الدور الإيراني في ليبيا... المؤشرات والدوافع والآفاق

ساحة جديدة من ساحات التعاون بين أنقرة وطهران

المساعي الإيرانية لتعزيز حضورها في ليبيا ليست بالأمر الجديد، فقد كانت هناك روابط قوية بين النظام الإيراني ونظام معمر القذافي
إعلان طهران انحيازها لحكومة الوفاق ذات النزعة الإسلامية المتقاربة معها فكريًا، جاء في ظل اصطفاف تركيا وقطر معها في الجبهة ذاتها
* ظهرت بعض المؤشرات على أن المقاتلين العراقيين الشيعة المدعومين من إيران والمعروفين باسم «سرايا أنصار العقيدة» شاركوا في المعارك الدائرة في ليبيا بجانب الميليشيات الموالية لحكومة السراج
من المرجح أن لا تعمد طهران إلى الانخراط المباشر والنوعي في الأزمة الليبية على المدى القريب، لأن ذلك قد يُفضي إلى تحول ليبيا إلى ساحة جديدة من ساحات المواجهة الأميركية الإيرانية
 
 أصبحت ليبيا منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، ساحة للتنافس بين العديد من القوى الإقليمية والدولية، وبالرغم من البعد الجغرافي بين إيران وليبيا وعدم وجود قاعدة شيعية كبيرة ترتكز عليها طهران لتعزيز حضورها في الساحة الليبية، فإن الدور الإيراني في ليبيا لا يمكن إنكاره، وهو ما يتضح في مؤشرات ودلائل عدة.
ويأتي موقف إيران من الأزمة الليبية متسقًا إلى حد كبير مع الموقف التركي الداعم لحكومة الوفاق الوطني بزعامة فايز السراج، وذلك بالرغم من التنافس بين البلدين في العديد من المناطق والأقاليم الجغرافية. وهو الأمر الذي يُثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة الدور الإيراني في ليبيا وأبرز مؤشراته، وماهية الدوافع المحركة لطهران للعب دور على الساحة الليبية، وكذلك مستقبل هذا الدور.
 
أولًا: إرهاصات الدور الإيراني في ليبيا
إن المساعي الإيرانية لتعزيز حضورها في ليبيا ليست بالأمر الجديد، فقد كانت هناك روابط قوية بين النظام الإيراني ونظام معمر القذافي في ليبيا، كما استمر الاهتمام الإيراني بالشأن الليبي خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي، وهو ما يتضح على النحو التالي:
1- خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية: قدمت ليبيا الدعم لإيران سياسيًا وعسكريًا خلال الحرب العراقية الإيرانية. وعلى الرغم من الاختلافات الآيديولوجية، لعب القذافي دورًا حاسمًا في دعم نظام الخميني في إيران في حربه ضد العراق. كما كانت ليبيا أول دولة تمنح إيران صواريخ سكود- بي الباليستية لاستخدامها ضد العراق.
2- خلال فترة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية: في فترة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية، شهدت ليبيا وإيران تعاونًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا مكثفًا، وتضمن هذا التعاون مجال تكنولوجيا الصواريخ. وفي تسعينات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين، كانت هناك أنباء متداولة على موافقة إيران على تقديم المساعدة الفنية لبرنامج الصواريخ الباليستية وبرنامج الصواريخ الباليستية قصيرة المدى لنظام القذافي، مقابل الحصول على ملايين الدولارات.
واستمر هذا التعاون الوثيق على الرغم من اتهام إيران وحلفائها ووكلائها الإقليميين القذافي، بالأمر بقتل رجل الدين الشيعي موسى الصدر، الذي اختفى أثناء زيارته لليبيا عام 1978 .
3- خلال الثورة الليبية: سرعان ما تراجع الدعم الإيراني لنظام معمر القذافي مع اندلاع الثورة الليبية في عام 2011، حيث قامت طهران بدعم «الثوّار» الليبيين وأطلقت على ثورتهم اسم «الصحوة الإسلامية». وفي الوقت نفسه، عارضت طهران دور قوات الناتو في ليبيا تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، حيث اعتبرت إيران أن ذلك بمثابة فرصة مهمة للولايات المتحدة وأوروبا لتعزيز نفوذهم في المنطقة.
4- خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي: على الرغم من أن النسيج الاجتماعي والديني الليبي لا يسمح لإيران بالتسلل إلى البلاد بسهولة كما تفعل في دول أخرى، فقد عزفت طهران عن لعب دور علني ومباشر في الأزمة الليبية، وعمدت إلى انتهاج دور سري وغير مباشر من الأزمة سواء كان ذلك بنقل أسلحة إيرانية الصنع أو تقديم الدعم العسكري أو عبر الانخراط في أنشطة غير مشروعة.
 




