الأهمية الاستراتيجية- الأمنية للاتفاق الإسرائيلي السوداني

إلغاء ثلاث لاءات تبنتها الخرطوم منذ ثلاث وخمسين سنة
* بتوقيع الاتفاقية حققت إسرائيل إنجازاً استراتيجياً، بضمان الملاحة عبر البحر الأحمر إلى مدينة إيلات، التي كانت معرضة على مدار عشرات السنين من خطر علاقة السودان مع إيران وحماس
* السودان، الدولة التي حاربت من خلال ست فرق عسكرية انضمت إلى مصر في حربها مع إسرائيل خلال حرب 1948، باتت دولة سلام وتطبيع مع إسرائيل
لا تزال قضية السودانيين في إسرائيل تتصدر أجندة السياسيين وجمعيات ناشطة في حقوق الإنسان وهناك خلافات كبيرة حول إعادتهم إلى وطنهم، السودان، استنادا لما يتضمنه القانون الدولي

تل أبيب: لم يقتصر الإنجاز الكبير لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بتوقيع اتفاقية السلام مع السودان، على إلغاء ثلاث لاءات تبنتها السودان منذ ثلاث وخمسين سنة، التي صاغتها قمة جامعة الدول العربية عام 1967 في السودان، وهي: لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل ولا مفاوضات مع إسرائيل. إنما يكمن الإنجاز الأكبر في أن هذه الاتفاقية ألغت محورا مركزيا لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى حماس في قطاع غزة، وهو محور هام جدا لكون دولة السودان تقع على شواطئ البحر الأحمر.
وبتوقيع الاتفاقية حققت إسرائيل إنجازا استراتيجيا، بضمان الملاحة عبر هذا الممر إلى مدينة إيلات، التي كانت معرضة على مدار عشرات السنين من خطر علاقة السودان مع إيران وحماس.
السودان، الدولة التي حاربت من خلال ست فرق عسكرية انضمت إلى مصر في حربها مع إسرائيل خلال حرب 1948، وتعرضت لعدة هجمات من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، تم خلالها قصف شاحنات، ادعت إسرائيل أنها كانت محملة بأسلحة متطورة وخطيرة لتنفيذ أهداف ضدها، بل في تقدير الاستخبارات الإسرائيلية أن عددا من الصواريخ التي تعرضت لهذا القصف كانت معدة لنصبها في السودان لاستخدامها ضد إسرائيل، هذه الدولة الأفريقية المعادية لإسرائيل وصديقة إيران، باتت دولة سلام وتطبيع مع إسرائيل.
وبتوقيع هذه الاتفاقية سُجلت نقلة نوعية في سياسات الشرق الأوسط واندماج لها في المنطقة، لكن التوقعات في إسرائيل أن تكون عملية التطبيع مع السودان غير مستقرة وبطيئة بما لا يقاس مقارنة مع اتفاقيتي السلام مع الإمارات والبحرين.
 
هذه نتيجة للسياسة التي قُدتها
 لقد حرص نتنياهو، كعادته، على إبراز نفسه وقدراته على الحفاظ على أمن إسرائيل، من خلال عرض اتفاقية السلام مع السودان كإنجاز لسياسته الشخصية. ومنح معظم كلمته، فور الإعلان عن اتفاقية السلام، حول ما حققته هذه الاتفاقية من إنجاز تجاه إيران، التي تمثل حتى اليوم الخطر الأكبر على أمن إسرائيل والإسرائيليين. وقال نتنياهو: «كانت السودان دولة متعاونة  مع إيران في تهريب الأسلحة الخطيرة جدا إلى حماس، التي خططت لاستخدامها ضد إسرائيل. وهذا التحول، الذي انعكس في اتفاقية السلام مع السودان، هو نتيجة سياسة واضحة قُدتها خلال السنوات الأخيرة كما أنها نتيجة لوقوفنا الحازم ضد إيران وقيامنا بعمليات ضد الأنشطة الإيرانية وضد محاولاتها لتهريب الأسلحة عبر السودان. وتم إنجاز ذلك أيضا نتيجة التغيرات الداخلية التي طرأت في السودان والتي نرحب بها».
نتنياهو وفي حديثه مع الإسرائيليين بث الأمل في أن تؤدي اتفاقيات السلام إلى المصالحة مع دول عدة في العالم العربي. والأهم من هذا، وفق نتنياهو، «هو نبذ الأوهام عند الفلسطينيين الذي من شأنه صنع سلام واقعي معهم بدلا من السلام الذي يعرض وجودنا للخطر».
وكيف غيّرت اتفاقية السلام مع السودان خريطة الشرق الأوسط؟
يقول نتنياهو إن هذه الاتفاقية ستتيح للطيران الإسرائيلي التحليق شرقاًإلى الإمارات والبحرين والهند والشرق. وهذا يوفر ساعات كثيرة من مدة الرحلات الجوية ومالا كثيرا يتعلق بتكاليف الرحلات. وقال: «سنطير الآن غربا فوق السودان وستمر الرحلات الجوية فوق تشاد، التي أقمنا علاقات معها، وأيضا إلى البرازيل وأميركا اللاتينية. هذا تحول هائل يغيّر الأوضاع كليا. إسرائيل كانت معزولة كليا وقالوا لنا إننا نتوجه نحو تسونامي دبلوماسي والعكس التام حدث. إسرائيل ترتبط بجميع دول العالم ونحن سنستمر في هذه السياسة».

