عندما يُصبح الرأي الآخر خيانة

* في سوريا مئات من الشابات والشباب انكفأوا حتى عن إبداء رأيهم فيما يحصل، فقط بسبب حملات التخوين والترهيب والتي كان بعضها ممنهجاً

 
أعلنت قبل أيام صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تأييدها للمرشح الديمقراطي جو بايدن في سباق الرئاسة الأميركية، وقد بات تأييد كبرى الصحف لمرشح دون غيره أمرا متعارفا عليه لا يؤثر على مصداقيتها كما يقول المتابعون للشأن الأميركي والصحافة الأميركية.
أما حيث نعيش نحن من العالم الثالث، فلا يكاد المرء يعبر عن رأيه بمقال إن كان كاتبا، أو بتغريدة أو بوست إن كان مجرد ناشط أو مواطن رأي في صفحات التواصل الاجتماعي فرصة للتعبير عن رأيه الذي صُودر لسنوات، حتى تنهال عليه الاتهامات والشتائم.
يحق لأي كان أن يعبر عن رأيه، ونتغنى في بلاد الربيع العربي بثوراتنا من أجل الحرية وتقبل الآخر، ولكن في الواقع لا زلنا في الخطوة الأولى بمشوار الألف ميل، فعندما نسمع أو نواجه برأي يختلف ولو قليلا عن رأينا، نبدأ بطرح أسئلة غريبة تحمل بطياتها تحقير الرأي الآخر وتسخيفه.
نستنكر جريمة ذبح المدرس الفرنسي، فنواجه فورا بتهمة من نوع «إذن أنت مع السخرية من النبي»، وكأن لا وسيلة لنعبر فيها عن استنكارنا للتعرض للمعتقدات إلا بالذبح.
نبكي على سوريا تحترق، ونتألم عندما تصلنا صور غابات الساحل السوري وقد صارت رمادا، ليفاجئنا البعض بأن موقفنا هذا فيه تأييد لنظام الأسد، فالحرائق حصلت في مناطق أغلبية أهلها من الموالين له.
نعارض قوى الممانعة، وإرهاب الميليشيات الإيرانية وعلى رأسهم حزب الله، فتبدأ حملة التخوين «لا بد أنك مؤيد للاحتلال الإسرائيلي لتعارض السيد».
تنتقد التدخل التركي في الشأن السوري وتجنيد سوريين للقتال في بلاد غريبة لا شأن لنا بها، فيسألك البعض، وماذا عن التدخل الروسي، والمرتزقة الإيرانيين؟ وقد يسألك آخر: من دفع لك لتستنكر؟
كم نسبة الناس التي شاهدت الكاريكاتير المسيء للرسول قبل الاعتداء على شارلي إيبدو وقبل ذبح المدرس وكم نسبتهم بعد هذا الرد الإرهابي؟ 
أليس السوريون هم من رفعوا شعار «سوريا لينا وما هي لبيت الأسد»؟ فكيف بات البكاء على جزء من سوريا وهو يحترق تضامنا مع الأسد؟ ومن قال أساسا إن روسيا وإيران هما مثلنا الأعلى، لنكرر ما استنكرنا قيامهما به؟ ألم ينتبه بعد من نصبوا أنفسهم حراسا للدين والوطن ما يرتكبونه من جرائم بحق الدين والوطن؟
يقول الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري آروويه المعروف بـ«فولتير»: «قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك». 
عندما خرج السوريون ضد بشار الأسد، وخاطروا بحياتهم واعتقلوا وعذبوا واستشهدوا، كانوا فعليا يُقتلون لنصبح نحن أحرارا، لا ليأتي بعض ممن نصبوا أنفسهم مرة باسم الدين ومرة بقوة السلاح ويصادروا مرة جديدة حريتنا، ولا ليتحكم بنا عوضا عن الأسد أشبال كثر. 
وإن كانت سهولة الكتابة والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، قد ساهمت بالتحكم في الرأي العام، فإن هذه الوسائل باتت سلاحا بيد جماعات وجهات وأحيانا دول تحاول من خلالها تشويه كل من يختلف معهم بالرأي، كما محاولة التحكم والسيطرة على وعي المتابعين وتوجيههم.
والأمر أكثر تعقيدا في منطقتنا التي ما تزال تكافح لتثبيت قيم الحرية واحترام الاختلاف؛ ففي سوريا مئات من الشابات والشباب انكفأوا حتى عن إبداء رأيهم فيما يحصل، فقط بسبب حملات التخوين والترهيب والتي كان بعضها ممنهجا؛ يقول أحد الشباب الذين شاركوا في السنوات الأولى من الثورة السورية: «ما خفنا من الأسد بس قرفنا من التخوين وقعدنا على جنب». ليس المطلوب أن يُقتل أحد لنعبر عن رأينا، المطلوب فقط أن لا نُقتل نحن ولو معنويا لأننا عبرنا عن رأينا.