صاروخ باليستي إيراني قصير المدى، في معرض حربي لإحياء ذكرى حرب العراق (1980-1988) (غيتي)



 ثانيًا: مؤشرات الانخراط الإيراني الراهن في ليبيا
تتجلى مظاهر الانخراط الإيراني الراهن في الأزمة الليبية في العديد من المؤشرات والدلائل، والتي من أبرزها كل من:
1- إعلان دعم حكومة فايز السراج: أكدت طهران على لسان المستشار العسكري للمرشد الإيراني العميد حسين دهقان، أن الحديث عن دعم إيراني لقوات المشير خليفة حفتر في ليبيا هو «أمر مثير للسخرية»، مؤكدًا أن طهران تدعم حكومة الوفاق الليبية بزعامة فايز السراج، وتدعو لحل سياسي في البلاد.
ويمكن القول إن إعلان طهران انحيازها لحكومة الوفاق ذات النزعة الإسلامية المتقاربة معها فكريًا، قد جاء في ظل اصطفاف تركيا وقطر معها في الجبهة ذاتها.
ويأتي هذا الاعتراف بالرغم من التلكؤ الإيراني الأولي في الاعتراف بحكومة الوفاق بعد اتفاق الصخيرات نهاية عام 2015، حيث ربطت إيران هذا الاعتراف بنيل الحكومة ثقة برلمان طبرق، وقد أكّد سفير إيران في ليبيا آنذاك حسين أكبري في تصريحات رسمية له في نوفمبر 2016 على الموقف نفسه، وهو موقف يمكن تفسيره بخشية طهران من أن تكون حكومة الوفاق خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة التي أعلنت دعمها لها.
وفي السياق ذاته، يمكن القول إن إعلان طهران دعمها لحكومة الوفاق قد جاء ردًا على حديث مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتّحدة، داني دانون، في مايو (أيار) 2020، عن إرسال إيران أسلحة متطورة إلى خليفة حفتر في ليبيا، وهو ما يُمثل خرقًا للقرارات الأممية المتعلقة بمنع نقل أو تصدير أو تزويد أو بيع أسلحة من إيران إلى جهات أخرى، وكذلك خرقًا للحظر الدولي على تصدير السلاح إلى ليبيا. ومن ثم فقد عملت إيران على نفي أي صلة لها بعمليات نقل الأسلحة لحفتر، من أجل عرقلة الجهود الأميركية الرامية إلى تجديد حظر استيراد الأسلحة المفروض على إيران.
2- تأييد التدخل التركي: تُمثل ليبيا في الوقت الراهن ساحة جديدة من ساحات التعاون بين تركيا وإيران، التي أعلنت عن وجود تنسيق مع أنقرة بشأن الملف الليبي. وقد أكد وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في مؤتمر صحافي مشترك بأنقرة مع نظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، في يونيو (حزيران) 2020، على دعم الحكومة الشرعية في ليبيا، مشددًا على أنها قادرة على إنهاء الحرب الدائرة هناك. وأشار ظريف إلى أن بلاده لديها وجهات مشتركة مع الجانب التركي بشأن سبل إنهاء الأزمة في ليبيا واليمن.
وبهذا فإن موقف النظام الإيراني من الأطراف المتصارعة في الأزمة الليبية يأتي مناقضًا لموقف حلفائه الروس والسوريين، حيث يفضل تأييد الميليشيات المتطرفة والجماعات الإرهابية الموالية لأنقرة والدوحة داخل الأراضي الليبية، وذلك لأن تركيا أصبحت فاعلا رئيسيا في الأزمة الليبية، مما يدفع طهران إلى التحالف معها رغبة في ضمان موطئ قدم في ليبيا والحصول على نصيب من ثرواتها النفطية الضخمة، عبر تقاسم المكاسب والغنائم بين البلدين.
