إشكاليات التنمية المستدامة

التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية

مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان (غيتي)

إشكاليات التنمية المستدامة

* تتيح الهجرة فرصاً جديدة للبشر، ولكنها في الوقت ذاته تفرض مزيداً من التأثيرات على حياتهم وحياة دولهم سواء الطاردة أو المستقبلة
ما تعيشه المنطقة العربية اليوم من صراعات وحروب ونزاعات في بعض دولها، جعل دول المنطقة الباقية تشهد تحديات عدة في سبيل استكمال مساراتها التنموية
التوجه الأكثر أهمية للعمل في تلك اللحظات التي تواجه فيها المنطقة العربية تحديات جساماً، هو البحث في كيفية تحقيق التوازن بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية المستدامة
يتطلب تحقيق التوازن في المعادلة السكانية والتنموية، مراعاة طبيعة التنوع السكاني في مختلف البلدان والذي أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى
خوض غمار المستقبل باستكمال تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة، يتطلب التأكيد على أهمية البعد السكاني في تحقيق أهدافها

القاهرة: تعددت الأدبيات الدولية والإقليمية والمحلية التي تناولت مفهوم التنمية المستدامة وأبعاده بالشرح والتحليل، كما تنوعت تقارير المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية التي يتم إعدادها عن كيفية تحقيق التنمية المستدامة في مختلف البلدان، باعتبارها محوراً رئيسياً في بناء السياسات العامة في هذه البلدان. 
صحيح ان ثمة تعريفات عدة للمفهوم شأنه في ذلك شأن مختلف المفاهيم والمصطلحات التي تعاني من تعددية في التعريفات طبقاً للتعددية في زوايا النظر والمعالجة، إلا أنه من الصحيح أيضاً أنه رغم تعددية التعريفات لكنها لم تمتد لتشمل تعددية الأبعاد الرئيسية في عملية التنمية المستدامة، إذ تكاد تجمع غالبية الدراسات والتقارير على أن ثمة أبعاداً ثلاثة للتنمية المستدامة؛ وهي: 
الأول: بُعد اقتصادي، ويعني الإدارة الرشيدة للموارد والثروات الاقتصادية، فضلا عن العمل على الحد من التفاوت في المداخيل والثروة. 
والثاني: بعد اجتماعي، ويعني ضمان تطبيق مبدأ العدالة التوزيعية للسياسات، بما يضمن بدوره إشباع الحاجات الإنسانية وتحسين المستوى المعيشي للأفراد، وهو ما يتعلق بالصحة والتربية والسكن والعمل. 
والثالث: بعد بيئي، ويعني مرونة أو قدرة النظام البيئي على المحافظة على سلامته الإيكولوجية وقدرته على التكيف، نظراً لأن لكل نظام بيئي حدوداً معينة لا يمكن تجازوها من الاستهلاك والاستنزاف. 
في ضوء تلك المبادئ الرئيسية الثلاثة للتنمية المستدامة، تحددت أهدافها المتعددة والمتنوعة، ومن بينها ضمان توفير حياة كريمة للمواطن والمقيم عبر توفير كافة متطلباته المعيشية (مسكن- مأكل- ملبس- صحة- تعليم – أمن ....)، وأن ضمان تحقيق هذا الهدف وغيره من أهداف التنمية المستدامة يظل مرهوناً بالإنسان، كونه أداة التنمية وهدفها في الوقت ذاته. 
ومن ثم، فالاتجاهات العالمية التي يتسم بها السياق الديموغرافي الجديد في القرن الحادي والعشرين بتحولاته المختلفة (النمو السكاني وارتفاع نسبة الشباب والشيخوخة والهجرة والتحضر) من شأنها أن تؤثر على مسارات العملية التنموية وضمانات نجاحها، إذ إن التغيرات العميقة في التركيبة السكانية لديها القدرة على تغيير مسار التنمية طبقاً لأنماط التحول السكاني وسرعته، والذي يتباين بدوره من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.
ولذا، تبرز الإشكالية التشابكية بين التحول الديموغرافي والتنمية المستدامة، وهي الإشكالية التي تتسم بتعددية الأبعاد والجوانب والتأثيرات، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال البحث في تأثيرات التحولات الديموغرافية على عملية التنمية المستدامة في المنطقة العربية، من خلال محورين:

 

