وثيقة سرية عن إعادة تعمير لبنان

البنك الدولي يشخص ويعالج

من دون إصلاح شامل إداري واقتصادي وسياسي فمن الصعب على لبنان الحصول على المساعدات العربية والغربية بالمقدار اللازم. هذا ما أراد البنك الدولي قوله في الوثيقة السرية عن خطة إعادة إعمار لبنان التي وضعها في فبراير (شباط) الماضي. والمهم في الوثيقة أنها تكاشف الحكومة اللبنانية بكل العيوب الإدارية والاقتصادية بصراحة ودون خجل، لأن البنك الدولي لا يريد أن تهدر المساعدات التي ينتظر أن يتلقاها لبنان في المستقبل، لكنه يتعامل مع معطيات الاقتصاد اللبناني من مقاييس ومعايير اقتصادية تقليدية قد تسبب جدلا واسع النطاق في لبنان. وينتقد البنك مجلس الإنماء والإعمار اللبناني في عدة مواضع ويطالب الدولة اللبنانية بأن تقوم مباشرة بتنفيذ المشروع... هنا عرض للوثيقة 
 
في أواخر يوليو (تموز) اجتمعت في مبنى البنك الدولي في باريس وفود الدول الصناعية للبحث في احتياجات لبنان المتعلقة بإعادة إعماره، وترأس الاجتماع الدكتور محمد عطا الله رئيس مجلس الإنماء والإعمار اللبناني، وتدارس مبعوثو الحكومات الغربية، وهم من خبراء المال والمعونات، وثيقتين، أولهما مشروع إعادة إعمار لبنان، وهي وثيقة صدرت من مجلس الإنماء والإعمار في أبريل (نيسان) الماضي. وثانيتهما وثيقة لا تزال تحمل طابع السرية نتناول هذا الموضوع وقد وقعها خبراء البنك الدولي بعد زياراتهم للبنان بين نوفمبر 1982 وفبراير 1983. وهذه الوثيقة الأخيرة كانت محل جدال طويل بين الحكومات المستعدة لتمويل المشاريع. في لبنان وممثلي حكومة بيروت نظرا إلى ما يكتنفها من معلومات دقيقة عن حالة الاقتصاد اللبناني واحتياجات البلاد وما تحتوي عليه من ملاحظات عن الإدارة اللبنانية وعيوبها ومخاطر بعض قوانينها الاقتصادية والاجتماعية. 
تبدأ الوثيقة بدراسة الوضع الاقتصادي قبل الهجوم الإسرائيلي وبالتحديد خلال الفترة من 1975 إلى 1982 فترة الحرب الداخلية اللبنانية، وهي تبدأ بشكوكها حول إمكان القيام بعملية تقويم علمية دقيقة للأضرار الناجمة عن الحرب، فالأضرار العينية يمكن حصرها كالتي أصابت المباني والطرقات وشبكة المواصلات لكن الأضرار الأخرى غير الظاهرة لا يمكن حصرها مثل التي لحقت بجهود التعليم والتكوين المهني في لبنان الذي شهد انخفاضا خلال السنوات الثماني المظلمة والذي من المحقق أنه ذو نتائج سلبية كبيرة يصعب تقويمها على مسار الاقتصاد اللبناني، خصوصا أن الحرب لم تغلق المدارس فحسب بل جعلت الشباب اللبناني في وضع سيكولوجي يجعلهم يتحاشون مواصلة دراستهم ويهربون من التكوين المهني لأنه «ضياع وقت في زمن حرب أصبح فيها الوقت باهظ الثمن لقلته وندرته».
ثاني ملاحظة عن الأضرار أن مصدر معظمها ليس الحرب بالذات، أي ليس القنابل وإنما غياب الصيانة في زمن الحرب ويلمح البنك الدولي إلى أن عدو لبنان وبناه الأساسية الأولى ليس التراشق بالمدفعية بل تقهقر سلطة الدولة زمن الحرب، وبالتالي تقهقر جدوى الوظيفة العمومية المكلفة بصيانة التركيبات البنيوية.
ثالث ملاحظة قدمها البنك الدولي حول جدوى السلطة المركزية أنه تصعب إعادة إعمار لبنان إذا بقى تنظيمه المالي على حاله، ومعروف أن الحكومة اللبنانية لا تدمج في ميزانها السنوي كل نشاطاتها الاقتصادية وأعطى البنك الدولي لذلك مثالا طريفا إذ يقول إن مجلس الإنماء والإعمار نفسه له ميزانية تخرج عن ميزانية الدولة وله حساب مفتوح لدى الخزينة المركزية يتميز باستقلاله عن المراقبة الحكومية مما يجعل وزير المال عاجزا عن تقديم لائحة دقيقة عن موارد ونفقات الميزانية، وهذا أمر واقع منذ سنة 1977. أما عن الخسائر اللاحقة بالبنى الاقتصادية والاجتماعية التابعة للقطاع العام فإن البنك الدولي بمساعدة من مجلس الإنماء والإعمار اللبناني وبعض الوزارات اللبنانية وهيئة الأمم المتحدة وكذلك المعهد الإسلامي للإنماء الاجتماعي يقدرها كالآتي (الحساب بملايين الليرات سنة 1983) 
 
