مواجهة بين مأزومين

* لو أراد إردوغان الدفاع عن المسلمين، لكان شن هجومه اللاذع على الصين التي تضطهد ملايين المسلمين، لكن مصالح بلاده مع الصين استوجبت عليه الصمت، بل إن صحفاً أجنبية عدة نقلت تعاون إردوغان مع الصين في عمليات ترحيل مسلمي الإيغور الموجودين على الأراضي التركية

ازداد مؤخراً منسوب التوتر بين عضوي الناتو (فرنسا وتركيا) مع الأزمة التي أشعلتها تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الإسلام وما تلاها من أزمة الرسوم المسيئة للنبي لتصل إلى حد تبادل الإهانات بين رئيسي البلدين.
وإن كانت الأزمة، أو الأزمات، بين البلدين العضوين في تحالف شمال الأطلسي، بسبب الخلافات السياسية والعسكرية بين البلدين، إلا أن أزمة الرسوم جاءت لتقحم الدين كما حرية التعبير في الصراع بين البلدين.
الخلافات بين فرنسا وتركيا ظهرت في السنوات الأخيرة بوضوح في الصراع في كل من ليبيا وسوريا، كذلك في شرق البحر المتوسط، والحدود البحرية مع اليونان، والحرب الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورنو قره باغ.
ففي سوريا، تتهم تركيا فرنسا بأنها وبذريعة مكافحة تنظيم داعش تدعم منظمة حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، ووحدات حماية الشعب الكردية، والتي تعتبر المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، وهو ما تعتبره أنقرة أمراً يمس بأمنها وترى في هذه التنظيمات التي تصنفها «إرهابية»خطرا لا يقل عن خطر داعش.
وفي ليبيا، بينما تدخل إردوغان عسكريًا إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة، فإن فرنسا دعمت سلطات شرق ليبيا ممثلة في المشير خليفة حفتر.
ومن الملفات الأساسية التي تسببت في التوتر بين باريس وأنقرة هو الدعم الفرنسي لليونان في نزاعها مع تركيا بشأن حقوق التنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط.
وارتفع منسوب التوتر مؤخرا بسبب دعم أنقرة لأذربيجان في الصراع الدائر مع أرمينيا في إقليم ناغورنو قره باغ، مقابل التأييد الفرنسي لأرمينيا.
وتجدر الإشارة إلى أن الملف الأرمني لطالما كان سببا في التوتر بالعلاقة بين البلدين، فقد أحيت فرنسا سنة 2019 ذكرى «الإبادة الجماعية»وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن يوم 24 أبريل (نيسان) يوماً وطنياً، مما أثار غضب تركيا، وصدر حينها تصريح عن الخارجية التركية اعتبر أن مبادرة ماكرون فيما يخص ملف الأرمن محاولة منه لمواجهة مشاكل سياسية في بلاده، عبر تحويل وقائع تاريخية إلى قضية سياسية لإنقاذ وضعه المتأزم داخلياً. وذهب الرد التركي إلى حد تحميل فرنسا مسؤولية العديد من المجازر التي ارتكبت في الجزائر في العهد الاستعماري وفي رواندا في التسعينات من القرن الماضي.
وقبل حادثة إعادة مجلة «شارلي إيبدو»الساخرة نشر صور مسيئة للنبي، وذبح المدرس الفرنسي، أثارت باريس غضب أنقرة بعد الخطة التي قدمها ماكرون في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول)  بشأن «الانعزالية الإسلامية»وضرورة إعادة هيكلة الكيانات الإسلامية في فرنسا، وهو ما انتقده إردوغان بشدة، فرأى البعض أن سبب الغضب التركي يعود إلى أن خطة ماكرون تسعى لإضعاف النفوذ التركي عن طريق زيادة السيطرة على تمويل المساجد والجمعيات ذات التوجه الإسلامي وما شابه.
أتت حادثة إعادة نشر الصور المسيئة وما لحقها من تصريحات للرئيس الفرنسي، التي اعتبرت مستفزة لمشاعر المسلمين، لتعطي ذريعة لإردوغان لكي يحول الخلاف السياسي والاقتصادي بسبب التنافس والمصالح بين البلدين، إلى حرب للدفاع عن الإسلام والمسلمين، ولكن أخطر ما في هذه الحرب أنها تؤجج مشاعر ملايين المسلمين وتزج بهم في معركة ظاهرها الدفاع عن الرسول ولكن حقيقتها معركة سياسية بامتياز بين خصمين. وإن كان رفض الإساءة للمعتقدات حقا لا ينكره عاقل، طالما أن الرفض لم ينح نحو العنف كما حصل مع المدرس الفرنسي، إلا أنه من الواجب التنبه إلى عدم الانجرار خلف شعبوية قد تخرج عن السيطرة.
هي ليست معركة بين الغرب والإسلام، ولا بين احترام المعتقدات والحرية، هي معركة نفوذ بين رجلين كلاهما مأزوم داخليا ويواجه انتقادات شعبية وسياسية حادة على أدائهما الحكومي ويخشيان انقلاب موازين صناديق الانتخابات في بلديهما لغير صالحهما، فذهب الأول بسذاجة أو بخبث ليتقرب من اليمين فألبس خطابه اليميني قضية سامية تتمثل في تمسك بلاده بالحرية مستفزا مشاعر المسلمين في كل العالم، بإصراره على إعادة نشر الرسوم، والثاني الذي تتهاوى ليرته تحت وطأة سياساته وخياراته الاقتصادية، بات يخشى على شعبيته التي تتهاوى مع ازدياد البطالة وارتفاع نسبة الدين العام، فلم يجد سوى استخدام الخطاب الدعائي الذي يجيده باسم الدفاع عن الدين، محاولا تصوير فشله السياسي والاقتصادي في بلاده، وكأنه نتيجة مؤامرة غربية على الإسلام والمسلمين.
لو أراد إردوغان الدفاع عن المسلمين، لكان شن هجومه اللاذع على الصين التي تضطهد ملايين المسلمين، لكن مصالح بلاده مع الصين استوجبت عليه الصمت إزاء ما يتعرض له المسلمون هناك، بل إن صحفاً أجنبية عدة نقلت، في وقت سابق، تعاون إردوغان مع الصين في عمليات ترحيل مسلمي الإيغور الموجودين على الأراضي التركية، عبر دولة ثالثة. الأمر إذن لا علاقة له بالدفاع عن الإسلام ولا المسلمين، بل هو معركة سياسية بين مأزومين.