 في مصر 49 في المائة من إنتاجيته.

ويرجع  التحسن العام في مصر إلى حد كبير إلى المكاسب التي تحققت في مجال الصحة. والأطفال الذين وُلدوا عام 2020 هم أكثر احتمالا للبقاء على قيد الحياة حتى سن الخامسة من الأطفال الذين ولدوا عام 2010، وأقل احتمالا للإصابة بالتقزم، وأكثر احتمالا للبقاء على قيد الحياة حتى سن الستين. وفي مجال التعليم، زاد عدد سنوات الدراسة المتوقع تحصيلها، مما يشير إلى تحسن فرص الحصول على التعليم. ومع ذلك، انخفضت نتائج الاختبارات، في إشارة إلى انخفاض جودة التعلم.

وتشكل جائحة كورونا خطرا كبيرا على رأس المال البشري في مصر. ومن المرجح أن يؤدي إغلاق المدارس بالنسبة للجيل الحالي من الطلاب إلى فقدان أكثر من نصف سنة دراسية. كما أن عدم انتظام خدمات صحة الأم والطفل، إلى جانب الأزمة المالية الناجمة عن الجائحة في دخل الأسرة، تؤثر بالفعل على تغذية الأطفال الصغار وتطورهم. وكل هذا يهدد المكاسب التي حققتها مصر.

ووصل البرنامج الوطني للتحويلات النقدية في مصر، تكافل وكرامة- وهو أكبر مشروع من نوعه للبنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- إلى 3.1 مليون أسرة (حوالي 11 مليون شخص) حتى الآن. ويُوجَّه أكثر من 67 في المائة من هذه الأموال إلى الأسر والأفراد الفقراء والمحرومين في صعيد مصر؛ و74 في المائة من حاملي بطاقات المشروع من النساء. ويدعم البرنامج تراكم رأس المال البشري من خلال مطالبة الأسر المقيدة في البرنامج بأن تجري لأطفالها فحوصا صحية منتظمة إلى جانب إرسالهم إلى المدرسة.

وتوسع الحكومة المصرية هذا النوع من الدعم في ثماني محافظات من خلال تجريب برنامج «فرصة» الجديد الذي يهدف إلى تعزيز سبل العيش والاحتواء الاقتصادي.

 

جهود دولية للإنقاذ

تعمل مجموعة البنك الدولي بشكل وثيق مع الحكومات المعنية لوضع حلول طويلة الأجل لحماية الناس والاستثمار فيهم أثناء انتشار الجائحة وبعدها؛ ففي إثيوبيا ومنغوليا وهايتي، يدعم البنك اقتناء معدات طبية حيوية. وفي بنغلاديش، وبوركينا فاسو، ونيبال، يدعم البنك وضع بروتوكولات السلامة والنظافة المدرسية، بينما يتعاون مع فرق مياه الشرب والصرف الصحي والصحة العامة لتوفير اللوازم الأساسية للصحة العامة.

وفي الأردن وتركيا، يقوم البنك الدولي، من خلال عمليات جديدة تمت الموافقة عليها مؤخرا، بدعم وضع المحتوى التلفزيوني والرقمي للتعليم المختلط للعام الدراسي الجديد، فضلا عن تقديم المشورة النفسية الاجتماعية والدورات العلاجية.

وفي منطقة الساحل، يتم دعم مشروع التمكين الاقتصادي للمرأة والاستفادة من العائد الديموغرافي الذي يهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لتمكين النساء والفتيات من خلال برامج لإبقاء الفتيات في المدارس، وتوسيع الفرص الاقتصادية والحصول على خدمات الصحة الإنجابية الجيدة.

كما يساعد البنك الهند على التوسع فوراً في التحويلات النقدية والمزايا الغذائية، باستخدام مجموعة من المنصات والبرامج الوطنية القائمة لتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين الأساسيين المشاركين في جهود الإغاثة من جائحة كورونا؛ وتُفيد الفئات الضعيفة، ولا سيما بين المهاجرين والعمال غير النظاميين، الذين يواجهون مخاطر الإقصاء العالية.

