عن المقاومة والسخط

* بعد أن انتهت المبادرة الفرنسية بفشل ذريع، يبدو أن حزب الله ورعاته في إيران لن يتركوا لبنان يزدهر، فالسلطة والسيطرة أهم لهذين النظامين من مصلحة الشعب اللبناني

* لن يتنازل حزب الله بسهولة، حتى لو انهارت الدولة وتضور شعبها جوعًا؛ فلا تحتل مصلحة الشعب أولوية لدى حزب الله، طالما أنها لم تتحول إلى تهديد أو عقبة

يبلغ عمر لبنان اليوم مائة عام، وهو يقف في مفترق طرق تتزامن معه ذكرى مئويته ويتحدد بناء عليه مستقبله. هناك خيارات عديدة أمام لبنان، ولكن منهما خيارين مصيريين: طريق الرخاء والانفتاح على العالم، أو طريق المقاومة والانعزال. لا يوجد غيرهما، وأصبحت جميع الألاعيب التي اعتادت النخبة السياسية اللبنانية ممارستها لإبقاء لبنان متأرجحًا بين العالمين غير مجدية. ينبغي على لبنان الاختيار، بما له من تبعات.

الآن بعد أن انتهت المبادرة الفرنسية بفشل ذريع، يبدو أن حزب الله ورعاته في إيران لن يتركوا لبنان يزدهر، فالسلطة والسيطرة أهم لهذين النظامين من مصلحة الشعب اللبناني. ولكن الشعب أدرك أن المقاومة يصاحبها كثير من السخط، وهذا إدراك لا يستطيع حزب الله أن يتجاهله أو يصمد أمامه.

اليوم، يتطلع الشعب اللبناني إلى المنطقة حوله ويراها تتقدم نحو السلام والرخاء والحداثة، في حين يغرق بلده في ظلام وعزلة. بعد مائة عام من الأمل والإمكانية، يواجه لبنان أكثر فتراته ظلامًا، والحل الوحيد بسيط جدًا وواضح جدًا: يجب احتواء حزب الله وسلاحه، وإلا لن يكون هناك لبنان على الأقل في المستقبل القريب.

هل يتخلى حزب الله عن سلاحه؟

يعلم حزب الله محدوديته- المالية والعسكرية والسياسية- ولكنه يعرف أيضًا أن أي تسوية باسمه سوف تقضي على النفوذ والسلطة التي يملكها في لبنان، وإلى حد ما في المنطقة. لذلك كان من الواضح أنهم لن يقبلوا الشروط التي نصت عليها المبادرة الفرنسية. لا يمكنهم الموافقة على حكومة مستقلة يمكنها في النهاية اعتراض مصالحهم السياسية والمالية.

بيد أن حزب الله يعلم أيضًا أن المُضي في تشكيل حكومة بحزب الله وحلفائه فحسب ليس فكرة جيدة، نظرًا لأنها ستؤدي إلى مزيد من العزلة والعقوبات وربما إجراءات عسكرية ضده وضد منشآته العسكرية في لبنان. ويحتاج الحزب إلى الاختباء وراء وجه سُنِّي مقبول في منصب رئاسة الوزراء، مع الاحتفاظ بالسلطة والنفوذ ذاته على لبنان ومؤسسات الدولة.

ولكن الأمر ليس سهلًا، حيث إن المجتمع الدولي والشعب اللبناني حاولا كشف هذه اللعبة، ولن تُقبل إلا حكومة مستقلة حقًا. فما الذي سيفعله حزب الله إذن؟ الخيار الوحيد المتبقي هو الفراغ في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر، على الأقل حتى الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) عندما تتحدد الإدارة الأميركية القادمة. بعدها سيتم النظر في جميع الخيارات، في لبنان وجميع أنحاء المنطقة. 

بات من الواضح منذ فترة أن حزب الله لن يتنازل دون ضغط جاد؛ لقد أمضى الحزب ورعاته الإيرانيون فترة طويلة وبذلوا جهودًا كبيرة من أجل الوصول إلى مستوى السلطة التي يملكونها اليوم. وبعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، تحرك حزب الله لاستلام الدولة من نظام الأسد ثم رسخ جذوره لتأمين مصالح النظام الإيراني.

