إشكالية الخط الفارق بين الإنسان والفنان في قضية سعد لمجرد

غضب السوشيال ميديا بسبب اتهامه بالتحرش تسبب في إلغاء حفل له بالقاهرة

* التحرش الجنسي يطارد المطرب سعد لمجرد مجدداً
* تفاعل السوشيال ميديا أثبت أثره في توجيه الرأي العام
* كاتبة وناقدة فنية: يجب أن تكون القرارات بمنأى عن ردود الفعل والتيارات العاطفية، ولا يجب أن تتأثر بحالة الغليان في السوشيال ميديا
* كاتب وناقد فني: المتهم بريء حتى تثبت إدانته
* القضاء يستند فقط للأدلة والبراهين ولكن المجتمع لديه أسلحته في التعبير عما يرى أنه الحقيقة

القاهرة: تفاعلت الأوساط الفنية والشعبية في مصر خلال الأيام القليلة الماضية مع قضية الفنان المغربي سعد لمجرد بسبب الجدل الذي أثير على وسائل التواصل الإجتماعي، ووسائل الإعلام المختلفة، والذي تسبب في إلغاء الحفلة الفنية التي كان مقررا إقامتها بالقاهرة بسبب تفاعل رواد وسائل التواصل الاجتماعي على إعلان الحفل باسترجاع القضية الجنسية المتهم فيها المغني الشهير والتي ما زالت تحت التحقيق من خلال تغريدات وبوستات وتعليقات معارضة لحضوره بسبب ما سماه البعض السلوك غير المقبول بعد اتهامه في قضايا اغتصاب وتحرش في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية والمغرب، وهو ما دفع الشركة الفنية المنظمة للحفل إلى إلغاء الإعلانات الترويجية المخصصة له نتيجة لما سببه هذا الجدل الكبير خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي والذي كان من بينه توجيه اتهامات للشركة، وانتقادها على هذا التصرف الذي اعتبره البعض تشجيعا لسلوكيات التحرش، ووقوفا مع المخالفات غير الحميدة، خاصة مع الجدل المصري خلال الفترة الماضية، نظرا لما سببته مثل هذه القضايا من آلام لضحاياها، والتفاعل الكبير من المنظمات والمؤسسات النسائية والحقوقية مع الضحايا، وهو ما دفع مسرح «كايروشو» الذي كان يهدف من استقبال المطرب المغربي للاحتفاء بالعيد الثاني لتأسيس المسرح، خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم إلى الاستجابة للمطالبات المتكررة بعدم الترحيب بسعد لمجرد في مصر، والتجاوب مع الحملة التي أخذت صدى واسعا وإلغاء الحفل، خاصة بعد انتشار عدد من الهاشتاغات على السوشيال ميديا وكان من بينها «سعد لمجرد مغتصب»، و«مش عايزين لمجرد في مصر» في دعوات مستمرة لمقاطعته، وتفاعل المطرب لمجرد مع الأمر بعد إلغاء الحفلة الفنية، على حسابه في «فيسبوك» بنشر صورة له وهو يبتسم معلقا عليها بعبارة «لا شيء يهز القلب المبتسم»، ناشرا صورة علمي كل من مصر والمغرب، وأرفقها بوسوم «الله ينصر سيدنا»، و«أحب جمهوري إلى الأبد»، و«أحب والدي إلى الأبد».
 
ترويج للإجرام
ورغم تفاعل البعض مع لمجرد إلا أن قضية التحرش المتهم فيها سعد لمجرد والتي اعتبر البعض أن متابعته فنيا هي ترويج للإجرام، لم تكن فقط هى المحفز لنشطاء السوشيال ميديا لملاحقة المطرب المغربي صاحب الأرقام الكبيرة من المشاهدات على «يوتيوب»، ولكنهم استرجعوا عددا من القضايا المسيئة التي اتهم فيها المطرب الشاب خلال رحلته الفنية القصيرة فالاتهامات في البداية للمطرب الشاب كانت مع النجاح الساحق الذي حققته أغنيته «أنت معلم» والتي حظيت بمتابعات فاقت 860 مليون مشاهدة على موقع «يوتيوب» بعد أشهر من رفعها على الموقع، وهو ما كان سببا في توجيه اتهامات إليه لدفع أموال للموقع الشهير لزيادة عدد متابعيه ومشاهدات الأغنية، وهو ما لم يتم إثباته رسميا بسبب صعوبة ذلك تقنيا مثلما قرر المختصون آنذاك، وطال المطرب الشهير والمثير للجدل بعدها بسبب الحادث الشهير المتهم فيه بالضرب والاغتصاب لإحدى الفتيات عند تواجده في أميركا ودفعه كفالة للخروج قبل عودته للمغرب بحسب ما أكدته وسائل إعلام أميركية، ولاحقت كذلك اتهامات السرقات الفنية للمجرد من قبل الجمهور الجزائري بعد أغنيته «أنا ماشي ساهل» بعد اتهامه باقتباس اللحن من المطرب الجزائري الراحل الشاب حسني من أغنية «أنا وصاحبي شفناه»، قبل أن يهاجمه الجزائريون مجددا بسبب أغنية «غلطانة» التي صورها في الصحراء المغربية بسبب وجود نزاع مغربي جزائري حول هذه الصحراء.
 




