أجواء إيجابية تسيطر على مسار تأليف حكومة لبنان «الإنقاذية»

حكومة زعيم تيار المستقبل الرابعة خلال العشر سنوات الأخيرة
* لا يمكن مقارنة الحكومة التي يعمل الرئيس الحريري على تشكيلها اليوم مع الحكومات التي ترأسها سابقاً ولا حتى مع أي حكومة سابقة
* علينا أن لا ننتظر تأليفاً خارج الواقع الدستوري والسياسي، فأي تشكيلة حكومية تحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية وثقة المجلس النيابي
* يبدو أن الأجواء الإيجابية التي تسيطر حتى الساعة على التشكيل ستؤدي إلى ولادة حكومة في وقت قياسي

بيروت: يبدو أنّ لبنان سيشهد بعد أيام ولادة حكومة جديدة استثنائية في أخطر مرحلة تمرّ بها البلاد منذ تأسيس لبنان الكبير، فالأجواء التي تصدر عن القوى المعنية بتشكيل الحكومة تشير إلى أنّ التشكيل يسير بوتيرة سريعة، والأجواء الإيجابية تخيّم على مسار التأليف بعكس ما كان متوقعا قبل التكليف.
منذ حوالي العام وصلت الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان إلى ذروتها مع انهيار العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، وارتفاع نسبة الفقر والعوز لأرقام قياسية، وارتفاع نسب البطالة والهجرة، إضافة إلى مقاطعة دولية وعربية لم يعشها لبنان من قبل، وهو الذي اعتاد على احتضان أزماته ومشاكله في العواصم العربية والغربية.
العزلة التي عاشها لبنان على مرّ أشهر ودفع ثمنها اللبنانيون بسبب أجندات بعض الأحزاب السياسية التي أخرجت بيروت من العباءة الدولية والعربية، أتى انفجار مرفأ بيروت الذي أحدث أكبر كارثة عاشها اللبنانيون منذ عقود، لكي يكسر هذه العزلة بمبادرة فرنسية حملها الرئيس إيمانويل ماكرون في زيارتين إلى بيروت بعد الانفجار اجتمع خلالهما بالأحزاب السياسية الممثلة في المجلس النيابي، وقدّم مبادرته التي تتضمن بنودا إصلاحية على لبنان تنفيذها لكي يحظى مجددا بدعم وثقة دولية.
جميع من التقوا ماكرون في قصر الصنوبر وافقوا على المبادرة، إلاّ أنّ عراقيل على الطريقة اللبنانية واجهت المبادرة منذ انطلاقتها، إلى أن أعلن زعيم تيار المستقبل سعد الحريري عن استعداده تولي منصب رئاسة الحكومة كونه مرشحا طبيعيا لهذا المنصب شرط أن تكون الحكومة مكونة من اختصاصيين غير حزبيين، مع تأكيد جميع القوى السياسية على موافقتها على المبادرة الفرنسية.
واجهت مبادرة الحريري بعض العراقيل في بدايتها مثلا مع رفض بعض الكتل المسيحية المتمثلة بالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر تسمية الحريري، كما تأجيل الاستشارات النيابية لأسبوع لمزيد من التشاور وبطلب من بعض الكتل النيابية كما أعلنت رئاسة الجمهورية في بيان، إلاّ أنّ الضغط الدولي وإصرار الحريري على طرحه دفع رئيس الجمهورية بعدم التأجيل مرة ثانية، خصوصا أن الحريري استطاع تأمين عدد لا بأس به من الأصوات لتسميته في عملية التكليف.  
 