وضمنت مذكرة التفاهم الشهيرة التي تم توقيعها مع ميشال عون– الذي أصبح رئيسًا حاليًا بموجب تلك المذكرة أو الصفقة– لحزب الله الغطاء المسيحي الذي رغب فيه، ومن ثم كتلة برلمانية كبيرة منحته الأغلبية في البرلمان بعد انتخابات 2018 بناء على قانون انتخابي وُضع خصيصًا للحصول على مثل تلك النتائج. وفي النهاية فرض حزب الله اتفاق الدوحة، الذي أسس لحكومة الوحدة الوطنية– وهو مفهوم لم يُسمع عنه من قبل قط في لبنان– وألغى نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2005، وحكومة 14 آذار في لبنان. سمحت هذه اللحظة غير الديمقراطية الواضحة– متزامنة مع سلسلة اغتيالات لرموز 14 آذار- لحزب الله بالتسلل إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها والاستيلاء عليها في نهاية الأمر.

بعد كل هذه الإنجازات، التي تطلبت عددًا من التضحيات والإنفاق من جهة حزب الله وإيران، لن يتنازل حزب الله بسهولة، حتى لو انهارت الدولة وتضور شعبها جوعًا؛ فلا تحتل مصلحة الشعب أولوية لدى حزب الله، طالما أنها لم تتحول إلى تهديد أو عقبة.

 

انهيار امبراطورية حزب الله؟

مع ذلك يدرك حزب الله أن نفوذه مرتبط أيضًا بقدرته على الوصول إلى مؤسسات الدولة، وإذا انهارت الدولة، سوف يخسر الكثير، ويمكن أن تصبح إنجازات بلا جدوى. 

وعلى الرغم من حقيقة أن مذكرة تفاهم حزب الله وعون لا تزال سارية، ليس خافيًا أن الخلافات بين عون وحزب الله بدأت تظهر للعلن، في الأساس بسبب العقوبات الأميركية والضغط الفرنسي واستياء الشارع المسيحي في لبنان تحديدًا بعد انفجار بيروت الذي وقع في الرابع من أغسطس (آب) 2020. بالإضافة إلى ذلك، خسر جبران باسيل، صهر عون، الذي كان يأمل في أن يصبح الرئيس التالي للبنان، طموحه بعد أن أصبح عدو الشارع اللبناني الأول.

كان على كل فرد من حلفاء حزب الله أن يدفع الثمن، في كل من الشارع وعلى المستوى الدولي، ناهيك عن احتمالية فرض مزيد من العقوبات قبل اشتداد حمى المنافسة في الانتخابات الرئاسية الأميركية. حتى رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل نبيه بري تعرض بالفعل لعقوبات عن طريق أقرب رجاله، الوزير السابق علي حسن خليل. ولا يستطيع بري تحمل خسارة تعرض مزيد من رجاله للعقوبات أو لمناورات سياسية من حزب الله.

في نهاية المطاف سوف يُعقد اتفاق مع إيران، وبالنسبة لكل من المرشحين الديمقراطي والجمهوري، سيكون على النظام في إيران تقديم تنازلات في المنطقة. ولن يركز الاتفاق القادم على البرنامج النووي الإيراني فحسب، ببساطة لأن كلا من ترامب وبايدن ليسا متعجلين لإجبار إيران على توقيع اتفاق. من جهة أخرى، تعاني إيران من مأزق مالي واقتصادي شديد ولا تملك رفاهية الوقت. فهذه المرة، على الأرجح أن إيران سوف تتنازل، وبالتالي سيكون على حزب الله التضحية أو سيُضحى به.

وحتى تأتي تلك اللحظة، سيُضحى بلبنان، فسوف يزداد اقتصاده انهيارًا، وسيجبر شعبه على الخروج. ولكن سيأتي يوم يصبح فيه حزب الله منعزلًا إلى درجة لن تمكنه من استغلال نفوذه أو تأثيره السياسي. وأخيرًا أدرك الشعب اللبناني، بما فيه كثير من الشيعة، أن مقاومة حزب الله تأتي ومعها كثير من السخط، والطريق الوحيد للتقدم هو المسار المعاكس؛ حيث يوجد الرخاء والسلام والانفتاح. هذا الخيار سيظهر بطريقة أو بأخرى، وما الانتخابات البرلمانية إلا إحدى وسائل ظهوره.

* حنين غدار: زميلة في زمالة «فريدمان»في برنامج غيدولد للسياسة العربية بمعهد واشنطن، حيث تركز على سياسة الشيعة في المشرق