لارا بريول، الشابة الفرنسية التي اتهمت لمجرد باغتصابها



شهرة كبيرة
واشتهر المطرب المغربي المولود في مدينة سلا سعد لمجرد في عام 2007 عند ظهوره في برنامج «سوبر ستار»، ورغم عدم فوزه في البرنامج آنذاك وحصوله على المركز الثاني، إلا أن شهرته لاحقا تجاوزت الآفاق من خلال ظهوره على موقع «يوتيوب» من خلال أغانٍ حازت الملايين من المتابعين، وصلت في أحد الأعمال إلى ما يزيد على 860 مليون مشاهد، بالإضافة إلى عشرات الملايين من متابعيه على وسائل السوشيال ميديا المختلفة وأهمهم مواقع «إنستغرام»، و«فيسبوك»، وألقي القبض عليه عام 2010 لاتهامه بضرب امرأة واغتصابها في مدينة نيويورك الأميركية، قبل أن يتعرض مجددا عام 2016 لاتهام مشابه في قضية انتهاكات جنسية من قبل شابة فرنسية قبل أن يتم إطلاق سراحه بكفالة مالية، وفي عام 2018 تم اتهامه مرة ثالثة باغتصاب فتاة على الشاطئ في الريفيرا الفرنسية، مما دفع رواد السوشيال ميديا حينئذ إلى مهاجمته والمطالبة من خلال هاشتاغ «ماسكتش» بوقف بث أغنياته نهائيا.
وحازت أغنيته «أنت معلم» على مشاهدات زادت على 860 مليون مشاهدة، فيما وصل عدد مشاهدات أغنيته «سلام» إلى أكثر من 47 مليون مشاهدة حتى الآن، وحصلت أغنيته «غلطانة» على ما يزيد على 280 مليون مشاهد، وأغنية «إنساي» مع المطرب والممثل محمد رمضان إلى ما يزيد على 281 مليون مشاهد.
 
شهرة واسعة
يعمل سعد لمجرد المولود في السابع من أبريل (نيسان) عام 1985 مغنيا وكاتبا وملحنا ومغنيا لموسيقى البوب المغربي، وينتمي سعد لأسرة فنية، فوالده هو الفنان المغربي البشير عبدو، ووالدته الممثلة المغربية نزهة الركراكي، واشتهر لمجرد بعد تحقيق أغنياته باللهجة المغاربية أرقاما هائلة في نسب المتابعة على موقع «يوتيوب»، وزادت شهرته بشكل أكبر بعد غنائه باللهجات المصرية والخليجية، ومزاملته لمطربين وفنانين مشهورين في أعمال فنية واحدة، واستطاع دخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية من خلال أغنيته «أنت معلم» التي حققت مشاهدات فاقت 860 مليون متابع، وحصل على العديد من الجوائز المحلية والدولية في الموسيقى كما حصل في قصر مارشان في طنجة على المكافأة الوطنية ووشاح ذكرى ميلاد الملك محمد السادس ملك المغرب عام 2015 بدرجة فارس، وحصل والده على نفس المكافأة ووشاح ضابط، وكان لمجرد أول مطرب عربي تتجاوز مشاهدات قناته على «يوتيوب» مليار مشاهد، وظهرت انطلاقته الحقيقية بعد أغنية «أنتِ» التي حظيت بحوالى 15 مليون مشاهدة خلال شهرين، لتكون بداية مميزة لانطلاقته الكبرى لاحقا قبل أن تطارده اتهامات كثيرة وصف محبوه أغلبها بأنها شائعات طالته بسبب نجاحه.
 