الأضرارالتي لحقت ببيروت الكبرى
 

  • المدارس 314 مليون ليرة. 
  • المستشفيات 140 مليون ليرة
  • البنى الأساسية 4600 مليون ليرة
  • المرفأ 72 مليون ليرة 
  • المطار 90 مليون ليرة 
  • الطرقات  500 مليون ليرة 
  • المياه والمجاري 350 مليون ليرة 
  • المواصلات 410 ملايين ليرة 
  • الكهرباء 241 مليون ليرة 
  • وسط بيروت التجاري 7500 مليون ليرة

وما هذه الأضرار إلا قسم مما لحق بلبنان ككل وقسم ضئيل من الأضرار التي منيت بها بيروت لأن القسم الأهم منها ناتج عن هروب الكوادر نحو بلدان الخليج وأوروبا الغربية وما يتضمن ذلك من هروب لرؤوس  أموال ولقدرة شرائية مهمة وقدرة عملية لا تعوض بالمال، وليس هناك من معيار لتقويمها ماليا. وبالرغم من أن سنوات الحرب خلقت في لبنان سوقا اقتصادية سوداء لا يمكن تجاهل جدواها فالاقتصاد اللبناني شهد تقهقرا كبيرا يصعب لحاقه في أقل من خمس سنوات، إلا عن طريق معدل نمو سنوي صاف من التضخم يبلغ 30 في المائة وهي نسبة صعبة المنال. 
ويقول البنك الدولي إن عملية إعادة إعمار لبنان سيرافقها تفاقم كبير في العجز التجاري وربما في ميزان المدفوعات كما سيرافقها تضخم مالي يجب الحد منه حتى لا تفقد السلع اللبنانية تنافسيتها الدولية وبالتالي حتى لا يزداد وضع الميزان التجاري سوءا. 
ويرى البنك الدولي أن تجارة لبنان الخارجية في المدة الأولى من عملية إعادة الإعمار ستخضع لواحدة من حالتين؛ الأولى تتميز بإعانة رفيعة المستوى للبنان تجعله يستورد طوال السنوات الثلاث ما قدره 70 بليون ليرة لبنانية تؤثر إيجابيا على الهيكل الاقتصادي وتجعله قادرا على تصدير سلع بمبلغ 25 بليون (مليار) ليرة، مما يجعل العجز يصل إلى 45 بليون ليرة على ثلاث سنوات. 
والسيناريو الثاني أكثر تشاؤما بالنسبة إلى حجم المعونة فيكون الاستيراد في درجة 60 بليون ليرة والتصدير على نحو 15 بليون ليرة ينتج عنهما عجز في نفس الحجم أي 45 بليون ليرة مما يجعله يساوي 45 في المائة من حجم الإنتاج الداخلي الخام وهو حجم خطير كل الخطورة على باقي موازنات الدولة وعلى وضع العملة اللبنانية. 
ولتلافي حالة كهذه يقترح البنك الدولي على الحكومة اللبنانية توخي سياسة تشجيع صادرات قوية إلى جانب وقفة حازمة أمام العمليات التجارية في السوق السوداء التي يعرفها لبنان قبل سنة 1975. 