مظاهرة للخريجين العاطلين عن العمل في تونس للمطالبة بوظائف وباستقالة الحكومة
 


 
أولا: مفهوم التحول الديموغرافي وعوائده
من الجدير بالأهمية قبل دراسة تأثيرات التحول الديموغرافي على عملية التنمية المستدامة في المنطقة العربية، الوقوف على مفهوم التحول الديموغرافي وإلى أي مدى يمكن أن يحقق التحول الديموغرافي عوائد على الدولة أو المنطقة التي تشهد هذا التحول؟ 
بدايةً التحول الديموغرافي هو تغير في انماط النمو السكاني من ارتفاع معدلات الخصوبة والوفيات إلى انخفاضها. ويمر هذا التحول بثلاثة مراحل: 
الأولى، تبدأ معدلات وفيات الرضع والأطفال بالانخفاض، مما يزيد عدد الأطفال الباقين على قيد الحياة. 
الثانية، تبدأ معدلات الخصوبة بالانخفاض ويزداد حجم السكان في سن العمل (15-64 عاما) وينخفض حجم السكان المعالين، وانخفاض معدلات الخصوبة الذي يتزامن مع بطء في نمو السكان المسنين حيث يوجد ما يسمى بفرصة النافذة الديموغرافية وذلك لفترة محدودة تنخفض فيها نسبة الأطفال عن 30 في المائة ونسبة المسنين عن 15 في المائة، وهو ما يؤدي إلى وجود نسب إعالة مواتية، ويتراجع حجم الاستثمارات اللازمة لتلبية احتياجات الفئات السكانية المعالة. 
ونتيجة لذلك تزداد الموارد المتاحة للاستثمار في رأس المال البشري (الصحة والتعليم) ورأس المال المادي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فيتحقق العائد الديموغرافي، حيث تتضافر ثلاث آليات رئيسية لدعم تحققه، وهي: الإمداد باليد العاملة، الادخار، رأس المال البشرى. وطبقاً لكثير من الدراسات فقد يدوم العائد الديموغرافي إلى خمسة عقود أو أكثر. لكن جني ثماره ليس تلقائياً بل يعتمد على عوامل شتى بما في ذلك سرعة انخفاض الخصوبة ومستوى العمالة ومستوى الإنتاجية.
وفى المرحلة النهائية من التحول الديموغرافي تصل معدلات الوفيات والخصوبة إلى مستويات متدنية.
ولذا، يطالب البعض صانعي السياسات بتوفير البيئة الصحيحة في مجالات عدة، منها: الحوكمة والبنى التحتية والسياسات حول العمل والتجارة، حتى تستفيد الدول من فرصة النافذة الديموغرافية التي نتجت عن التغير في الهيكل العمري للسكان، حيث يؤدي انخفاض معدلات الخصوبة في نهاية المطاف إلى تراجع معدل نمو القوى العاملة إلا في حال انضمام أعداد كبيرة من المهاجرين إليها. كما يتزايد نمو فئة السكان المسنين نتيجة للانخفاض في معدلات وفيات المسنين وتقدم عمر السكان الذين ولدوا خلال الطفرة الإنجابية الكبيرة السابقة، مما يؤدي إلى نمو نصيب الفرد من الدخل بشكل أبطأ وإلى إغلاق فرصة النافذة الديموغرافية. 
 
ثانياً: التحولات الديموغرافية في المنطقة العربية... قراءة في المؤشرات
تمر الدول العربية بمراحل مختلفة من التحول الديموغرافي، ومن ثم تتباين بينها الفترات الزمنية لتحقيق النافذة الديموغرافية، وإن كان معظمها قد شهد انخفاضاً في نسبة الإعالة بين منتصف السبعينات وأوائل الثمانينات، مع تزايد نسبة السكان في سن العمل خلال تلك الفترة، وهو ما أسهم بدوره في تحقيق النافذة الديموغرافية في غالبية الدول العربية منذ أوائل الثمانينات وحتى أوائل التسعينات، وطبقاً لتقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) عام 2016 تظل هذه النافذة مفتوحة في الدول العربية حتى 2050، وهو ما يوضحه الجدول الآتي: 
المدة الزمنية لفرصة النافذة الديموغرافية في عدد من الدول العربية

