معضلة الحريري

* استعاد الحريري المبادرة ورشح نفسه لرئاسة الحكومة تبعا لقاعدة توزيع المراكز الأولى في الدولة على الأقوياء ضمن طائفتهم

شعر سياسيو الطائفة السنية بأنهم أصبحوا خارج دائرة القرار السياسي في لبنان وبأن حزب الله استطاع- مع حليفيه أمل والتيار الوطني الحر- أن يدير الدفة السياسية في البلد. 
في السنوات الأربع الأخيرة نجح حزب الله في فرض رئيس الجمهورية الذي دعمه من خلال تعطيل جلسات الانتخاب النيابية وإطالة أمد الفراغ، حتى انصاع الجميع لرغبته وانتخبت الأكثرية النيابية عون رئيساً. 
نفس الشيء انسحب على قانون الانتخابات وتأليف الحكومة الأولى لعهد ميشال عون والذي وزع الأدوار والأحجام لكل الكتل السياسية فيها، فرفض مثلا حصر تسمية النواب الدروز بجنبلاط، وإعطاء وزارة سيادية لجعجع وعدم تمثيل سني من خارج دائرة تيار المستقبل. حتى مع استقالة الحريري لجأ حزب الله إلى تأليف حكومة موالية له بالكامل ومن دون وجود المكون السني الأكثر تمثيلا فيها.
مما لا شك فيه، حزب الله استطاع فرض سيطرته على البلد وقراراته نتيجة امتلاكه تنظيما مسلحا خطيرا لا يتوانى عن استعماله إذا ما لزم الأمر، كما امتلاكه مقدرات مالية وإعلامية كبيرة وشراكات طائفية وحاضنة شعبية ودعم إقليمي جدي. ولكن هناك بعد آخر لاستقواء الحزب وسيطرته على الساحة السياسية، يتمثل في ضعف خصومه لا سيما سياسيي الطائفة السنية الذين أمنوا غطاء فعالا لحركة 4 آذار، فالحريري خسر أولا الثقل الاقتصادي الذي ورثه عن أبيه وهو أيضا كان قد خسر الغطاء السعودي الذي رافقه منذ اغتيال والده، هذا الغطاء الذي نحا أولا صوب لامبالاة بالوضع اللبناني عموما وصل أخيرا إلى حد مقاطعة السياسة اللبنانية بشكل جدي، وهذا الموقف تجلى في خطاب الملك سلمان في الأمم المتحدة، حيث أشار إلى سيطرة حزب الله بالكامل على لبنان. هذا التحول ساهم جديا في إضعاف القوى السياسية الأساسية في البلد وتأليبها بعضها على بعض.
تجاه هذا الواقع حاول الحريري إيجاد تفاهم مع خصومه السياسيين تؤمن عودته إلى الرئاسة الثالثة وتستطيع بالتالي إعادة وصل ما انقطع مع المملكة العربية السعودية. لم يسهل باسيل عليه تلك المهمة، وتصرف كما عمه عون إبان حروبه في أواخر القرن الماضي عندما أعلن أنه رئيس حكومة وستة وزراء في آن. أراد باسيل أن يستولي على صلاحيات رئاسة الجمهورية والحكومة معا، غير آبه بالنتائج السلبية التي سيتركها هكذا تصرف مراهق على البلد وعلى سعد الحريري نفسه. بعد 3 سنوات من تعايش قاس بين الحريري وباسيل حصل الطلاق. المشكلة في هذا الطلاق هو أن الحريري وحده هو من دفع ثمنه سياسيا. تشكلت حكومة من دونه، وبقيت شياطين باسيل حاضرة فيها كما طيفه الطاغي في بعبدا.
حصلت كارثة المرفأ. انفجر غضب اللبنانيين والعالم. اضطر أديب إلى تقديم استقالته. دخلت فرنسا على الخط مع كل ما تملكه من مصالح في لبنان تمثلها شركة توتال ومؤتمر سيدر أيضا. تلك المصالح قال ماكرون الرئيس الفرنسي أنها تتطلب نوعا من الاستقرار السياسي لا يتأمن إلا بتوافق بين الأفرقاء السياسيين. الاستقرار السياسي يجب أن ينتج حكومة تصلح قطاع الطاقة وتسحبه من أيدي باسيل وتشرع لتحقيق جنائي مالي في مصرف لبنان. تلك الخطوات إلى جانب التفاوض مع صندوق النقد الدولي والخضوع لشروطه سيؤمنان بعضا من الأموال للبنان.
شعر سياسيو الطائفة السنية بأن كارثة المرفأ وما رافقها من تفاعلات دولية كانت لحظة مواتيه لإعادة الاعتبار لدور الطائفة في النظام السياسي اللبناني الذي خسروه بشكل فاضح منذ تسوية انتخاب الرئيس عون. تسلحوا بالدعم الفرنسي والعقوبات الأميركية لفرض شروطهم، تبدأ بحصر تأليف الحكومة بشخص رئيسها المكلف من توزيع حقائب إلى تسمية وزراء من دون المرور بالكتل النيابية أو حتى رئيس الجمهورية ولا تنتهي باستعادة وزارة المالية من ثنائي أمل وحزب الله. فشلت تلك المحاولة أمام رفض أمل وحزب الله تلك الشروط، كما رفض رئيس الجمهورية سلب دوره في موضوع التأليف. لام الرئيس ماكرون سعد الحريري على إدخال البعد المذهبي في التأليف. أصبح لدى حزب الله وحلفائه خيار واحد وهو استعادة تجربة أديب وتأليف حكومة ظاهرها حيادي تقصي الحريري ومن يمثل.
هنا استعاد الحريري المبادرة وطرح نفسه في إطلالة متلفزة، مرشحا نفسه لرئاسة الحكومة تبعا لقاعدة توزيع المراكز الأولى في الدولة على الأقوياء ضمن طائفتهم. رحب أقوياء الطوائف الأخرى بعرض الحريري كونه يبرر لهم فرضهم لتلك للقاعدة. نجح الحريري في اجتياز الاختبار الأول. هو الأقوى. يبقى الاختبار الثاني. تأليف حكومة وفق شروط حزب الله. وهنا كل المعضلة.