 
وضع ميزان المدفوعات
وعن ميزان المدفوعات، أبدى البنك الدولي ارتياحه لوضعه الجيد دون أن ينسى أن أحد أسبابه الجيدة هو الحرب، فالحرب هي التي هجرت الألوف من اللبنانيين الذين يرسلون إلى عائلاتهم في لبنان نصيبا من مداخيلهم  وصل إلى درجة 5 بلايين ليرة سنة 1981 يضاف إليها- دائما بسبب الحرب- ما يقرب من بليوني دولار كإعانة من الدول العربية، ونستطيع أن نضيف إليها عدة مئات من ملايين الدولارات حصلت عليها أحزاب وتكتلات سياسية ودينية لبنانية من دول أجنبية بسبب الحرب، ومن جهة أخرى فإن كل هذه الأموال بالرغم من الحرب رصدت في معظمها في البنوك اللبنانية نظرا للقانون المصرفي اللبناني المتساهل ونظرا لحرية تبديل العملة في بيروت. 
ويعزى وضع ميزان المدفوعات الممتاز إلى نتائج قطاع الخدمات وبالخصوص قطاع النقل البري والبحري والجوي. فالمعروف أن انعدام الأمن في لبنان جعل شركات النقل اللبنانية تشتغل في بلادها دون منافسة أجنبية مما در عليها الربح الكثير ووفر لميزان المدفوعات كل إنفاق بالعملة لشركات أجنبية. والميدان الوحيد في قطاع الخدمات الذي عرف عجزا كبيرا هو ميدان السياحة لأسباب لا وجوب لذكرها. كذلك من بين عوامل الوضع الجيد لميزان المدفوعات قلة التزامات لبنان لدى الخارج في ميدان الديون على المدى المتوسط والطويل، فهي كانت أقل من 80 مليون دولار آخر سنة 1972 نظرا لأن الحكومات اللبنانية المتتالية كانت دائما تخير اللجوء إلى سوق مالية داخلية وعدم الاقتراض لدى السوق الدولية كذلك كان من شأنه من جهة أخرى أن شارك في رفع قيمة العملة اللبنانية والخفض من حدة العجز التجاري. 
وفي الوقت نفسه كانت العملات الأجنبية القوية تتدفق على البنك المركزي اللبناني والبنوك التجارية، فوصلت إلى أكثر من أربعة بلايين دولار ونصف البليون يضاف إليها أكثر من تسعة ملايين أونصة ذهب لدى بنك لبنان.
لكن الوضع الجيد لميزان المدفوعات ليس هو الكل، وعملية إعادة إعمار لبنان ترتبط بشروط أخرى غير اقتصادية هي شروط سياسية. ويذهب البنك الدولي إلى أبعد من ذلك مضيفا أن عملية إعمار لبنان تتوقف على الثقة بالسلطة المركزية ويقول بصراحة إن لبنان لنيحصل على قروض داخلية أو خارجية إذا لم تبرهن حكومته على قدرتها في استيعاب المشاكل السياسية الداخلية وفرض الأمن كما أن لبنان يعرف أن إعادة إعماره بإعانة  الدول الغربية مرهونة بمقدرة الدولة على مجابهة الصعوبات الفنية والإدارية والمالية عن طريق أجهزتها العامة المختصة. ويقول البنك الدولي إن الثقة بالحكومة ستتعزز إذا أظهر لبنان فعاليته الاقتصادية وبالذات قدرته على تخفيض حدة عجزه المالي ولن يتم ذلك إلا باللجوء إلى أربعة حلول أولها رفع حجم مداخيل الدولة عن طريق إصلاح جبائي من جهة وإقناع المواطنين والمؤسسات بالقيام بالواجبات الجبائية من جهة أخرى. ثانيها إصلاح طريقة ختم الميزان حتى يغطي هذا الميزان مصاريف المؤسسات الحكومية ومصاريف الدعم (دعم الطاقة والقمح...) والمصاريف الرأسمالية. وثالثها مراجعة سياسة الدعم ذاتها بطريقة تحد من دعم البنزين والكهرباء والمواد الغذائية دون أن تمس القدرة الشرائية للعائلات الفقيرة. ورابعها التوصل إلى إجبار المؤسسات الاقتصادية العامة على خفض عجزها المالي ولجوئها إلى الاقتراض وحثها على تمويل نفسها بنفسها. 
 