الحريري رئيساً للحكومة للمرة الرابعة
هي المرة الرابعة التي سيترأس فيها زعيم تيار المستقبل حكومة خلال العشر سنوات الأخيرة، الحكومات السابقة لم تكن مكلّلة بالإنجازات، خصوصا أنّها كانت «ملغومة» داخليا، إمّا بالثلث المعطل أو جمع التناقضات السياسية تحت قبة السراي الحكومي. وهذا ما كان يجعل هذه الحكومات دائما رهينة الكيديات والخلافات السياسية.
حتى إنّ مسار التأليف لم يكن معبّدا بالتسهيلات، فحكومات الحريري السابقة كانت تستغرق أشهرا طويلة حتى يستطيع جمع التناقضات في حكومات أطلق عليها حكومات «الوحدة الوطنية». الحكومة الأولى انتهت باستقالة ثلث أعضائها من قوى الثامن من آذار حين كان الحريري في زيارة إلى البيت الأبيض، كانت تحاك في بيروت مؤامرة إسقاط حكومته. 
الحكومة الثانية للحريري كانت الحكومة الأولى في عهد رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون، مهمتها كانت التحضير للانتخابات النيابية التي كانت مقررة عام 2018، كذلك استطاعت الحكومة كسب ثقة المجتمع الدولي والعربي عبر عقد مؤتمر سيدر الذي استطاع جمع حوالي 11 مليار دولار كهبات وقروض للبنان شرط تحقيق إصلاحات.
الحكومة الثالثة كانت بعد الانتخابات النيابية إلاّ أن عراقيل التشكيل وتوزيع الحصص ومحاولات تدوير الزوايا أجّلت ولادة الحكومة لأشهر، وبعد التأليف استمرت الحكومة لأشهر معدودة تخللتها فترات تعطيل بسبب الكيديات بين القوى السياسية، إلى أن أتت انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) التي دفعت بالرئيس الحريري إلى تقديم استقالته استجابة لمطالب الشارع، ومنذ ذلك الوقت رفض الحريري القبول بتشكيل أي حكومة لا تتوافق ومطالب الشارع الذي طالب بحكومة اختصاصيين غير حزبيين.
إذن لم تصمد حكومة يرأسها الحريري طويلا، حتى إنّ الحكومات التي ترأسها الحريري تحت اسم «الوحدة الوطنية» كانت مفخخة بالتعطيل والتناقضات، فأي قرار أو إصلاح كانت تعمل الحكومة على اتخاذه كان يصطدم بآراء متناقضة داخل الحكومة وصولا إلى تطيير جلسات وتعطيل عقد جلسات وغيرها من الممارسات، فهل ستختلف الحكومة العتيدة عن سابقاتها؟

 

صورة تجمع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس المكلف سعد الحريري عقب الأخير في الاستشارات النيابية الملزمة


 
حكومة وقف الانهيار
الكاتب السياسي محمد نمر أكّد في حديث لـ«المجلة» أنّه «لا يمكن مقارنة الحكومة التي يعمل الرئيس الحريري على تشكيلها اليوم مع الحكومات التي ترأسها سابقا ولا حتى مع أي حكومة سابقة، فوضع لبنان يختلف تماما عن المراحل التي مرّت بها البلاد سابقا، لبنان يقترب أكثر وأكثر من الفوضى، ويعيش في عزلة عربية ودولية لم يشهدها من قبل، إضافة إلى انهيار اقتصادي لم يمرّ على اللبنانيين حتى في أوجّ الحرب الأهلية التي مرّت عليه، وبالتالي هذه الحكومة لديها أهداف محددة أهمها تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لكسب ثقة المجتمع الدولي والعربي، أو على الأقل إنجاح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لوقف الانهيار وعدم الانجرار أكثر إلى الفوضى وحالات الفقر والجوع التاريخية. لذلك علينا أن لا نعوّل كثيرا على هذه الحكومة فهي لن تعيد السياحة والبحبوحة والازدهار، مهمتها فقط وقف الانهيار، وإعادة إعمار بيروت وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، إضافة إلى مصالحة المجتمعين العربي والدولي، بعدما عشنا في عزلة دولية وعربية على مدى عام».
وأضاف: «حتى الآن كلام الرئيس المكلف واضح، هو يعمل على تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين تحظى بدعم أميركي وفرنسي مباشر، ودعم أوروبي وروسي غير مباشر، مقابل صمت عربي وخليجي، ولكن الأكيد أن لا فيتو عربي على اسم الرئيس الحريري بانتظار شكل الحكومة التي ستحدد طريقة تعامل الدول العربية والخليجية مع لبنان، خصوصا الدول الأساسية الداعمة للبنان في مؤتمر سيدر». 
وعن مسار التأليف، قال نمر: «علينا أن لا ننتظر تأليفاً خارج الواقع الدستوري والسياسي، فأي تشكيلة حكومية تحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية وثقة المجلس النيابي، ولكن أهم ما فعله الرئيس الحريري هو أخذ موافقة كل القوى السياسية على المبادرة الفرنسية والإصلاحات التي طرحت في قصر الصنوبر، كذلك يعمل على تشكيل حكومة غير كيدية ويعمل على تفكيك الألغام للعبور بالحكومة إلى برّ السلام ومن دون إلغاء أي طرف من الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي... وهو يصرّ على تشكيل حكومة اختصاصيين من أصحاب الكفاءات، وأعتقد أنّ أسماء الوزراء في الحكومة العتيدة ستشكل مفاجأة إيجابية بعكس ما يتم تداوله». 
وختم نمر: «يبدو أن الأجواء الايجابية التي تسيطر حتى الساعة على التشكيل ستؤدي إلى ولادة حكومة في وقت قياسي، وسنشهد ولادة الحكومة خلال أيام، ومن المفترض أن لا نشهد خلافات في الحكومة العتيدة كما كنا نشهد في الحكومات السابقة، طالما أنّ جميع الأطراف متوافقون على المبادرة الفرنسية، وبحسب الرئيس المكلف فإن هذه الحكومة ستعمل لمدة 6 أشهر لتنفيذ الإصلاحات ووقف الانهيار وبعد 6 أشهر لكل حادث حديث تقرر القوى السياسية رحيل الحكومة أو بقاءها».
 
