الجزائر تحتفي بمُفكّرها مالك بن نبي

بعد تجاهل لعقود...
* شارك بن نبي في تأسيس «جمعية الوحدة المغاربية»تحت إشراف الأمير شكيب أرسلان، وأصبح ممثلاً للجزائر فيها، وفي مارسيليا أشرف على نادي «المؤتمر الجزائري الإسلامي»
* ركز جهده في مجالي فكر النهضة والدراسات القرآنية، وقدم في الأول إسهامات بارزة لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر
* خلال مسيرته الفكرية أغنى مالك بن نبي الفكر الإسلامي بمصطلحات عديدة، بحديثه عن «الأفكار الميتة»، و«الأفكار المميتة» والعلاقة بينهما
 

الجزائر: بعد تجاهل دام لعقود، أحيت الجزائر أخيراً الموروث الثقافي والفكري لأحد أبرز مفكريها، وهو مالك بن نبي، حيث أشرف الوزير الأول (رئيس الحكومة)عبد العزيز جراد، رفقة وزيرة الثقافة مليكة بن دودة، الثلاثاء، على افتتاح الندوة الوطنية الأولى حول أعمال المفكر مالك بن نبي، بعنوان «في الإصغاء لشاهد على القرن». وقد افتتح هذا الحدث التكريمي الأول من نوعه والذي نُظم يومي27  و28  أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، في المكتبة الوطنية بالحامة، بزيارة إلى معرض يسلط الضوء على المسار الفكري للمفكر البارز من خلال أعماله وكتاباته، قبل أن يتم تسمية القاعة الحمراء بالمكتبة الوطنية باسم هذا المفكر الكبير.

وبعد تقديم الندوة من قبل المدير المركزي للكتاب والمطالعة العمومية، الكاتب والروائي إسماعيل يبرير، حضر الجمهور لعرض وثائقي قصير، يعطي نظرة حول فكر مالك بن نبي، ثم تسليط الضوء على شروط النهضة، وعالم الأشياء، والناس والأفكار.

وفي كلمته أمام المشاركين، أعرب الوزير الأول عبد العزيز جراد عن «أسفه أولاً، لأن فكر مالك بن نبي ليس مُتضمنا في برامج مدارسنا وجامعاتنا كما هو الحال دائما لجميع كبار مفكري هذا العالم»، مؤكداً أنه «اكتشف وجود مفكر جزائري بارز بفضل المفكرين الشرقيين في ذلك الوقت». كما ذكّر الحضور بأنه حينها «بدأ في البحث والذي سمح له باكتشاف الفكر العالمي وعبقرية هذا الشخص». كما تطرق إلى «رؤية مالك بن نبي للمستقبل حول صدام الحضارات ونهاية التاريخ»، مؤكدا على «ضرورة إدماج فكر مالك بن نبي في البرامج والمناهج التعليمية في مختلف مراحل الدراسة».

 




الجزائر تحتفي بالمفكر مالك بن نبي بعد عقود من التجاهل

وزيرة الثقافة الدكتورة مليكة بن دودة أكدت في مداخلتها على أن «فكر مالك بن نبي بقي مهماً بعد رحيله، وأنه استطاع الوصول إلى الجوهر لأنه طرح على نفسه أسئلة راديكالية ليزرع بذلك الشك بهدف فتح المجال أمام العلم». مؤكدة في السياق ذاته أن «مالك بن نبي تكفل طيلة وجوده بمجتمعه، على التفتح الكبير للمفكر على عدة مجالات للتفكير من العلوم والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد»، مضيفة أنه «يجب تدارك التقصير تجاه هذا الرجل العالمي».