علاوة على أن تعاون طهران وتركيا يسمح بإفساح المجال أمام تدخل أنقرة في الأزمة اليمنية، من خلال التجمّع اليمني للإصلاح التابع للإخوان المسلمين من ناحية، ويمكن طهران من الحصول على فرصة للوصول إلى شرق المتوسط، الذي يُمثل أحد الأهداف النهائية لاستراتيجية «الممر البري»، الذي يربط المقاتلين اللبنانيين بسوريا عبر إيران والعراق من ناحية أخرى.
ولا يقتصر الدعم الإيراني لدور أنقرة في الأزمة الليبية على البعد الرمزي فحسب، بل يتخطاه ليشمل تقديم الخبرة لتركيا في الالتفاف على العقوبات الدولية، ومساعدتها في نقل المقاتلين والأسلحة إلى ليبيا، حيث قامت طهران بتوفير سفن للشحن غير القانوني للأسلحة من تركيا وبلغاريا والسودان إلى مصراتة، لتسليح الميليشيات الموالية لأنقرة، وهو الأمر الذي يعكس وجود مصالح سياسية واقتصادية مشتركة بين البلدين، في ظل حاجة طهران إلى مساعدة أنقرة لها في تخفيف العقوبات وحظر الأسلحة المفروض عليها. وفي المقابل، ترغب أنقرة في الحصول على الدعم الإيراني لدورها في ليبيا، مع استمرار أنقرة في محاولة استقطاب دول أخرى داعمة لموقفها في ليبيا كالجزائر وتونس.
إضافة إلى أن مساعدة طهران لتركيا في نقل المرتزقة من سوريا إلى ليبيا يمكن أن يُسهم في تخفيف الضغط على نظام بشار الأسد المدعوم من إيران، ويمهد لسيطرته على كامل الأراضي السورية، كما أن ذلك ربما يحول دون تورط طهران في حرب استنزاف على عدة جبهات للقتال.
3- تقديم الدعم العسكري للميليشيات المسلحة: كشفت بعض التقارير عن تورط إيران في تهريب أسلحة وعتاد على متن سفن شحن إلى الميليشيات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق في ليبيا بالتنسيق مع حليفتها تركيا.
ووجهت المعارضة الإيرانية الاتهامات للنظام الحاكم في طهران بالتورط في إمداد ميليشيات إرهابية في ليبيا لخدمة مصالح حليفتيها قطر وتركيا، ومن ذلك على سبيل المثال، قيام سفينة شهر كرد العابرة للمحيطات بتفريغ شحنة من الصواريخ قصيرة المدى في ميناء مصراتة، في أبريل (نيسان) 2019.
إضافة إلى ذلك، قامت إيران بإرسال مستشارين عسكريين إلى مدينة طرابلس الليبية بهدف تدريب عناصر الميليشيات هناك على استخدام الصواريخ قصيرة المدى، وعلى هذا الأساس تقوم إيران بدور كبير في تأجيج الصراع الدائر في ليبيا، وإطالة أمده.
ويبدو حتى الآن أن إيران تحصر مشاركتها في تقديم الدعم السياسي وتوفير الأسلحة لحكومة الوفاق، ومع ذلك فقد ظهرت بعض المؤشرات على أن المقاتلين العراقيين الشيعة المدعومين من إيران والمعروفين باسم «سرايا أنصار العقيدة» قد شاركوا في المعارك الدائرة في ليبيا بجانب الميليشيات الموالية لحكومة السراج.
 



