الثورة اللبنانية تُطفئ شمعتها الأولى

بين النجاح والفشل..
* حبيب: اعتماد أسلوب قطع الطرقات أغضب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين
* قعقور: هي ثورة وليست حراكاً لأن حركتها طالت قضايا ثورية كتغيير النظام الطائفي
* جبور: الثورة أصبحت تستهدف جهة سياسية محددة دون غيرها
* مفرّج: لا بد من وجود قناة تلفزيونية تنقل «صوت الثورة»

بيروت: في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 شهد لبنان تحركات شعبية ضخمة اختلفت تسمياتها بين «الثورة أو الحراك أو الانتفاضة»وفقاً للخلفية السياسية التي تدفع كل متحدث لانتقاء تعابيره، وتميّزت هذه التحركات بشمولها مناطق الأطراف بعد أن تركزت معظم الاحتجاجات الشعبية لسنوات طويلة في العاصمة بيروت. وعلى الرغم من أن الشرارة التي أشعلت فتيل التحركات كانت فرض ضرائب جديدة على «الواتساب»إلا أن موجة الاحتجاجات توسعت وضمت شرائح اجتماعية مختلفة حتّى بعد إعلان الحكومة تراجعها عن خطوتها وتقديم خطة إصلاحية.
تركّزت أصوات المحتجين على ضرورة الإطاحة بالطبقة السياسية الحاكمة تحت شعار «كلن يعني كلن»، ورسمت المجموعات السياسية، التي شكلت فيما بعد عصب التحركات، الخطوط العريضة لتوجهات الحراك المطلبي، حيث حددت أربعة مطالب وهي إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وهو المطلب الوحيد الذي تمكنت من تحقيقه، وثانيها كان المطالبة بحكومة اختصاصيين مستقلين، وثالثها استعادة الأموال المنهوبة، وآخرها هو الدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق قانون انتخابي جديد.
توالت الأحداث السياسية فيما بعد، وشهد لبنان أزمة سياسية واقتصادية ونقدية لم يشهدها في تاريخه، شُكلت حكومة الرئيس حسان دياب التي لم تستمر لأكثر من 8 أشهر، ثم كُلف سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب، لتشكل الحكومة الجديدة وما لبث أن اعتذر عن إكمال المهمة. واليوم، يبدو أن الرئيس سعد الحريري الأوفر حظاً لقيادة الحكومة العتيدة. فأين نجحت أو أخفقت الثورة في تحقيق أهدافها؟ وهل يمكن إعادة الزخم إلى الشارع اللبناني بعد أشهر على خفوته؟ وما هي المعوقات التي تحول دون القدرة على إحداث تغيير جدي وحقيقي؟
 




الدكتور كميل حبيب


 
معايير نجاح الثورة وفشلها
يصف عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية كميل حبيب، في حديث خاص لـ«المجلة»ما حصل في 17 أكتوبر (تشرين الأول) بأنه «لم يكن ثورة أو انتفاضة أو حراكا وإنما هبّة لبنانية حكمتها حالة اليأس التي يمر بها الشعب اللبناني ورغبة البعض في التغيير». ويسرد حبيب حيثيات الفشل الذي أصابها، فيقول«حصل ذلك نتيجة اعتمادها أسلوب قطع الطرقات الذي أغضب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، بالإضافة إلى الأعمال الاستفزازية في وسط بيروت». وأضاف أن«ثمة غياب واضح للقيادة، وفقدان لأي مشروع متكامل عند هذه الجماهير المطالبة بالإصلاح حيث فشلت قوى الحراك في توصيف حراكها وصوغ برنامج عمل له وبلورة إطارها التنظيمي، فضلاً عن تغليب المنحى الشخصي في المطالب واستخدام تعابير منفرة ومقزّزة». ويستغرب حبيب «دخول أحزاب طائفية شاركت بشكل أو بآخر في السلطة منذ عام 1992، وحاولت أن تركب موجة الاحتجاجات».

 




