من المستفيد من ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل؟

* يجب أن لا يوقف المجتمع الدولي مساعي الضغط على حزب الله وحلفائه والنظام السياسي الفاسد... وعليه أن يثبت للشعب اللبناني أنّ هذا الاتفاق سيصبّ في مصلحته

بعد نحو عشر سنواتٍ من الأخذ والردّ، انطلقت، الأسبوع الماضي، مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل لحلّ نزاع حدودهما البحرية المشتركة بحضور وسطاء أميركيّين. ومن المبكر الحديث عمّا إذا كان الطرفان سيتوصلان لتوقيع اتفاق أو ما إذا كان لبنان سيحقّق مكاسب أبعد من التفاصيل التقنية والإجرائية، فما حصل حتّى الآن انطلاق سلس للمفاوضات بعد موافقة الطرفين على إطار العمل المطروح. وصحيح أنّ الشيطان يكمن عادة في التفاصيل، ولكنّها التي ستحدّد من الطرف المستفيد وما إذا كان لبنان كبلد وشعب سينال أيّة مكاسب.
الحقائق والتوقعات
حال الخلاف على الحدود دون مباشرة أعمال التنقيب عن الغاز والنفط ولا سيّما في لبنان الذي قسّم مساحته المائية إلى عشرة مربّعات (بلوكّات)، ثلاثة منها واقعة في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل. وقبل انطلاق المحادثات، أخطرت إسرائيل لبنان أنّها مستعدّة لتقاسم مساحة 860 كيلومترا مربّعا من الملكية البحرية المتنازع عليها بنسبة 58:42 لصالح بيروت. وينتظر الطرف اللبناني بحماس بدء شركة توتال الفرنسية عمليات الحفر في البلوك رقم 9 الملاصق للبلوك الإسرائيلي «ألون دي».
من جهتها، بدأت إسرائيل بضخّ الغاز من حقول بحرية ضخمة، بينما يأمل لبنان في العثور على حقول غاز تجارية في المياه في ظلّ حاجته الملحّة لمصادر مالية سريعة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها. 
ولم يتّضح بعد كم ستطول هذه المفاوضات، ولكن لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ لبنان وافق فجأةً على انطلاق هذه المحادثات بعد سنواتٍ من المماطلة. ويقف خلف هذه الإيجابية المفاجئة سببٌ وحيد هو فرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات مالية على أفراد ومؤسسات تربطها علاقات بحزب الله على خلفية الأزمة المالية التي تطال البلاد. فقد عاقبت وزارة الخزانة الأميركية علي حسن خليل، وزير المالية الأسبق والذراع اليمنى لرئيس مجلس النوّاب اللبناني نبيه برّي، قبل ثلاثة أسابيع فقط من إعلان الأخير انطلاق المفاوضات.
وفي الماضي، كان الطرف اللبناني يصرّ على أنّ المفاوضات لن تحصل إلّا إذا شملت الحدود البحرية والبريّة المتنازع عليها، ولكنّه عاد ووافق فجأة على حلّ مسألة الحدود البحرية.
وشدّد مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر خلال مؤتمر صحافي عقده مؤخرًا على أنّ المحادثات ستركّز على الحدود البحرية فقط وأنه لا توجد نيّة للتطرّق للنزاعات الأخرى القائمة بين البلدين كالنقاط الثلاث عشرة المتنازع عليها عند الحدود البريّة، الأمر الذي اعتُبر تنازلًا آخر من الجانب اللبناني.
 