سرعان ما تراجع الدعم الإيراني لنظام معمر القذافي مع اندلاع الثورة الليبية في عام 2011، حيث قامت طهران بدعم «الثوّار» الليبيين وأطلقت على ثورتهم اسم «الصحوة الإسلامية» (غيتي)



ثالثًا: دوافع الانخرط الإيراني في ليبيا
تتنوع وتتعدد العوامل التي تدفع إيران إلى الانخراط في الأزمة الليبية، ومن أبرز هذه الدوافع ما يلي:
1- تعزيز حضورها في شمال أفريقيا: إن الدور الإيراني في ليبيا هو بمثابة حلقة من حلقات النفوذ الإيراني الممتد في دول الجوار العربي والإسلامي، سعياً لدعم مصالحها السياسية وامتدادها الاستراتيجي، خاصة ما يتعلق بضمان المشاركة في السيطرة على البحر المتوسط كأحد منافذ الملاحة الحيوية، ويكشف الموقع الجغرافي المتميز لليبيا عن كونها تُمثل نقطة عبور مهمة وحيوية نحو شمال أفريقيا.
في هذا السياق، تنظر طهران إلى انتصار خليفة حفتر، باعتباره لا يخدم مصالحها في المنطقة، وإنما قد يعرقل محاولات تعزيز دورها في منطقة شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، خاصة مع سعي طهران إلى توظيف الجماعات الدينية المتطرفة لتشكيل شبكة من الميليشيات الإسلامية وأنصار المقاتلين في شمال أفريقيا، الذين يمكن أن يكونوا وكلاء لطهران في عمليات غسل الأموال، والمشاركة في جمع المعلومات الاستخبارية، ودعم اقتصاد الظل الإيراني.
2- إيجاد ساحة جديدة للنفوذ الإقليمي: إن تعزيز إيران حضورها في ليبيا يمكنها من إيجاد مجال جديد لنفوذها الإقليمي، خاصة مع تنامي الضغوط الأميركية والإسرائيلية عليها لتحجيم نفوذها السياسي وإنهاء حضورها الاستراتيجي في سوريا والعراق. فضلًا عن أن الانخراط في الأزمة الليبية يمنح طهران أوراق ضغط إضافية في مواجهتها مع الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الملف النووي الإيراني، كما أن ذلك يسمح لها بلعب دور في الأزمة خلال مرحلة ما بعد التسوية.
علاوة على ذلك، فإن التدخل في الأزمة الليبية يساعد إيران في إيجاد مخرج من العزلة الدولية المفروضة عليها، خاصة مع تصاعد الضغوط الأميركية عليها. وتجد إيران مصلحة حيوية في استمرار الأوضاع الأمنية المتدهورة في ليبيا، لأنه يصرف انتباه المجتمع الدولي ودول المنطقة، وإن كان بصورة مؤقتة، عن البرنامج النووي الإيراني وتحركات طهران التوسعية في العراق وسوريا واليمن ولبنان من ناحية، ويُمثل وسيلة لإنهاك القوى المناهضة لإيران، من خلال زيادة تورطها وانغماسها في المعترك الليبي من ناحية أخرى.
3- فتح سوق جديدة للأسلحة الإيرانية: تُسهم عمليات تهريب الأسلحة إلى الميليشيات المسلحة الموالية لتركيا في ليبيا عبر السفن الإيرانية في مساعدة طهران على  الالتفاف على حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا، فضلًا عن إمداد ميليشيات الوفاق بالأسلحة اللازمة لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
وتشير التقارير والمقاطع المصورة التي أظهرت وجود صواريخ إيرانية في أيدي قوات حكومة الوفاق المدعومة من أنقرة، تشبه إلى حد كبير تلك التي يستخدمها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن، إلى سعي طهران لاستغلال فوضى السلاح وسيولة الحدود وحالة الانفلات الأمني في تحويل ليبيا إلى محطة لتوجيه شحنات السلاح الإيرانية إلى العديد من ساحات الصراع ليس في شمال أفريقيا فحسب، بل في جوارها الجنوبي بمنطقة الساحل والصحراء والقارة الأفريقية بشكل عام، فضلاً عن كون ليبيا سوقاً واعدة للصناعة العسكرية الإيرانية.
ويمكن القول إن التدخل في الأزمة الليبية، خاصة مع تصاعد وتيرة المواجهة العسكرية بين المحور الداعم لحكومة الوفاق والمحور المؤيد لخليفة حفتر، يمكن أن يساعد طهران على القيام بدور «المورد» للأسلحة وخاصة الصواريخ والطائرات دون طيار المستخدمة بكثافة في الأراضي الليبية، حيث لا ترى طهران غضاضة في إمداد طرفي الصراع على حد سواء بتلك الأسلحة، وهو ما يحقق لها مكاسب اقتصادية تحتاجها بشدة.
4- مواجهة الخصوم الاستراتيجيين: يمكن النظر إلى إعلان إيران دعمها للسراج في إطار التنافس الإقليمي مع القوى المناوئة لنفوذ طهران بالمنطقة، وتحديداً دول الخليج. لذا فإن طهران تحرص على منع أطراف دولية وعربية معينة من الاستفادة من النفط الليبي، وكعكة إعادة الإعمار فيها.
من هذا المنطلق، تنظر طهران إلى سيطرة الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس باعتباره يضر بتوازن القوى بين إيران والقوى المجاورة لها في منطقة الخليج، وذلك في مواجهة المحور الإيراني التركي القطري، وترى فيه انتصارًا لمحور الاعتدال العربي وخاصة مصر إلى جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اللتين واجهتا مشروعها التوسعي في اليمن.