وخلال فعاليات الندوة، شارك العديد من الكتّاب والمفكرين في تقديم أعمال بن نبي. وفي مداخلته قدّم الكاتب وعميد الإعلاميين الجزائريين عبد العزيز بوباكير من خلال مداخلة بعنوان «مالك بن نبي بعيون روسية»قراءة لحضور بن نبي لدى الرّوس، ورؤية الرّوسييّن لفكر بن نبي، خاصة وأن العرب والمسلمين غالباً ما تلقوا المفكر من منظور ديني، وظلت مقارباتهم لإرث المفكر مبنية على الاستئثار به، في حين بيرز بوباكير أن «تطبيق رؤاه لم يكن مقتصراً على أمة بعينها أو على جنس واحد»، قراءة بوباكير جاءت منسجمة مع مجال بحثه الذي يبحث داخل المنظور الاستشرافي، ويفكك مضامين تتعلق بالشأن الثقافي والفكري الجزائري لدى الغرب عموماً والرّوس خصوصاً.

من جانبه، عالج أستاذ الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة سطيف الدكتور، هشام جراد، مفهومين مهمين في فكر بن نبي، هما: القابلية للاستعمار، والمجتمع المدني. وفي هذا الإطار يؤكد الباحث أن «مالك بن نبي تحدث بإسهاب عن مفهوم القابلية للاستعمار، ولكنه لم يعرفه تعريفاَ دقيقاً، وهو ما أدى إلى سوء تأويله، وفُهمت من طرف المثقفين والوطنيين الجزائريين الذين اتهموا صاحبه بتبرير الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى فقد اعتبروا هذا المفهوم اعتداء على الشعور الوطني، وتشويهاً للحقائق التاريخية وإشعاراً للجزائريين بالذنب تجاه تاريخهم». الباحث وخلال مداخلته حاول الإحاطة بمفهوم هذا المصطلح، وتعريفه، وتحديد معناه، من خلال التطرق لأحد أهم جوانبه، أي تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية وغياب المجتمع المدني داخل الفضاء العمومي، وهي سمة يعتبرها الباحث «سمة باثولوجية واضحة عن سقوط المجتمع في مأزق القابلية للاستعمار»، وهو ما يفسّر وفق تقديره «أن يعجب مالك بن نبي بجهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين التي كانت تهدف إلى تجدد وإعادة بعث المجتمع المدني في الجزائر».

 




حضور رسمي رفيع في أشغال ندوة بن نبي

الباحث في مجالات علم الاجتماع الديني والمعرفي والتنمية والأسرة رشيد ميمومي، وفي سياق تحليله لبعض المسارات الحضارية عبر التاريخ، لفت إلى أن «مالك بن نبي ركز على أهمية دور النخبة في التحول الحضاري، ذلك أن المفكر عند رسمه لشروط الحضارة أشار إلى خصوصية تكوين النخبة في مجتمعات العالم الإسلامي من انقسامية: تقليدية/ حداثية، شارحاً أهم خصائها؛ فمع ظهور مرحلة الاستقلال في أغلب البلدان الإسلامية سعى بن نبي حسب الباحث إلى توجيه النخب الفاعلة للمهام الفكرية المنوطة بتحقيق الأهداف وتنبيهها من مخاطر الصراع الفكري».

أما الباحث بقسم الفلسفة في جامعة وهران الدكتور زاير أبو الدهاج فقد تطرق في مداخلته إلى فلسفة الإنسان في فكر بن نبي، وحسب حديثه «يمثل مفهوم الإنسان مكانة محورية داخل الجهاز المفاهيمي للمشروع الفكري لمالك بن نبي»، ويتابع: «لقد استبدّ هاجس التأسيس لفلسفة حقيقية للإنسان بجملة النصوص التي أنتجها هذا المفكر، فاهتم بالأبعاد النفسية والاجتماعية والأنتروبولوجية والتاريخية التي تدخل في تكوين شخصية الفرد باعتباره مواطناً».

سؤال الثقافة عند مالك بن نبي بين روح الإلهام وضرورة الاستفهام، هو عنوان مداخلة الدكتور محمد شوقي الزين، الأستاذ بجامعة تلمسان والحاصل على الدكتوراه بجامعة بروفوس الفرنسية عام 2004 بدراسة حول المتصوف الأندلسي محيي الدين بن عربي، وحسب الباحث فإن «بن نبي يُعدّ من منظّري الثقافة في الجزائر»، ويشهد على ذلك وفق تقديره «زخم المؤلفات التي لها نواة صلبة واحدة هي الثقافة في مختلف تجلياتها السياسية والفكرية والتربوية، يضاف إلى ذلك الكتاب الذي يحمل الهمّ الفكري البارز وهو مشكلة الثقافة»، عمل الباحث من خلال مداخلته على «مناقشة المرجعيات الصريحة والضمنية لمالك بن نبي في بلورته لنظرية في الثقافة تكون البذرة الأساسية لزرع مثمر في حقل معلوم الأرضية وهو الحقل الجزائري المتنوع بأصوله وفروعه».