 




الرئيس ترمب مع أركان إدارته في البيت الأبيض خلال إعلانه اتفاق السودان وإسرائيل على تطبيع العلاقات (أ.ب)


 
إيران وحماس بعد اتفاقية السودان
بالنسبة لإسرائيل، ستساعد هذه الاتفاقية في مواجهة إيران وحماس وخطرهما على إسرائيل. وأشار تقرير استخباراتي صدر بعد توقيع الاتفاقية، بشكل واضح، إلى أنه منذ لحظة إعلان الاتفاقية ستعمل السودان على «منع تهريب الأسلحة عبر المسار الذي كان متبعا سابقا: السودان- مصر- غزّة، ومنع تموضع جهات تخطط لعمليات معادية على أراضيها وإمكانية إحباط إقامة قواعد بحرية لجهات معادية مثل إيران وتركيا على شواطئ البحر الأحمر».
لقد انشغلت إسرائيل إعلاميا بإبراز العمليات التي نفذها سلاح جوها على أراضي السودان وأحبط عمليات تهريب أسلحة كانت معدة لهجمات ضد إسرائيل، لتستكمل وسائل الإعلام تفاخر نتنياهو في الإنجاز الكبير الذي حققته اتفاقية السلام مع السودان ضد إيران بشكل خاص.
 
أبرز ما جاء من هذه العمليات:
-       عام 2009هاجمت عشرات الطائرات الإسرائيلية وطائرات مسيّرة قافلة في السودان خلال حملة «الرصاص المصبوب»، كانت تحمل 23 سيارة شحن تنقل أسلحة قتالية معدة للتهريب إلى قطاع غزة، وفق الإسرائيليين الذي أضافوا أن «الهدف من هذه العملية هو منع تزويد السلاح لقطاع غزة وإرسال رسالة إلى إيران حول القدرات الاستخبارية والعمليات الدقيقة لإسرائيل».
هذه العملية، وفق إسرائيل، كانت تنقل حوالي 120 طنا من الوسائل القتالية الإيرانية وفيها صواريخ مضادة للمدرعات وصواريخ من نوع «فجر-3»، القادرة على الوصول إلى مسافة أربعين كيلومترا ومزودة برأس حربي بوزن 45 كيلوغراما.
وكان رئيس الشاباك، يوفال ديسكن، قد أعلن في جلسة للحكومة الإسرائيلية عام 2009 أنه منذ عملية «الرصاص المصبوب»تم تهريب 22 طنا من المواد المتفجرة إلى قطاع غزة، 45 طنا من المواد الخام لإنتاج وسائل قتالية، وعشرات الصواريخ القياسية، ومئات قذائف الهاون وعشرات الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات إلى قطاع غزة.

  • في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012، قصفت صواريخ إسرائيلية  المصنع الإيراني «اليرموك»في السودان، الذي أنتج ذخائر وأسلحة قتالية لحركة حماس في قطاع غزة، وادعى التقرير الإسرائيلي أن إيران أقامت هذا المصنع في العام 2008.

ووفق تقدير خبراء استخبارات، فقد أدى الهجوم إلى تدمير مخزون كبير من الصواريخ من نوع «فجر-5»، كان مخططا أن يصل إلى حماس في قطاع غزة ومن الممكن أنه أدى أيضا إلى تدمير صواريخ من نوع «شهاب-3»، التي كان مخططا نصبها في السودان وتهدد إسرائيل.

  • في شهر مارس (آذار) من العام 2014 سيطرت وحدة «شييطت 13»وهي وحدة كوماندوز تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، في البحر الأحمر على سفينة أسلحة إيرانية (KLOS C)، التي كان يفترض أن تصل إلى ميناء في السودان. وتم في السفينة ضبط صواريخ طويلة المدى تصل حتى مائتي كيلومتر، كانت ستصل، وفق التقرير الإسرائيلي، إلى قطاع غزة. 