شروط إعادة الإعمار
وهذه هي شروط إعمار لبنان التي من دونها سيجد نفسه بين خيارين، أولهما أن الدول الصديقة تقدم له الإعانة وهذه الإعانة لن تستعمل في محلها وستندثر في ظلمات هيئات حكومية عديدة مستقلة الواحدة عن الأخرى وتغيب عنها أنواع الرقابة. وثانيها أن الحكومة الصديقة ترفض نظرا لهذا الوضع إعانة لبنان أي هدر الأموال المخصصة لإعانته. ويقول البنك الدولي إنه لا مجال لمجاملة لبنان بالرغم من مأساته لأن الأموال المزمع تجنيدها في خطة إعادة إعماره بين سنتي 1983 و1985 هي أموال ضخمة يقدرها البنك بنحو  6.5 بليون دولار أميركي، وهذا المبلغ ليس إلا حصة أولى في مهمة تضميد جراح لبنان. والخطة الثانية التي تبدأ بنهاية 1985 وحتى سنة 1990 ستحتاج إلى أكثر من الحصة المخصصة للمشروع الأول وهي مربوطة ربطا تاما بنجاح مشروع 83 – 1985. والمعروف أن مبلغ ستة بلايين دولار ونصف البليون المخصصة للمشروع الأول له هدفان هما إعادة إعمار لبنان عن طريق إصلاح بنياته. وثانيهما إنجاز وإصلاح عجز ميزانه والأموال التي ستخصص للمرحلة الثانية من إعادة إعماره ستخصص فقط للبناء والتشييد وليس لسد ثغرات ميزان وموازنات المؤسسات الاقتصادية العامة. ويقول البنك إن المؤسسات العمومية اللبنانية يجب إجبارها بعد سنة 1985 على تجنيد سبعة إلى ثمانية بلايين ليرة لبنانية عن طريق مواردها الخاصة أو عن طريق السندات التي يطلق عليها اسم «السندات الخاصة لإعادة إعمار لبنان»،أو بشكل سندات طويلة المدى تجعل القطاع العام بعيدا عن منافسة القطاع الخاص على سوق المال والاقتراض وهذا لا يعني أن اللجوء إلى الإعانة الدولية وإلى سوق المال الدولي سيحظر على الحكومة بدعوى الحذر ووجوب احترام اعتدال الميزان، بل إن البنك الدولي يطلب من الحكومات تقديم الإعانة لموازنة لبنان حتى لا يلجأ هذا البلد بشكل مفرط إلى الاقتراض مهددا بذلك مستقبله. 
 
الدورالأول للقطاع الخاص
وبالرغم من إلحاحه على ضرورة ترشيد الاقتراض والإنفاق لدى الحكومة كشرط رئيسي في قضية إصلاح البنى الأساسية، فالبنك الدولي يعتقد أن المحرك الرئيسي لاقتصاد لبنان سيكون كالعادة قطاعه الخاص. ويلاحظ البنك أن فعالية القطاع الخاص اللبناني لا مثيل لها مثلما أن ضعف القطاع العام لا مثيل له، وأول شرط لازدهار لبنان هو عودة الأمن الداخلي بما في ذلك الأمن الاقتصادي، ويعني بالأمن الاقتصادي قيام الدولة بتحديد سياسة اقتصادية سليمة تنكب على تطبيقها، وهذه السياسة تبدأ بقانون جديد ودقيق حول تصنيف الأراضي (بناء، زراعة...)، وبقانون ضرائبي جديد، وكذلك بقانون جديد يحمي الصناعات المحلية ويشجع الصادرات، وبمشروع كبير للتدريب والتكوين المهني يضمن للمؤسسات الاقتصادية جيشا من الكوادر والعمال المختصين سيفتقر إليهم لبنان بشدة في زمن إعادة الإعمار. 
كما يقترح البنك من مناطق إعادة الأمن الاقتصادي أن تشجع الدولة القطاع المصرفي الخاص على العدول عن سياسة الإقراض على المدى القصير والانطلاق على طريق الإقراض على المدى المتوسط والطويل حتى لا يثقل كاهل الصناعيين ورجال الأعمال بالديون وفوائد الديون وهذه القروض المتوسطة وطويلة المدى ستحتاج إليها صناعات لبنان الغد وهي صناعات نهمة ماليا ستعتمد أحدث الوسائل التكنولوجية وهدفها رجوع لبنان إلى مكانة تصديرية بارزة في الشرق الأوسط. 
 