 

النمو الاقتصادي

يعتمد النمو الاقتصادي والتنمية على الاستثمار في رأس المال المادي والبشري، مع تقدم رأس المال البشري إلى الصدارة في خطط الحكومة المصرية. وقد زادت الأزمة الناجمة عن الجائحة من أهمية استثمار مصر في رأس المال البشري أكثر من أي وقت مضى- سواء لحماية مكاسبها  أو لتحفيز أجيالها المستقبلية على زيادة الإنتاجية.

 



كريستالينا غورغييفا، مدير عام صندوق النقد الدولي (غيتي)

أولويات التعافي

حددت كريستالينا غورغييفا، مدير عام صندوق النقد الدولي 4 أولويات عاجلة للتعافي الاقتصادي، أولها: الدفاع عن صحة البشر؛ فالإنفاق على العلاج والاختبارات ورصد المخالطين يمثل ضرورة حتمية. وهو ما يسري كذلك على التعاون الدولي الأكثر قوة لتنسيق تصنيع اللقاحات وتوزيعها، خاصة في أشد البلدان فقراً. فلا سبيل سوى هزيمة الفيروس في كل مكان لتأمين التعافي الاقتصادي الكامل في أي مكان.

وثانيا، تجنب سحب الدعم الذي تتيحه السياسات قبل الأوان، فمع استمرار الجائحة سيكون من الضروري الإبقاء على الإمدادات الحيوية في مختلف قطاعات الاقتصاد، وإتاحتها للشركات والعمال، مثل التأجيلات الضريبية، وضمانات الائتمان، والتحويلات النقدية، وإعانات دعم الأجور. ومما يحمل الأهمية نفسها مواصلة العمل بالسياسة النقدية التيسيرية وتنفيذ إجراءات السيولة لضمان تدفق الائتمان، وخاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومن ثم دعم الوظائف والاستقرار المالي. أما إذا قطعنا هذه الإمدادات قبل الأوان، فإن الصعود الطويل سيصبح هبوطا حادا.

 

السياسة المالية

وأضافت غورغييفا: أحدثت هذه الأزمة تحولات هيكلية عميقة الأثر، ولا بد أن تؤدي الحكومات دورها في إعادة توزيع رأس المال والعمالة لدعم هذا التحول. وسيقتضي هذا توفير دفعات تنشيطية لخلق فرص العمل، لا سيما في مجال الاستثمارات الخضراء، والتخفيف من حدة التأثير على العمالة، بدءا من إعادة تدريبهم وتأهيلهم لاكتساب مهارات جديدة إلى توسيع نطاق تأمينات البطالة وإطالة مدتها. وستكون حماية الإنفاق الاجتماعي مطلبا حيويا من أجل الانتقال العادل إلى وظائف جديدة.

 

معالجة المديونية

وأشارت مديرة صندوق النقد الدولى إلى أن الاقتصاديات الناشئة دخلت مرحلة الأزمة بمستويات مديونية مرتفعة بالفعل، وزادت تلك الأعباء نتيجة الجائحة، وبالتالى ستحتاج لمزيد من العون وعلى وجه السرعة. وهذا يعني إمكانية الحصول على المزيد من المنح، والقروض بشروط ميسرة وتخفيف أعباء الديون، على أن يقترن ذلك بتحسين إدارة الديون وزيادة الشفافية. وفي بعض الحالات، سيتعين التنسيق على المستوى العالمي لإعادة هيكلة الديون السيادية، بمشاركة كاملة من الدائنين من القطاعين العام والخاص.

وأضافت نحن بحاجة إلى إصلاحات أساسية لبناء اقتصاد أكثر صلابة، اقتصاد أكثر اخضرارا، وأكثر ذكاء، وأكثر احتواء للجميع. وهذا هو ما ينبغي أن نوجِّه إليه الاستثمارات الضخمة اللازمة لتحقيق تعافٍ قوي ومستدام.

وتشير دراسة بحثية جديدة أجراها الصندوق إلى أن زيادة الاستثمار العام بنسبة 1 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي في مختلف البلدان المتقدمة والصاعدة يمكن أن تخلق ما يصل إلى 33 مليون وظيفة جديدة.