ووفق التزام السودان بالاتفاقية فستكون ملزمة بمحاربة كافة التنظيمات والجهات، سواء كانت شيعية أو سنية، التي تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة «إرهابية»وفي مقدمتها إيران وحماس. وهو أمر، بحسب الإسرائيليين، يدخل حماس إلى حالة ضغط كبيرة.
 
السودان تجلب الدعم الدبلوماسي الدولي لإسرائيل
ضمن مناقشة الإسرائيليين اتفاقية السلام مع السودان، فقد تطرقت رئيسة قسم الدراسات الأفريقية في جامعة تل أبيب، إيريت باك، إلى أهمية هذه الاتفاقية. وبحسبها فإن الوضع الجيوسياسي للخرطوم قد يكون مثيراً للاهتمام للغاية  بالنسبة لإسرائيل.وقالت: «لدينا الآن علاقات دبلوماسية مع معظم الدول الأفريقية، ودولة مهمة مثل السودان، وهي واحدة من أكبر الدول في أفريقيا وهي أيضا نوع من الجسر بين جنوب أفريقيا وشمال الصحراء الكبرى، وبين العرب والأفارقة في أفريقيا، قد تكون بمثابة فائدة كبيرة، في محاولة لجلب المزيد من الدعم الدبلوماسي لإسرائيل في المحافل الدولية».
في هذا الجانب يقول عاموس يدلين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية «تكمنأهمية اتفاقية التطبيع  بين إسرائيل والسودان، أساسا، في الزخم الدبلوماسي لإسرائيل مع العالم العربي والإسلامي وفي تعزيز قطع السودان عن إيران، وبقدر أقل في الإمكانية الكامنة الأمنية والاقتصادية الفورية له. أما في المدى البعيد فموقع السودان كجسر بين شمال أفريقيا العربي وأفريقيا جنوب الصحراء يمكن أن يحقق إنجازات كبيرة- سياسية، أمنية واقتصادية. وإذا تمكنا من توجيه التطبيع إلى سلام حار أكثر، نطفئ المواجهة مع الفلسطينيين.
أما الدبلوماسي السابق، زلمان شوفال، فيرى أن «اتفاقية السلام مع السودان هي علامة طريق أخرى في توسيع العلاقات السياسية لإسرائيل في العالم عموما وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا خصوصا». 


 
السودانيون في إسرائيل
لا تزال قضية السودانيين في إسرائيل تتصدر أجندة السياسيين وجمعيات ناشطة في حقوق الإنسان وهناك خلافات كبيرة حول إعادتهم إلى وطنهم، السودان، استنادا لما يتضمنه القانون الدولي.
تقرير جهاز الاستخبارات الإسرائيلية يرى أن الاتفاقية تضمن إمكانية للتعاون بين السودان وإسرائيل في مجال الهجرة والتسلل. وجاء فيه أنه «على الرغم من  أن أزمة التسلل من السودان قد تجد طريقا لحلها، حيث إن معظم اللاجئين والمهاجرين طالبي العمل يبحثون عن أهداف أخرى وليست السودان، لكن تحسين العلاقات بين الدولتين قد يسمح بإعادة جزء من طالبي العمل إلى السودان».
وفق ميثاق الأمم المتحدة للاجئين، فإن إسرائيل ملزمة بدراسة طلبات لجوء رفعت إليها ومنح صفة «لاجئ»لمن يستحق ذلك، دون صلة بوجود علاقات دبلوماسة مع دولته. 
وبحسب الميثاق لا يمكن طرد شخص إلى مكان تكون فيه حياته أو حريته في خطر. وحسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، فإن السودان غير معلن كدولة آمنة لمن فر منه.    
إسرائيل، ومن خلال رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، ووزير الداخلية، أرييه درعي، حاولت على مدار سنوات التملص من مسؤوليتها تجاه المهاجرين السودانيين إليها طالبي اللجوء. حتى إنها منعت السودانيين من تقديم طلبات اللجوء، وحتى بعد أن وافقت على السماح لهم برفع الطلبات لم تقدم الجواب، سواء بقبوله أو رفضه. وحتى تتملص من مسؤوليتها أقامت سجنا خاصا لهم وتم سجنهم في  «سهرونيم»،و«حولوت»، ثم حاولت طردهم إلى رواندا وأوغندا وفرضت عليهم قوانين تعسفية عدة.
حاليا، وفي خضم مناقشة تداعيات اتفاقية السلام على إسرائيل ومصالح إسرائيل المتوقعة منها، رفع من جديد مطلب دراسة إسرائيل لطلبات اللجوء للمواطنين السودانيين دون صلة بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع السودان والدعوة إلى عدم طردهم ما دام السودان غير آمن.