مراجعة السياسات المالية
وعلاوة على ضرورة مراجعة الحكومة اللبنانية لسياستها المالية المتسمة بتفاقم العجز. وأسباب هذا العجز عديدة منها نضوب المداخيل زمن الحرب وتفاقم الإنفاق (ناهيك بأن الدولة واصلت دفع المرتبات إلى الموظفين المتغيبين عن لبنان خلال الحرب) يقترح البنك الدولي على الحكومة اللبنانية القيام بإصلاح جذري للوظيفة العمومية وهذه تتسم بالإفراط في عدد الموظفين وبسوء اختصاصهم وبكبر سنهم وبضعف مردودهم وتقترح سياسة تشغيل علمية جديدة مبنية على الكفاءة وكذلك بسياسة رواتب جديدة إذ إن الرواتب المعمول بها في الوظيفة العمومية هي أضعف بكثير من مستوى الرواتب في سوق العمل الخاص. ومن جملة المقترحات الأخرى للبنك الدولي ضرورة إعادة النشاط إلى دائرة الإحصائيات وإصلاح هيكل وزارة الدفاع وتقوية مكتب تنسيق السياسة الاقتصادية والبحث عن كوادر جديدة وفعالة لإلحاقهم بمجلس الإنماء والإعمار كما حث البنك الدولي الحكومة اللبنانية على اللجوء إلى مكاتب الاستشارة الدولية، كلما دفعتها الضرورة إلى ذلك. وأخيرا شدد البنك الدولي على وجوب بلوغ حد عال من التنسيق بين الدول التي تساعد لبنان. ثم تناول تقرير البنك الدولي بالبحث خطة 83 -1985 كما وضعها مجلس الإنماء والإعمار في نقاطها الست الآتية. 

  1. يواصل القطاع الخاص دوره الرائد في النشاط الاقتصادي والإنتاجي
  2. دعم دور القطاع العام في ميادين التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية 
  3. تشجيع الحكومة كل المبادرات الصناعية خارج بيروت بهدف اللامركزية 
  4. تغيير النظام الجبائي بهدف جعله أكثر عدالة وأكثر توفيرا للمداخيل 
  5. عملية إعادة الإعمار ستمول عن طريق القروض والمساعدات الدولية في غالبيتها في حين تمول الحكومة 30 إلى 35 في المائة من الإنفاق
  6. تتخذ الحكومة الاحتياطات اللازمة لمواجهة التضخم المالي الذي سينجم عن عملية إعادة الإعمار وذلك عن طريق مجهود ضخم في ميدان البناء وصناعة مواده وإدخال التكنولوجيا المعوضة عن اليد العاملة (ذات الكثافة الرأسمالية) ومجهود آخر في ميدان البناء. وفي الوقت نفسه تقوم الحكومة بتشجيع المواطنين على الادخار وتتكلف باستيراد السلع الضرورية التي يكثر عليها الطلب حتى تتلافى وقوع أزمة أو يختنق السوق. 

والجدير بالملاحظة أن خطة مجلس الإنماء والإعمار الأولى كانت طرحت في اجتماع القمة العربي الذي انعقد في تونس في نوفمبر 1979 وتعهد فيه الملوك والرؤساء العرب بجمع وتقديم معونة إلى لبنان مقدارها بليونا دولار اشترطوا على أن يخصص نصفها لأحياء الجنوب الذي كان وقتها يقاسي من غارات الجيش الإسرائيلي المتعددة ولم يحصل لبنان من الالتزام المالي العربي إلا على ما قيمته 417 مليون دولار أي ربع ما تعهد به القادة العرب. 
وكان مجلس الإنماء والإعمار في خطته هذه قد وضع شروطا وأولويات على المشاريع الإنمائية الإعمارية أن تحترمها حتى تمول من طرفه، وهذه الشروط  هي:

  1. يجب أن يكون هدف المشاريع الأول هو التخفيف من آلام واحتياجات المواطنين الأولى ومن ذلك إعادة بناء المنازل المهدومة أو المستشفيات التي قصفت.
  2. أن تكون للمشاريع المقدمة نتائج ثانوية مفيدة لقطاعات عديدة ومثال ذلك إصلاح الموانئ والطرقات.
  3. أن تكون للمشروع تفاعلات اقتصادية إيجابية على أكثر من قطاع.
  4. أن يكون المشروع ذا إنجاز طويل النفس كإعادة بناء مجاري بيروت وغيرها من مدن الجنوب.
  5. أن يكون المشروع فرصة لتكليف عدد من المقاولين لإنجازه.
  6. أن لا يتطلب المشروع عمالة وافرة يفتقر إليها لبنان حاليا. 