تُمثل ليبيا في الوقت الراهن ساحة جديدة من ساحات التعاون بين تركيا وإيران (غيتي)



5-  السيطرة على حصة من النفط الليبي: تسعى إيران إلى الحصول على حصة من النفط الليبي، في ظل خبرة النظام الإيراني في تهريب النفط والمتاجرة به في السوق السوداء. وفي ضوء ذلك، يمكن أن تعاون إيران حكومة الوفاق وحليفتها تركيا في تهريب النفط من الحقول والمنشآت التى تسيطر عليها وبيعه في السوق السوداء.
علاوة على ذلك، تسعى طهران إلى استغلال انفلات الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا، لممارسة الأنشطة غير المشروعة مثل تبييض الأموال وتجارة السلاح والمخدرات والنفط، وغير ذلك مما يُطلق عليه «اقتصاديات الحروب».
وتتزايد أهمية ليبيا في الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، مع ترسيم الحدود البحرية والصراع المتزايد حول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، إلى جانب تزايد وطأة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأميركية الاقتصادية المفروضة على إيران.
 
رابعًا: آفاق الدور الإيراني في ليبيا
رغم تنوع العوامل المحركة للمساعي الإيرانية الهادفة إلى تعزيز حضورها المباشر في ليبيا، فإن هذه المساعي تواجه العديد من العقبات والقيود التي ربما تحول دون توسع النفوذ الإيراني، على نطاق كبير، في ليبيا مستقبلًا، ومن أبرز هذه العقبات والقيود ما يلي:
1- تعاظم المشكلات والضغوط الداخلية: تعاني طهران في الوقت الراهن من العديد من العقبات النابعة من بيئتها الداخلية، والتي تُمثل قيدًا على حرية حركتها في ليبيا، خاصة مع تفشي فيروس كورونا، وتدهور الأوضاع الاقتصادية الناتج عن تفشي الفيروس والعقوبات الأميركية والدولية المفروضة عليها. كما تفاقمت الأزمة الاقتصادية التي تشهدها إيران بفعل انخفاض أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي، مما أدى إلى انخفاض قيمة التومان الإيراني.
2- تعدد الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة: تعتبر ليبيا مجالا حيويا للعديد من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة بشكل مباشر في الأزمة المندلعة هناك، والتي سوف تسعى إلى عرقلة المساعي الإيرانية للتدخل المباشر في الأزمة، خاصة مع انخراط تلك القوى في المعسكر المناوئ لأهداف طهران، وعلى وجه التحديد روسيا، التي تدعم المشير خليفة حفتر. وفي ضوء ذلك، لا ترغب طهران في تفاقم التوترات مع موسكو أو زيادة عدد قواتها من خلال الانحياز علنًا إلى تركيا، لأن ذلك يمكن أن يفضي إلى تحول الدور الإيراني من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة مع روسيا وبعض القوى الإقليمية الأخرى المتحالفة مع حفتر مما يجعل التدخل الإيراني في ليبيا مكلفًا من الناحيتين المالية والبشرية.
3-  طبيعة الدور الإيراني نفسه: لا تعتبر طهران فاعلًا مباشرًا في الأزمة الليبية حتى الآن مثلما هو الحال بالنسبة لدورها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وهو الأمر الذي يمكنها من تغيير مواقفها بصورة أسهل، خاصة مع استمرار انخراط حليفتيها روسيا وسوريا في المعترك الليبي، ودعمهما المتواصل لحفتر. وهو ما يعني أن مستقبل الدور الإيراني في الأزمة الليبية يظل مرهونًا بتطورات الأوضاع الأمنية والسياسية في ميدان المعركة ومعادلات القوة بين الأطراف المتصارعة وداعميها في ليبيا، إلى جانب مدى إمكانية استمرار التنسيق التركي الإيراني فيما يتعلق بالأزمة الليبية.
لذلك فمن المرجح أن لا تعمد طهران إلى الانخراط المباشر والنوعي في الأزمة الليبية على المدى القريب، لأن ذلك قد يُفضي إلى تحول ليبيا إلى ساحة جديدة من ساحات المواجهة الأميركية الإيرانية، وهو ما يمكن أن تكون له تبعات خطيرة على النظام الإيراني، خاصة مع تنامي الضغوط الأميركية الرامية إلى عرقلة المخططات الإيرانية لتوسيع نطاق دورها ونفوذها في المنطقة. فضًلا عن إمكانية حدوث مواجهة مباشرة مع روسيا على الأراضي الليبية، في حال قامت طهران بزيادة انخراطها في المعارك الدائرة هناك، من خلال تقديم الدعم العسكري الصريح والمباشر لحكومة الوفاق الوطني التي تعارض الدور الروسي في ليبيا.