تكتم حول عملية التأليف والتزام بالمبادرة الفرنسية
وفي السياق نفسه، أكّدت مصادر مطلعة على تشكيل الحكومة لـ«المجلة» أنّ «كل ما صدر منذ تكليف الحريري من تسريبات في الإعلام حول توزيع المقاعد الوزارية وحصص الأحزاب والطوائف تبقى ضمن إطار الشائعات وغير دقيقة، خصوصاً أن هناك اتفاقاً بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف وهما المعنيان الوحيدان في تشكيل الحكومة على التكتم على عملية التأليف وهذا ما يحصل، وقد صدرت عن الطرفين بيانات تؤكد أن كل ما يصدر في الإعلام من معلومات هي ليست دقيقة. 
ويضيف المصدر أنّ الثابت الوحيد في عملية التشكيل أنّ الرئيس المكلّف ملتزم بالمبادرة الفرنسية، وتشكيل حكومة اختصاصيين من غير الحزبيين.
وختم المصدر بأن الأجواء الإيجابية التي تسيطر على عملية التشكيل، سببها أنّ الوضع الاقتصادي ضاغط على كل المستويات، وإن استمرت الأجواء السلبية التي سيطرت في الأسابيع الماضية على البلاد سيدفعنا إلى الانهيار الكامل على كلّ المستويات، خصوصا بعد انفجار بيروت الذي تسبب بكارثة حقيقية، إضافة إلى تفشي فيروس كورونا، كلّ هذه الأزمات تحتاج إلى تشكيل حكومة إنقاذية ومنتجة. كذلك الضغوطات الخارجية التي وضعت كل القوى السياسية أمام مسؤولياتها، إمّا أن تتجاوبوا مع الفرصة الأخيرة أي المبادرة الفرنسية، وإما أنّكم ستتحملون تبعات أخذ البلاد إلى الانهيار التام والتي ستكون عقباته وخيمة، خصوصاً أن الدول الداعمة للبنان تاريخيا لن تقدّم أي دعم إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
إذن يبدو أن لبنان سيشهد ولادة حكومة خلال أيام، ستكون حكومة الفرصة الأخيرة لوقف الانهيار واستعادة الثقة بما تبقى من الدولة وتطبيق بنود مبادرة الإنقاذ الفرنسية التي يعوّل عليها اللبنانيون.