إدانة ولكن.. لم تعد مقبولة

* الحرب على التطرف لا بد منها، ولكي تنجح لا بد أن تكون حربا على كل أشكال التطرف، تطرف المجموعات الإسلامية سنيةً وشيعيةً، كما أنه تطرف أنظمة ديكتاتورية كحال نظام بشار الأسد، هي حربنا نحن قبل أن تكون حرب الآخرين

موجة جديدة من الإرهاب عادت لتضرب أوروبا، من نيس إلى فيينا، بعضها جاء انتقامًا لإعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد، وكأن ثمة إساءة لمحمد والإسلام أكبر من قتل الآمنين باسمه.

كم مرة كررنا في السنوات العشرين الأخيرة أن هذه المجموعات لا تُمثل الإسلام، منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) إلى يومنا هذا، ما يقارب العشرين عاما، آلاف الضحايا قتلوا وكان قاتلهم يصرخ «الله أكبر»، وإن كنا على يقين أن الدين، أي دين، براء من قتل الأبرياء، إلا أن الاستنكار والإنكار لم يعودا وحدهما كافيين.

في فبراير (شباط) من العام الماضي، اجتمع بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر في الإمارات وأطلقا معًا وثيقة «الأخوة الإنسانية»، وقال يومها شيخ الأزهر أحمد الطيب في كلمته، إن العالم كله يشهد ما تتضمنه الوثيقة من دعوة لنشر ثقافة السلام واحترام الغير وتحقيق الرفاهية، بديلا عن ثقافة الكراهية والظلم والعنف، وأضاف: «الوثيقة المشتركة هي نداء لكل ضمير حي ينبذ التطرف ولكل محب للتسامح والإخاء»، مطالبا «من يحملون في قلوبهم إيمانا بالله وبالإنسانية»العمل معا كي تصبح الوثيقة دليلا للأجيال القادمة يأخذهم إلى ثقافة السلام والاحترام المتبادل.

من جهته، ذكر البابا فرنسيس أن الوثيقة ستكون شهادة على عظمة الإيمان بالله الذي يوحد القلوب المتفرقة ويسمو بالإنسان، مضيفاً: «عبر هذه الوثيقة، نطالب أنفسنا وكل القادة بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح  والتعايش»، وتابع: «نأمل أن تكون وثيقتنا بداية حقيقية لسلام يسود العالم ينعم به جميع البشر ودعوة للمصالحة والتآخي بين جميع الناس في العالم».

وبعد نحو عامين على توقيع الوثيقة، لم تظهر أي بوادر تسامح وتعايش بين المتطرفين من كلا الجهتين، وبالطبع فإن عامين ليسا بالوقت الكافي إطلاقا لكي تحقق الوثيقة هدفها، إلا أنها، أي الوثيقة، ما زالت إلى اليوم مجهولة بالنسبة للغالبية العظمى من الشعوب، وتداول تعاليمها محصور بالنخب المهتمين بالحوار بين الأديان.

يوم قرر ذلك الطالب الشيشاني قطع رأس المدرِّس الفرنسي لأنه عرض الرسوم المسيئة، خرجت الأصوات في العالم العربي والإسلامي تندد بفعل الطالب، إلا أن كثيرا من المنددين استخدموا «ولكن»بعد إدانتهم للجريمة الوحشية، بعضهم اعتبر أن فعل الأستاذ يستوجب العقاب، ولكن لم يوافقوا على شكل العقاب الذي أنزله به الطالب، بينما البعض الآخر رأى أن كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو ما حرك مشاعر الغضب، عند آلاف المسلمين، إضافة إلى معضلة اندماج المهاجرين بالبيئة التي هاجروا إليها وإن كانوا من الجيل الثاني كحال أحد إرهابيي فيينا.

لا أعرف إن كان عبد الله أنزوروف قد سمع بوثيقة «الأخوة الإنسانية»، أو أن إبراهيم التونسي الذي وصل إلى الكنيسة في نيس ليقتل المصلين وهو يصرخ «الله أكبر»سمع بدعوة شيخ الأزهر والبابا للمصالحة والتآخي، لكن من المؤكد أن المسلمين في كل مكان سمعوا ببشاعة ما حصل على أيدي شباب مسلمين، ومع ذلك لم تخرج مظاهرة واحدة للتنديد بخطف هؤلاء المتطرفين للإسلام والتحدث باسمه.

قد تكون الخطوة العاجلة اليوم لوقف الهجمات الإرهابية هي خطوات أمنية، ولكن الأمن وحده غير قادر على محاربة الإرهاب، وقد أثبتت تجارب سنين طويلة الأمر، وإن كان المطلوب من الدول الأوروبية تحديدا معالجة معضلة صعوبة اندماج جزء من المهاجرين إليها، إلا أن المطلوب من الدول العربية والإسلامية معالجة سرطان رفض الآخر المختلف، أيا كان شكل الاختلاف.

لقد استطاعت القاعدة ومشتقاتها عبر السنين استمالة عدد من الشباب المسلم، والقول إنها لا تمثل الإسلام لم يعد كافيا.

فنتيجة لمبادئ حياد الدولة، عن المؤسسات الدينية، وعدم جواز التدخل في تنظيم شؤون الجماعات الدينية، اعتمدت أوروبا وتحديدا فرنسا بشكل كبير على أئمة مساجد استقدمتهما من الخارج، فلم يتم إعدادهم بالشكل المناسب، وبقوا غرباء عن القوانين الأوروبية وعن قيم المجتمعات الأوروبية، وساهموا بشكل كبير بنشر فكرهم وتصوراتهم التي جاءوا بها من بلدانهم الأصلية، ما خلق نوعا من الاغتراب الكبير في الجالية الإسلامية الكبيرة والقديمة في أوروبا، فوقعوا ضحية التوجهات السياسية التي تحكم الأئمة المستقدمين من بلدان شتى، والذين في كثير من الأحيان يمثلون توجهات الدول التي جاءوا منها وليس توجهات المجتمع المسلم في أوروبا. انتبهت فرنسا مؤخرا لهذه النقطة، فأوقفت استقدام الأئمة من الخارج، ولكن ولأن الدولة لا تستطيع إعداد أئمة فرنسيين ولا التدخل بشكل مباشر، فإن هذا الأمر يلقي على الجالية الإسلامية في أوروبا، مسؤولية إضافية في ضرورة أن تلتفت لهذه النقطة وأن يكون جميع أئمة مساجدها من بين المواطنين المسلمين في أوروبا، مما سيساعد إلى حد كبير في وقف توظيف وجود الجالية الإسلامية في أوروبا في الصراعات السياسية، فضلا عن مساعدة ذلك بالتقدم خطوات كبيرة باتجاه اندماجهم في مجتمعاتهم التي اختاروها بملء إرادتهم.

الحرب على التطرف لا بد منها، ولكي تنجح لا بد أن تكون حربا على كل أشكال التطرف، تطرف المجموعات الإسلامية سنيةً وشيعيةً، كما أنه تطرف أنظمة ديكتاتورية كحال نظام بشار الأسد، هي حربنا نحن قبل أن تكون حرب الآخرين، ولم يعد الاستنكار والشجب كافيين لإعفاء المسؤولين من مسؤولياتهم، تجاه الدين والوطن.