الحق في التجديف؟

* لا يستطيع الفرنسيون المسلمون أن يسمحوا لإردوغان أو أي شخص آخر أن يتحدث أو يتصرف أو يفاوض باسمهم

تعرض مدرّس التاريخ والجغرافيا بمدرسة كونفلان سانت أونورين، إحدى ضواحي باريس الغربية صمويل باتي، للذبح على يد شاب شيشاني حاصل على اللجوء في فرنسا يدعى عبد الله أنزوروف، بعد مناقشة هذا الأستاذ لموضوع نشر رسومات مسيئة للنبي محمد من قبل مجلة «شارلي إيبدو»...هذه المجلة الفرنسية الساخرة ذائعة الصيت التي تمتهن الاستهزاء، من خلال الرسوم أو حتى التعليقات أو التقارير التي تنشرها حول مفاهيم ومعتقدات ومواضيع بينها مقدسات. 
نشر صور مسيئة للنبي محمد عام 2015 من قبل المجلة قوبل بسخط عالمي من قبل المسلمين، وقتها، لكن
المفاجئ الآن كان إعلان الحكومة الفرنسية بلسان رئيسها ماكرون في حفل تأبين المدرس صمويل باتي تحديها لما سماه «الإرهاب الإسلاموي»، كما بادرت السلطات المحلية في مناطق فرنسا الـ13 بإعلان عزمها نشر كتاب يحتوي رسوماً كاريكاتيرية، سياسية ودينية، لتوزيعها في مدارس المرحلة الثانوية بالبلاد. وسمحت السلطات الفرنسية برفع الرسوم التي كانت نشرتها مجلة «شارلي إيبدو»على بعض المباني الباريسية.
هذه الإجراءات المؤسفة دفعت ببعض الدول الإسلامية إلى إدانة الحكومة الفرنسية في طريقة تعاملها مع هذه الحادثة، وما رافقها من توقيفات وإغلاق جمعيات إسلامية لما يمكن أن تحويه من حث على الكراهية والإرهاب، بينما دول أخرى قررت رفع مستوى المواجهة، مثل تركيا وإطلاق دعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية وتنظيم تظاهرات منددة بفرنسا.
كثرت التعليقات من هنا وهناك، ولكن للأسف من خارج السياق، فمنها المدافع عن الدين الإسلامي ومنها المناصر لعلمانية فرنسا. ولكن أحدا لم يتنبه إلى أن يوجه النقاش إلى حيث يجب أن يكون. هذا الخطأ في توجيه النقاش فاقمته تصريحات ماكرون الذي بدا أنه يصوب باتجاه الدين الإسلامي وأتباعه.
فالمشكلة لا تتعلق بالدين الإسلامي قطعاً، إنما بقناعة الفرنسيين بحقهم في التجديف، كحق أساسي من حقوق حرية التعبير... حرية التجديف يكفلها القانون الفرنسي شرط أن لا تتضمن القدح والذم أو أن تدفع نحو ارتكاب الجرائم، أو تحرض على الكراهية والعنصرية العرقية أو الدينية، وأن لا تتضمن الدفاع عن جرائم الحرب والإرهاب، أو التحريض على التمييز، خاصة بسبب الآراء السياسية أو الانتماء أو عدم الانتماء إلى دين معين أو التشجيع على تعاطي المخدرات، وأخيرا إنكار الهولوكست.
الغرب، وفرنسا تحديدا، تعامل مع المقدس على أنه أمر شخصي لا يمكن له التحكم بالفضاء العام. ففصلوا الدين عن الدولة.
 
وفي هذا الموقف لمثقفي الغرب في فصل الدين عن الدولة كل الأسباب التي جعلت الحياة تتقدم إلى الأمام. لكن هذا لا يعني أن التقدم أو الحرية لا يمكن أن يعبرا عن نفسيهما إلا إذا كانا ضد الله، إنما هذا يعني أن التقدم والحرية يمران بكسر غلائل الجمود المفروضة من قبل المؤسسات الدينية على عقل الإنسان.
 
أخيراً، لا يستطيع الفرنسيون المسلمون أن يسمحوا لإردوغان أو أي شخص آخر أن يتحدث أو يتصرف أو يفاوض باسمهم. إن موضوع حرية التجديف في فرنسا هو موضوع يخص مسلمي فرنسا حصراً، وعليهم في هذا الإطار مناقشة العلمانية على ضوء تجربتهم وحقهم في حماية رموزهم وأفكارهم.