الدكتورة حليمة قعقور

رأي حبيب يُقابله رأي آخر عبّرت عنه الناشطة السياسية الدكتورة حليمة قعقور في حديث لـ«المجلة»،إذ تعتبر أن الفشل «أصاب المنظومة السياسية التي لم تستطع أن تطور بعملها وأن تملك المرونة المطلوبة للتأقلم مع الناس». وتُصر قعقور على إطلاق تسمية «الثورة أو الانتفاضة، وليس الحراك، وذلك لأن حركتها طالت قضايا ثورية كتغيير النظام الطائفي». وتتُابع أن «الثورة هي مجموعة مواطنين قدموا نموذجا رائعا، كما تمكنت من إشراك النساء والشباب وأصحاب المهن، وبالتالي اتصفت بالشمول»، فضلاً عن «سلميتها وتحديد مطلبها بشكل واضح بتشكيل حكومة مستقلة بصلاحيات تشريعية استثنائية». 
ولا تُخفي قعقور الحاجة إلى «التواصل بشكل أفضل بين المجموعات السياسية المنضوية في الثورة بغية الوصول إلى مشروع سياسي مشترك بكافة تفاصيله وأن لا يقتصر على العناوين»، مشيرة إلى أن «هذه المجموعات والأحزاب بمعظمها جديدة وما زالت تعمل على تنظيم صفوفها وكذلك كان عليها التعامل مع أحداث متسارعة جداً».
ومن ناحيته، لا ينكر حبيب الإيجابيات التي تمكّنت الثورة من تحقيقها، فهي نجحت في «انخراط آلاف اللبنانيين في موجة الاحتجاجات، إذا أخذنا بعفويتها، ونجحت في إطلاقها واستمرارها، حيث كسرت حاجز الخوف وبدأت أكثرية الشعب اللبناني تتحدث عن فساد الطبقة السياسية الموجودة». ولفت إلى أنها «نجحت في تكثيف النقاش السياسي والاقتصادي والمالي إذ جعلت المواطنين أكثر وعياً بمستقبلهم». 
 
إمكانية التغيير الجدي
وبصرف النظر عن نجاح أو فشل الثورة في تحقيق أهدافها، إلا أن الثابت أن الطبقة السياسية تمكنت من إعادة تثبيت وجودها وإمساكها بزمام المشهد السياسي في البلاد. فالثورة التي تمكنت من تجاوز الطائفية المتجذرة في لبنان مطالبةً بنظام لا يقوم على المحاصصة الطائفية بين الأحزاب الحاكمة- كما أعلنت رفضها الاستمرار باعتماد المحسوبية والواسطة كممر إلزامي لحصول المواطن اللبناني على حقوقه الطبيعية- لم تستطع رغم كل إنجازاتها من تحقيق هذه الأهداف الجوهرية. وفي هذا الصدد يرى حبيب أن «النظام السياسي أثبت على مرّ الأيام أنه قوي بفساده، فهو نظام طائفي متجذر بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللبنانية».
وأضاف أن «ما يزيد من مأساوية الوضع هو تجهيل الفاعلين، فنحن لا نعلم من كان المسؤول عن 17 تشرين وما هو مشروعه، ولا نعلم ما حدث في انفجار المرفأ، ولا نعلم من المسؤول عن تهريب ودائع الناس إلى خارج البلاد». وتابع: «طالما أن المسؤولين عن كل هذه الأمور ما زالوا مجهولين فإن لبنان سيبقى يتعذب».

 




رندلى جبور


وفي هذا السياق، تؤكد الصحافية رندلى جبور في حديث لـ«المجلة»أن «بعض الأحزاب السياسية عملت على استغلال هذا الحراك والتحركات المناطقية»،وتستشهد على ذلك بأن «بعض التحركات المناطقية كانت تضم عناصر معروفة بانتسابها الحزبي». 
وأضافت جبور أن «الحراك نجح بتحريك الشارع اللبناني من أجل المطالب الاجتماعية إلا أنه سرعان ما تحول من حركة مطلبية حقيقية إلى اعتماد لغة الشتائم والسُباب، وأصبحت تستهدف جهة سياسية محددة دون غيرها». وتتابع: «ثمة مأخذ أساسي على هذا الحراك هو غياب القيادة وغياب المشروع». وتخلصإلى القول بأن «الحراك ساهم بإعادتنا سنوات إلى الوراء بدل أن يساعدنا على التقدم إلى الأمام».
 
عودة الزخم إلى الشارع
وفي ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية مع الحديث عن رفع الدعم عن القمح والمحروقات والأدوية، مع ما يحمله هذا القرار من آثار سلبية على المواطن اللبناني، ثمة من يرى أن هذه العوامل ستُعيد المحتجين إلى الساحات بأعداد كبيرة. وهذا ما أكدته جبور، حيث أشارت إلى أن «رفع الدعم يمكن أن يؤدي إلى عودة زخم الشارع لأنه يمس مباشرةً بجيوب الفقراء والطبقة المتوسطة خاصة إذا جاء هذا القرار دون بدائل كالبطاقات التموينية، لذا يمكن أن نشهد نوعا من الانفجار الاجتماعي».
ومن ناحيتها، ترى قعقور أن «لا قدرة لأي مجموعة سياسية معارضة من التحكم بمزاج الناس، ولكن نعلم أن هذا المشروع سيُكمل طريقه». وتلفت إلى أن معظم المواطنين يعبرون عن رفضهم للواقع القائم، حتّى إن بعضهم عبّر عنه من خلال اتخاذ القرار بـ«الهجرة». أما حبيب فيرى أن «الشعب اللبناني جائع ومريض ويفتقد للأدوية، والنظام اللبناني لا يقوم على المسكنات، والمطلوب من الطبقة المثقفة قيادة حركة تغيير غير موجودة لهذه اللحظة، لذا أنا متشائم جداً من أن يحدث أي تغيير». 