وفي محاولة منه لإسقاط فكر مالك بن نبي على الراهن الثقافي الجزائري، بدأ الأستاذ بجامعة ابن خلدون بمدينة تيارت، الدكتور فيصل لكحل، مداخلته بالسؤال عن «مشروعية العودة إلى الفكر الحضاري والثقافي عند مالك بن نبي؟ وكيف نفهم هذه العودة في أفق المعترك الثقافي الراهن؟ وبأي شكل؟ ولماذا الحديث عن فكر مالك بن نبي وعن مشروعه الثقافي الحضاري ونحن نعيش ما يفصلنا عن زمن بن نبي أكثر من ربع قرن؟».

ووفق تقدير الباحث فإن «العودة إلى فكر الرجل لا تعني الانحباس في أقوال وتحليلات مالك بن نبي، بل الواجب إحداث نقلة نوعية ووثبة في الفكر نحو واقع ثقافي وحضاري آخر زاخر بمتغيرات جديدة».

ويعتقد الباحث أن «الأبعاد التي كان يرومها بن نبي لم تكن لتتجاوز محاولة اقتراح الحلول الحضارية المناسبة لطبيعة المبدأ الثقافي الذي شكلت الفكرة الدينية أصلاً له»، وبالتالي يتساءل الباحث «هل يمكن للعالم العربي والإسلامي في هذا العصر أن يجد خيطاً هادياً لأفق التغيير الحضاري والثقافي انطلاقاً من فكر مالك بن نبي»، ولفت الباحث إلى أن «الحلول التي قدمها هذا الفكر بقيت تراوح المكان نفسه دون انطلاقة حاسمة في التاريخ»، وبالتالي تساءل: «هل يمكن لفكر مالك بن نبي أن يكون حُمُولة مستغرقة لكل ما وُجدَ واستَجَد في العالم العربي والإسلامي بعده، من منطلق أن فكره فكر إنساني عالمي، بحكم معالجته لمشكلة الإنسان والثقافة والتاريخ والمجتمع؟ أم إن فكره لا يعدو أن يكون سوى انعكاس لواقع وظروف خاصة بمجرد انتهائها يصبح مجرد تراث مستهلك لا يمكنه أن يجد راهنية قطعية في واقع المتغيرات الحضارية والثقافية الراهنة».

وعلى هامش الندوة، نوّه وأشاد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، العربي ولد خليفة، في حديثه لـ«المجلة» بمكانة وأهمية التراث الفكري والأدبي للمفكر بن نبي، حيث قال: «إن بن نبي لديه صدى خارج الجزائر»، وتأسف لعدم وجود وذكر اسم المفكر في المناهج المدرسية، وذلك بالقول: «بكل أسف حينما نسأل أبناءنا في المنظومة التربوية من يكون بن نبي لن نجد أية إجابات»، وأكد أن «المعطيات ستتغير مستقبلا من خلال الاهتمام بشيئين: الأول المدرسة بضرورة تضمنه في المناهج المدرسية، والثاني الإعلام حيث دعا وسائل الإعلام للاهتمام والاحتفاء بالأعلام الجزائريين وتسليط الضوء على إسهاماتها ونتاجها الفكري». 