معضلة حزب الله
لن يتمكّن برّي ورئيس الجمهورية ميشال عون من الموافقة على المفاوضات حتّى لو كانت غير مباشرة، دون مباركة حزب الله الكاملة. وشكّلت هذه المباركة معضلة كبيرة لحزب الله الذي تجاهل أمينه العام حسن نصر الله الموضوع برمّته في آخر خطابٍ له. ولكنّ هذا التجاهل لم ينفع، وتعرّضت «المقاومة»وقاعدتها الشعبية لانتقادات عنيفة لاعترافها بالحدود مع إسرائيل.
ولهذا السبب، عمد حزب الله إلى إثارة بعض الجلبة قبل انطلاق المفاوضات عبر الإصرار على تجنّب الوفد اللبناني لالتقاط صورة جماعية مع الجانب الإسرائيلي وإصداره لبيان مشترك مع حركة أمل يوضحان فيه أنّ هذه المفاوضات ليست إشارة إلى إمكانية التوصل إلى سلام مع العدو الأبدي إسرائيل، بالإضافة إلى دعوته لتغيير تركيبة الوفد قبل ساعات من انعقاد الاجتماع الأوّل. 
ولم تنفع هذه العرقلة طبعًا على اعتبار أنّ المفاوضات كانت ستنطلق مع أو بدون الحملات الكاذبة التي شنّها الحزب في الدقائق الأخيرة، فما حصل قد حصل: وافق حزب الله على اعتراف الحكومة التي يسيطر عليها بحدود إسرائيل، ما يعني أنّه وافق بشكل غير مباشر على وجود دولة إسرائيل.
وقدّم حزب الله هذا التنازل الكبير فقط لأنّه يرزح تحت ضغط هائل ناتج عن العقوبات والعزلة اللتين تقودهما الولايات المتحدة إلى جانب إجماع دولي على تورّطه في أنشطة إرهابية حول العالم وفي أزمة لبنان المالية. الآن ومع انطلاق المفاوضات أخيرًا، يأمل حزب الله وحلفاؤه بأن يؤدّي هذا التنازل الذي قدّموه إلى تخفيف الجانب الأميركي لسياسة الضغوط القصوى المفروضة عليه وعلى حلفائه في لبنان على الأقلّ حتّى تبيان نتائج الانتخابات الأميركية.
ولكن من الضروري أن لا يشعر حزب الله بتراجع هذه الضغوط حتّى انتهاء الانتخابات ولا حتّى بعدها لا سيّما وأنّ مسألة المفاوضات أثبتت أنّ سياسة الضغط نجحت في حثّه على تقديم التنازلات.
 
لبنان واللبنانيّون
يجب أيضًا ضمان حصول لبنان واللبنانيين على المكاسب المالية الناتجة عن عمليات الحفر البحرية في المستقبل، بعيدًا عن الطبقة السياسية الفاسدة التي لا تزال تحكم لبنان. ولكن إذا انتهى الأمر إلى إعادة تدوير هذه المكاسب لصالح النظام الفاسد نفسه، ستصل أخيرًا إلى أيدي القادة الطائفيين الفاسدين نفسهم ولن يحصل الشعب اللبناني على شيء. 
تشكّل هذه المفاوضات خبرًا جيّدًا للبنان في ظلّ الوضع المالي المنهك الذي يعيشه لأنّ التوصل لاتفاق ترسيم الحدود سيساعد الاقتصاد على المدى الطويل. ولكنّ هذه المكاسب قد لا تتحقّق إذا استمرّ حزب الله في إحكام قبضته على وزارات البلاد الأساسية لا سيّما أنّه وحلفاءه لن يتردّدوا أبدًا في وضع يدهم على الأرباح التي قد يدرّها الغاز والنفط.
ولذلك يجب حماية اتفاق ترسيم الحدود البحرية من الضغوط الأميركية المرتبطة بعملية الإصلاح في البلاد. ومن هنا، ومع استمرار هذه المحادثات، على المجتمع الدولي الاستمرار في العمل على تغيير تركيبة لبنان السياسية، ما يعني التشجيع على إجراء انتخابات نيابية مبكّرة ووضع قانون انتخابي جديد، بالإضافة إلى تنفيذ الإصلاحات التي أُقرّت في اجتماع باريس في ديسمبر (كانون الأول) الفائت وبعده.
يبرع حزب الله دائمًا في لعبة شراء الوقت عندما يكون محصورًا في الزاوية. ومع تزايد العقوبات عليه وعلى حلفائه المحليين وعلى إيران، يخشى بعض المراقبين في لبنان من أن تكون مفاوضات الحدود البحرية الفرصة الأخيرة لتحقيق إصلاحات حقيقية ووقف تزايد الضغوط الخارجية. يجب أن لا يوقف المجتمع الدولي مساعي الضغط على حزب الله وحلفائه والنظام السياسي الفاسد وعليه أن يثبت للشعب اللبناني أنّ هذا الاتفاق سيصبّ في مصلحته.
يقف حزب الله اليوم في موقع ضعيف جدًا وأصبح حلفاؤه جاهزين للتخلّي عنه والقفز من السفينة، ما يعني أنّ قليلًا من الضغط كفيلٌ بتحقيق الكثير. اليوم، جلس حزب الله مع إسرائيل على نفس الطاولة وبالمزيد من الضغط عليه وعلى حلفائه، يمكن دفع الحزب إلى تقديم تنازلات في السياسة والأمن والاقتصاد. كما يجب دفعه إلى تسليم سلاحه، فالأمر يستحقّ المحاولة.
* حنين غدّار: زميلة «فريدمان»في برنامج «غيدولد للسياسة العربية»في معهد واشنطن. وتركّز الكاتبة في عملها على عمل الشيعة ونشاطهم السياسي في الشرق