 




إلسي مفرّج 


 
وسيلة إعلامية بديلة 
منذ اندلاع الاحتجاجات، تمكنت الثورة من جذب وسائل الإعلام اللبنانية على اختلافها، وباتت تحتل أحداثها مقدمات النشرات الإخبارية وعناوين الصحف، إلا أن هذه التغطية خفتت في مراحل معينة لتعود وتأخذ حيزاً أكبر في الاهتمام. وفي هذا الصدد تشرح الإعلامية إلسي مفرّج  لـ«المجلة»أن «الرزنامة السياسية الإعلامية في أي دولة بالعالم يضعها صناع القرار أو الإعلام أو المواطنون، وما حدث في 17 تشرين أن المواطنين فرضوا حدثا معينا مما دفع وسائل الإعلام إلى مواكبتهم، والمساهمة في دعمهم، إلا أنه بعد فترة بدأت تظهر أحداث أخرى كان من الطبيعي أن تأخذ جزءا من اهتمام وسائل الإعلام مثل أزمة الكورونا أو تشكيل الحكومة أو غيرها من الأحداث الأمنية». 
وأضافت مفرج أن «هناك سببا آخر لغياب التغطية الإعلامية للثورة وهو أن وسائل الإعلام تعتمد بشكل أساسي في تمويلها على الإعلانات، غير أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد جعلت هذا المدخول محدودا جداً مما أثر على قدرة وسائل الإعلام على التغطية المباشرة بشكل مستمر فضلاً عن وجود إعلام مقرب من السلطة ويسوق لها». وتابعت مفرّج «فكانت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة الإعلام البديل حيث نشأت عدّة صفحات لنقل وتغطية الفراغ».
انطلاقا من ذلك، «كان لا بدّ من وجود قناة تلفزيونية تنقل هذا الصوت»بحسب مفرجّ. وبات معلوماً أن التحضيرات لإطلاق«تلفزيون الثورة»قد أصبحت مكتملة، حيث يضم بالإضافة إلى مفرّج 26 ممثلا وإعلاميا، من بينهم ماتيلدا فرج الله، وهشام حداد، وليليان ناعسي، وميشال أبو سليمان، وجوزيف حويك، وسابين عويس، وريما صيرفي، وكارلا حداد، وغادة عيد، وراغدة شلهوب، ومنى خوري، وعبير أكعيبر، وكارمن لبّس، ووسام صبّاغ، وطارق سويد، وطوني أبو جودة، وغيرهم.
وتؤكد الصحافية عبير أكعيبر لـ«المجلة»أن هؤلاء الأشخاص كانوا من «المشاركين في الثورة، والذين يعارضون تصرفات الحكام، فولدت فكرة التلفزيون الذي يعبر عن وجعنا وهو وجع كل لبناني». وعن تمويل المشروع قالت أكعيبر إنه «يعتمد على مساعدات من أشخاص وشركات يؤمنون بالثورة، ولا وجود لأي تمويل من قبل طائفة أو حزب سياسي أو جهة خارجية»، كما لفتت إلى أن جميع الصحافيين متطوعون، وقد يكون هناك بدل رمزي ليس أكثر».
ولن يقتصر عمل تلفزيون الثورة الذي سيحمل اسم «السلطة الرابعة»، وهو عبارة عن تلفزيون «أون لاين»، على تغطية التحركات والمظاهرات فقط، وإنما كذلك ملفات معينة كالحريات والفساد وفقدان الدواء في السوق اللبنانية وحقوق المودعين اللبنانيين في المصارف وغيرها. وعن طريقة عمل هذه الوسيلة الإعلامية تعطي مفرّج مثالاً وهو ملف الحريات العامة الذي ستكون مسؤولة عنه، حيث «سنتابع أي توقيف لأشخاص أو استدعاء أو أي خرق لحقوق المواطنين أو اعتداء على المتظاهرين من خلال تغطيتها وتوثيقها ومتابعتها قضائياً».
إذن يبدو أن الثورة التي أطفأت شمعتها الأولى مصرة أكثر من أي وقت مضى على مواجهة الطبقة السياسية، وباتت تستخدم طُرقا وأساليب وأدوات جديدة لتحقيق أهدافها ولعب دور أكثر فعالية، وإطلاق «تلفزيون الثورة»خير دليل على ذلك، إلا أن تحقيق الأهداف المرجوة لن يكون بالأمر السهل في ظل النظام الطائفي المتحكم بمفاصل الحياة السياسية. وبالتالي، فإن المواجهة ما زالت في بدايتها ونجاح أو فشل الثورة سيتوقف دون شك على قدرتها على تنظيم صفوفها وإقناع اللبنانيين بقدرتها على خلق بديل عن الطبقة الحاكمة في البلاد.