قضايا حساسة
الكاتبة والناقدة الفنية ماجدة خير الله قالت لـ«المجلة»: «جميع القضايا الخاصة بالمطرب سعد لمجرد حدثت خارج مصر، سواء في باريس أو غيرها، وأعتقد أن الاتهامات التي طالته لم يبت فيه بشكل نهائي وهو في هذه الحالة غير مدان في أي شيء بشكل رسمي، وبالنسبة لما يثار على السوشيال ميديا فهناك الكثير جدا من المتحرشين في مصر لم يتعرضوا لعقوبات، فالموضوع به بعض التعنت ضد سعد لمجرد».
وتابعت: "السوشيال ميديا تحمل بشكل كبير نبض الشارع المصري، فلا يستطيع المواطن دائما توصيل صوته للمسؤولين إلا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تأخذ حيزا كبيرا من الحضور والتواجد الإعلامي، وكذلك الانتباه من قبل السلطات والمؤسسات الرسمية، وإذا كان هناك حدث مزعج بالنسبة للكثيرين، أو أراد عدد من الجماهير توصيل صوته للمسؤولين يتم ذلك من خلال السوشيال ميديا، وظهر ذلك كثيرا من خلال قضايا حساسة أثيرت خلال الفترة الأخيرة، وحصلت على اهتمام كبير من المسؤولين».
وأضافت ماجدة خير الله في حديثها لـ«المجلة»: «لا يجب في حالة وجود قضايا حساسة من هذا النوع أن يكون رد الفعل عاطفيا، ولا يليق أنه في حالة إثارة أي موضوع يرتبط بحدث أو شخص ما أن يتم التفاعل بشكل كبير وسلبي بحالة ما سمتها «هيجان» مع هذا الشخص أو الموضوع أو تلك القضية، فلا بد أن يكون هناك تعقل خشية الاجتماع من قبل جماهير كبيرة على باطل، وهو شيء يحدث أحيانا أن يجتمع الناس على شيء غير صحيح بسبب إثارة البعض لهم في اتجاه معين قد يحمل ظلما لمجموعة أو أفراد أو لشخص معين، ولا يجب أن يكون الموضوع رد فعل «انطباعي»، أو «عاطفي» بسبب ردود فعل عدد كبير من الأفراد تفاعلوا مع شيء معين بصرف النظر عن صحته، بصرف النظر عن تبعات القرار المتخذ».
 



غنى «إنساي» مع المطرب والممثل محمد رمضان



حالة غليان
وتابعت: «يجب دراسة تبعات القرار المتخذ قبل إقراره من المسؤول عن ذلك الذي يعتبر مثل القاضي الذي يجب أن يكون في منأى عن ردود الفعل والتيارات العاطفية، ولا يجب أن يتأثر بحالة الغليان في السوشيال ميديا بسبب قضية معينة، حيث تحمل وسائل التواصل الاجتماعي انطباعات أحيانا غير صحيحة بسبب التأثر بشيء قد يكون غير صحيح، وربما يؤيده البعض ويعارضه آخرون، فلهذا من يتخذ القرار يجب أن يكون لديه قدر من المنطق والعقل والحصافة، وقياس التبعات للقرار الذي يتم اتخاذه، وأشارت إلى ما سببته المنافذ الإعلامية الجديدة ومن بينها السوشيال ميديا بشكل عام أو فنيا بشكل خاص من رواج لأناس يريدون التعبير عن أنفسهم بعيدا عن القنوات الإعلامية الرسمية مثل التلفزيون والسينما والراديو والتي ليست دائما تبحث عن المواهب أو أصحاب الفن الجيد، وذهابهم إلى الشخص المعروف فنيا، وهو ما يدعو أصحاب المواهب الحقيقية أو حتى المتوهمين ذلك في أنفسهم للذهاب إلى السوشيال ميديا أو (يوتيوب) وذلك لتوصيل فنه واهتمام الناس به- سواء بالحق أو بالباطل- ويحصل الكثير منهم على متابعات كبيرة بسبب ما يتم بثه، وتحدث بعد ذلك عملية «تصفية» للعمل المقدم بالتفاعل مع العمل الجيد والبعد عن العمل الرديء، وهناك من يحصل على كم كبير من المتابعات رغم تقديمه محتوى غير جيد ولكن هؤلاء لا يستمرون كثيرا على الساحة، ويقل متابعوه بشكل مستمر في أعماله اللاحقة بسبب عدم جودتها، ورأينا متابعات كبيرة جدا لمحتويات غير لائقة، حيث إن هناك من يتابع هذه الأمور في البداية كحب استطلاع عن المحتوى سرعان ما يبتعد عند تكرار هذا الأمر، ويقل الاهتمام بهذه المحتويات، وبالنسبة للفن فله وسائل وطرق أخرى، وهناك من يحاول الظهور في الصورة بأي شكل، ولكن الفن ليس مجرد مقاطع فيديو والظهور بأي شكل على يوتيوب».
 