 
مأخذ على مجلس الإنماء والإعمار 
ويلاحظ البنك الدولي أن سياسة مجلس الإنماء والإعمار لا تبني الأولويات حسب احترام الشروط وتتحاشى المقارنة بين المشاريع، فكل المشاريع بنظره تتسم بنفس الأولوية، وعاب البنك الدولي على المجلس أنه في بعض الحالات (كإصلاح الطرقات) قام بنفسه بإنجاز المشروع عوض تكليف المقاولين به، كما لاحظ البنك أن خطة 1978- 1982 اعتمدت مبلغ 704 ملايين ليرة ليس هناك اليوم وثيقة تدل على كيفية إنفاقها كما أن المجلس يشكو عجزا في ميزانه قدر ببليوني ليرة اضطرته إلى اللجوء إلى بنك لبنان وبيع سندات الخزينة التي بحوزته إلى النظام المصرفي التجاري. 
أما عن اقتراحات وتوصيات البنك الدولي بناء على دراسات مجلس الإنماء والإعمار فإنه يمكن تلخيصها في جملة واحدة: على  الحكومة أن تأخذ على عاتقها مصاريف إصلاح ما دمر وأن تكلف القطاع الخاص القيام بهذه الأشغال طوال مدة خطة الإنماء وإعادة الإعمار، وعند انتهاء هذه المدة يجب على الحكومة أن تنسحب من النشاط الاقتصادي لصالح المبادرة الخاصة. 
ويرى البنك أنه من واجب الحكومة أن تقوم بعمليات الإصلاح اللازمة بما في ذلك عمليات الإصلاح التشريعي التي تنعكس مباشرة بصفة إيجابية على نشاط القطاع الخاص حتى يسترجع من جديد ديناميكيته التي اشتهر بها قبل سنة 1975. 
ومن عمليات الإصلاح هذه أصر البنك على ضرورة مراجعة سياسة الإقراض التي توخاها القطاع المصرفي اللبناني لجعله أكثر استجابة وملاءمة لمستجوبات الظروف الراهنة التي يعيشها الصناعيون ورجال الأعمال. 
ويرى البنك الدولي أن المشروع الذي قدمه مجلس الإنماء والإعمار باسم الحكومة اللبنانية إلى الحكومات والهيئات الدولية المهتمة بمصير لبنان هو مشروع طموح قد تعترض سبيل تنفيذه بعض الشوائب. وانتهى البنك إلى الأسئلة التالية: 

  • هل الاقتصاد اللبناني عامة سيستطيع إنجاز واستيعاب هذا المشروع؟
  • هل للحكومة القدرة على التحصيل وجمع الموارد العالية الدولية اللازمة لتمويله؟ 
  • وهل ستستطيع هذه الحكومة الوفاء بديونها؟
  • هل الوظيفة العمومية تستطيع أن تساير هذه المرحلة الصعبة والسريعة في حياة لبنان؟ 
  • هل بإمكان صناعة مواد البناء اللبنانية أن توفر كميات الإنتاج الهائلة المطلوبة منها؟ 
  • هل من الممكن تجنيد عمالة متخصصة وفعالة بالحجم الذي تتطلبه خطة المجلس هذه؟
  • هل سيكون قطاع النقل البري والبحري والجوي قادرا على القيام بواجباته بالرغم من الاكتظاظ المنتظر؟

ردود البنك الدولي على هذه التساؤلات تتسم بالتفاؤل، إذ يلاحظ بأن الخطة المذكورة قابلة للتنفيذ من الوجهة الفنية العلمية، إذا قام كل قطاع بعمله في الآجال والشروط الموضوعة ضمن المشاريع المدروسة من طرف مجلس الإنماء والإعمار.