الأسد وحكايا قبل النوم لأحفاده

* يملك مفاهيم غريبة هذا الأسد، تشعر وأنت تتابع ما يقول أنه يعيش في مكان آخر من هذه المجرة، ولكن الحقيقة المرة أنه يعيش بيننا، ينتظر أن يتوفر اللقاح الروسي ليحقن به فلا يصاب بكورونا، ونحن ننتظر لقاحا يقينا من شره؛ فقد اكتفينا من مصابنا ومصاب سوريا به لأعوام طويلة

قبل أسابيع حلت الذكرى الخامسة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، بعدها بأيام خص رأس النظام السوري بشار الأسد وكالة «سبوتنيك»الروسية بلقاء تحدث فيه عن بطولات الجيش الروسي، وتحديدا الطيارين الروس، قائلا: «نتذكر أن الطيارين الروس استمروا في طلعاتهم الجوية فوق الإرهابيين وبشكل يومي، مخاطرين بحياتهم»، مضيفًا: «ما سأذكره لأحفادي يوماً ما لا يتعلق بهذه البطولة وحسب، بل سأتحدث إليهم عن هذه القيم المشتركة التي يتشاطرها جيشانا، والتي جعلتنا أشقاء خلال هذه الحرب، هذه القيم النبيلة، إخلاصهم لقضاياهم، ودفاعهم عن المدنيين والأبرياء. ثمة الكثير مما يمكن التحدث عنه حول هذه الحرب».
نسي الأسد أن يذكر أن من قتلتهم القوات الروسية التي يتباهى بمرور خمسة أعوام على بدء تدخلها العسكري في سوريا هم «6859 مدنياً، بينهم 2005 أطفال»، كما استهدفت «207 منشآت طبية»، وفقا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فهل سيخبر بشار الأسد أحفاده عن هؤلاء الأطفال؟ هل سيعلمهم منذ نعومة أظفارهم على «هذه القيم النبيلة»؟ ويقص عليهم حكاية قبل النوم- هو الطبيب- كيف تم قصف المستشفيات؟
أما عن داعش، فيقول الأسد إنها ظهرت فجأة، وبدعم أميركي، حسب كلامه، واحتل جزءاً مهماً جداً من سوريا والعراق في الوقت نفسه. نسي الأسد على ما يبدو بسبب انشغالاته الكثيرة بالمؤامرات عليه كما يشكو دوما، أن سلسلة تفجيرات ضربت بغداد في العام 2009 وراح ضحيتها مئات العراقيين الأبرياء، ونسي أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق تبنى تلك التفجيرات، بينما رئيس الحكومة العراقي يومها نوري المالكي اتهمه هو شخصيا بالوقوف وراء التفجيرات، وطالب بتحقيق دولي بالأمر، ما اعتبره الأسد أمرا «غير أخلاقي».
نسي الأسد، أو تناسى، أن نظامه يقف خلف عشرات العمليات والمجموعات الإرهابية في دول الجوار، نسي أن أجهزة استخباراته كانت مسؤولة عن تجنيد مئات الشباب وإرسالهم إلى العراق لقتل العراقيين «والأميركيين الأشرار»، نسي شاكر العبسي وفتح الإسلام وعشرات الاغتيالات، وأراد أن يخبرنا وهو «يحتفل»بذكرى العدوان الروسي على الشعب السوري، أن الولايات المتحدة هي الشر وهي الإرهاب، وهو ونظامه وحلفاؤه ليسوا أكثر من جمعيات خيرية لنشر الفرح والبهجة أينما حلوا.
يشكو الأسد في مقابلته من سلوك تركيا وكيف استخدمت «الإرهابيين القادمين من مختلف الدول في سوريا»، طبعا لا داعي للحديث بأن المرتزقة الذين أتت بهم إيران، من ميليشيا حزب الله اللبنانية إلى ميليشيا أبو الفضل العباس العراقية، وأن عدد الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا نحو 50 تشكيلاً، وصلت أعداد عناصرها خلال عام 2017 نحو 70 ألفاً، كما سبق وصرح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري. لا داعي للحديث عن مرتزقة شركة فاغنرالروسية، فهذه كلها تفاصيل غير مهمة في سياق الحفاظ على السيادة الوطنية كما يراها بشار الأسد.
بشار الأسد نفسه يتحدث عن الديمقراطية الأميركية والانتخابات، فهو «لا يتوقع عادة وجود رؤساء في الانتخابات الأميركية، بل مجرد مديرين تنفيذيين لأن هناك مجلسا، وهذا المجلس يتكوّن من مجموعات الضغط والشركات الكبرى مثل المصارف وصناعات الأسلحة والنفط وغيرها. وبالتالي، فإن هناك مديرا تنفيذيا، وهذا المدير التنفيذي لا يمتلك الحق ولا السلطة لإجراء مراجعة، وإنما يقتصر عمله على التنفيذ». العالم من شرقه لغربه يتابع قبل أشهر كل ما له علاقة بالانتخابات الأميركية ونتائجها، يتابع استطلاعات الرأي، ولكن أيا يكن الرئيس الأميركي فهو لا يملأ عين بشار الأسد، عله ينتظر أن يأتي يوم يعلم هو الولايات المتحدة كيف يجب أن يكون الرئيس، وخصوصا أن عيون العالم منذ وصول والده عام 1970 إلى السلطة، شاخصة نحو الانتخابات السورية وما تحمله من مفاجآت، وليزيد الأمور إثارة وتشويقا، أعلن الأسد في المقابلة أنه لم يحسم أمر ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا عام 2021.
لا يفوت الأسد أن يدلو بدلوه بموضوع جائزة نوبل للسلام، فالسلام هو أن تلتزم بالقانون الدولي وأن تدعم ميثاق الأمم المتحدة، هذا هو السلام، وفقا للأسد المتهم بقتل أكثر من نصف مليون مواطن سوري بينهم الآلاف تحت التعذيب.
يملك مفاهيم غريبة هذا الأسد، تشعر وأنت تتابع ما يقول أنه يعيش في مكان آخر من هذه المجرة، ولكن الحقيقة المرة أنه يعيش بيننا، يسخر منا، هو الذي ينتظر أن يتوفر اللقاح الروسي ليحقن به فلا يصاب بكورونا، ننتظر نحن لقاحا ما يقينا من شره فقد اكتفينا من مصابنا ومصاب سوريا به لأعوام طويلة.