تناقض كبير
التفاعل مع قضية سعد لمجرد كانت محورا لكبار الكتاب والنقاد الفنيين في مصر بعد أن علق عليها الناقد الفني والكاتب الكبير طارق الشناوي في أحد مقالاته بصحيفة «المصري اليوم» اليومية، مشيراً لعاصفة الاستهجان التي انتشرت في السوشيال ميديا والتي دفعت الشركة المنظمة لنزع صورة لمجرد من صفحتها رغم توقعات الإقبال الهائل على شباك الحجز للحفل، ووجود ما وصفه بقدر كبير من التناقض في التعاطي مع مفهوم العقاب الاجتماعي لمتهم في قضايا اغتصاب وسادية، مفرقا بين الاتهام والإدانة من خلال القاعدة القانونية «المتهم بريء حتي تثبت إدانته».
وانتقد الشناوي في مقاله بشكل ضمني إدانه المطرب سعد لمجرد، قائلا: «في تعاطينا مع هذا النوع من القضايا يصبح المتهم مدانا حتى لو ثبتت براءته»، مشيرا إلى استمرار تداول الوقائع المتهم فيها سعد لمجرد قضائيا، وعدم البت فيها نهائيا، أو صدور أحكام نهائية فيها، ورغم أن الملابسات في هذه القضايا تدينه، وأن عوامل التصديق فيها أكثر من النفي، إلا أن القضاء يستند فقط للوقائع والأدلة والبراهين للوصول إلى الحقيقة، في حين أن المجتمع لديه ما وصفها الشناوي بأسلحته الباترة في التعبير عما يرى أنه فقط الحقيقة، مؤكدا أن الحكم النهائي فقط هو عنوان الحقيقة.
وتابع طارق الشناوي: «اكتشفنا وجود وجهين للتعبير، أحدهما معلن والثاني خفي، فهناك من يرقص على أغاني سعد لمجرد التي قام بأدائها باللهجة المصرية، وفي نفس الوقت يطالب بمنعه من الغناء، وهناك من يتابعونه بشغف على مواقع التواصل الاجتماعى، وعندما يتعرض الأمر للعلانية يقومون بشجبه»، متسائلا: «هل نستطيع تجاوز المساحة بين الفنان كشخص وما يقوم به من إبداع؟ والموضوع- ولا يزال الحديث للشناوي- ليس فقط مشاعر شرقية، ولكن العالم لا يتسامح مع الجرائم الأخلاقية ضاربا مثلا بالمخرج العجوز رومان بولانسكي والمتهم بقضايا اغتصاب في أميركا منذ حوالي 40 عاما الذي تتم مهاجمته كلما رغب أحد المهرجانات في تكريمه أو مشاركته في لجان التحكيم، وامتناعه عن الظهور خشية مهاجمته، ورغم ذلك لا تزال أفلامه تعرض في المهرجانات الكبرى وعدد منها يحصل على جوائز، وهناك مثال آخر للمغني الشهير الراحل مايكل جاكسون الذي تلاحقه الاتهامات بالتحرش رغم مرور أكثر من 10 سنوات على رحيله، ورغم نفي أسرته ما يثار حوله من تجاوزات أخلاقية، ولا تزال في نفس الوقت أغنياته تحقق الملايين من الدولارات».
وساق الشناوي أمثلة لنجوم يحرصون على مخاطبة الرأي العام في محاولات لإرضائه من خلال بث صورهم أثناء الصلاة أو أداء فرائض الحج أو العمرة لإيصال صورة ذهنية معينة لدى المتابعين، في إشارة ربما للتناقض بين السلوكيات الحقيقية والترويج لسلعة معينة للجماهير مفادها البر والتقوى.