 




الوزير الأول عبد العزيز جراد رفقة وزيرة الثقافة في ندوة مالك بن نبي

 

نبذة عن مسار المفكر مالك بن نبي

ولد مالك بن نبي في أول يناير (كانون الثاني) 1905 في مدينة قسنطينة عروس الشرق الجزائري، وسط أسرة متواضعة متدينة، وكان أبوه عمر موظفاً بإدارة مدينة تبسة، وفيها التحق بكتّاب تحفيظ القرآن الكريم لمدة أربع سنوات بالتوازي مع دراسته في المدرسة الفرنسية إلى أن أتم تعليمه الابتدائي والإعدادي. مكّنه تفوقه الدراسي من الحصول على منحة لمواصلة الدراسة في مدينة قسنطينة التي كانت معلماً للثقافة العربية والإسلامية قبل الاحتلال الفرنسي للبلاد، وهناك بدأ يتعرف على الثقافة الفرنسية. 

ولما أنهى تعليمه الثانوي عام 1925 سافر إلى فرنسا لكنه عاد إلى الجزائر لعدم حصوله على فرصة عمل، وفي عام 1930 سافر إلى فرنسا مرة أخرى لمواصلة دراسته، غير أنه لم يستطع الانتساب إلى معهد الدراسات الشرقية، فتوجه إلى مدرسة اللاسلكي حيث حصل على شهادة مهندس كهرباء عام 1935.

خلال حياته تقلد مالك بن نبي العديد من الوظائف والمسؤوليات، حيث عمل في مدينة تبسة مساعد مكتب في محكمة المدينة، وفي عام 1927 التحق بمدينة آفلو بولاية الأغواط للعمل في محكمتها، وبعد عودته للجزائر عام 1963 تقلد عدة مناصب أكاديمية أهمها منصب مستشار التعليم العالي، ومدير الجامعة الجزائر ثم مدير التعليم العالي، إلى أن استقال وتفرغ عام 1967 لنشاطه الفكري والدعوي.

 




قاعة المحاضرات الكبرى في المكتبة الوطنية حملت اسم المفكر مالك بن نبي

مالك بن نبي له تجربة فكرية ثرية جعلت منه أحد أبرز المفكرين الجزائريين المعاصرين، تعرّف على رائد الحركة الإصلاحية بالجزائر ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس، وفي باريس تعرف على مشكلات أمته ووطنه، وفيها عاش تجربة غنية تعرف من خلالها على روح الحضارة الغربية وأفكارها. وهناك انخرط في نشاط فكري وسياسي بين المغتربين، وكان عنوان أول محاضرة يلقيها هناك: «لماذا نحن مسلمون؟» في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 1931.

شارك في تأسيس «جمعية الوحدة المغاربية»تحت إشراف الأمير شكيب أرسلان، وأصبح ممثلاً للجزائر فيها، وفي مارسيليا أشرف على نادي «المؤتمر الجزائري الإسلامي»، وبعد ذلك سافر إلى مصر عام 1956 وأقام بالقاهرة حيث سخر نفسه وقلمه لخدمة ثورة التحرير الجزائرية، وهناك عمق معرفته باللغة العربية بعد أن كان ضليعاً في اللغة الفرنسية. ركز جهده في مجالي فكر النهضة والدراسات القرآنية، وقدم في الأول إسهامات بارزة لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر، حيث أكد أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية علمية بالأساس، وبناء على ذلك صاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدأ الفاعلية والتصدي لما سماه «القابلية للاستعمار». 

وخلال مسيرته الفكرية أغنى الفكر الإسلامي بمصطلحات عديدة بحديثه عن «الأفكار الميتة»، و«الأفكار المميتة» والعلاقة بينهما، وعن مراحل تطور الحضارة الإسلامية وغير ذلك، وله في المقابل سجل حافل بالعطاء الفكري، إذ ألف أكثر من ثلاثين كتاباً، منها «مشكلة الثقافة»عام 1956 و«الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»عام 1960 و«الفكرة الآفروآسيوية»عام 1956 و«الكومنولث الإسلامي»عام 1960، ومن أشهر كتبه «الظاهرة القرآنية»،و«وجهة العالم الإسلامي»،و«شروط النهضة»، و«مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي». وقد نشر له بعد وفاته كتابان: الأول «دور المسلم ورسالته في القرن العشرين»عام 1977، والثاني «بين الرشاد والتيه»عام 1978. وقد وافته المنية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1973.