الدولة  سنة انفتاح فرصة النافذة الديموغرافية  سنة انغلاق فرصة النافذة الديموغرافية 
تونس  1981 2019
الجزائر  1981 2021
المغرب  1981 2025
لبنان 1981 2028
جيبوتي 1981 2046
الأردن 1981 ما بعد عام 2050
ليبيا  1982 2050
فلسطين 1982 ما بعد عام 2050
مصر  1983 ما بعد عام 2050
موريتانيا  1983 ما بعد عام 2050
سوريا  1983 ما بعد عام 2050
السودان  1984 ما بعد عام 2050
جزر القمر  1989 ما بعد عام 2050
العراق 1991 ما بعد عام 2050
اليمن  1991 ما بعد عام 2050
الصومال  2013 ما بعد عام 2050
 

 
يكشف الجدول السابق عن تزامن دخول الدول العربية في النافذة الديموغرافية كما سبقت الإشارة، وكذلك عن تزامن إغلاقها مستقبلا، مع بعض التفاوتات التي قد تحدث لبعض الدول كما هو الحال في تونس والجزائر والمغرب، إذ يقترب وقت الإغلاق مقارنة بغالبية الدول العربية غير الخليجية، وهو الأمر الذي يعكس مؤشرين: 
الأول: أن التقديرات التي أجرتها اللجنة الأممية لم تتضمن دول الخليج الست، وهو ما يجعل ثمة قصوراً في تلك التقديرات التي كانت تتطلب تعليلا لسبب عدم التناول، إلا إذا كان الأمر يتعلق بالطبيعة المغايرة لاقتصاديات هذه الدول التي تظل الأكثر وفرة، ولكن التغيرات التي تشهدها المنطقة منذ بداية الألفية الثالثة كانت تستوجب رصد أوضاع هذه الدول الست للوقوف على واقعها الراهن. أما المؤشر الثاني فيتعلق بالتفاؤل الممتد بشأن استمرار النافذة الديموغرافية منذ بدايتها إلى ما بعد 2050 في كثير من الدول العربية رغم ما تعانيه هذه الدول من تفاقم أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إما بسبب الحروب الداخلية أو التدخلات الأجنبية أو المشكلات التنموية التي تواجهها. 
وبعيداً عن هذه التوقعات بشأن استمرار النافذة الديموغرافية في كثير من الدول العربية، إلا أن الواقع يشهد بأن ثمة تحولات ديموغرافية منتظرة في كثير من دول المنطقة العربية والتي من شأنها التأثير على مسارات التنمية المستدامة وفقاً للخطط التنموية الوطنية الهادفة إلى تنفيذ الخطة الأممية للتنمية المستدامة 2030، وهو ما يمكن رصده من خلال النقاط الآتية (الربط بين بعض مؤشرات التحولات الديموغرافية والتنمية المستدامة): 

 

مخيم الزعتري للاجئين شمال الأردن بالقرب من الحدود السورية
 


أولا: الزيادة السكانية وتأثيراتها الإيجابية والسلبية على التنمية المستدامة 
مع الزيادة المتوقعة في مجموع السكان في المنطقة العربية، في ظل استمرار ارتفاع معدل النمو السنوي للسكان في المنطقة مقارنة بمعدل النمو العالمي، من المتوقع أن يصل عدد سكان المنطقة عام 2030 إلى أكثر من 520.7 مليون نسمة، ليصل عام 2050 إلى نحو 676.4 مليون نسمة، أي ستبلغ نسبة سكان المنطقة من مجموع سكان العالم 6.9 في المائة. وارتباطا بذلك فمن المتوقع أن يشكل الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما) شريحة كبيرة من السكان، حيث ترى التوقعات أن ثمة زيادة في أعدادهم لتصل إلى 300 مليون عام 2050 بعدما كان عددهم عام 2015 نحو 167.5 مليون نسمة، وهو ما يعني طفرة في أعداد الأشخاص في سن العمل، بما يمثل بدوره فرصة للنمو الاقتصادي المتسارع فيما يسمى «العائد الديموغرافي».
وعليه، فإن الجهود المبذولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ مثل القضاء على الجوع، وضمان الحياة الصحية، والنهوض بالتعليم والتعلم مدى الحياة، وإيجاد فرص العمل، وتحسين الحماية الاجتماعية، والحد من عدم المساواة، من شأنها أن تعزز من هذه الاتجاهات، وأن تؤدي إلى زيادة الفرص المتاحة.ولكن على الجانب الآخر، قد تؤدي الطفرات في أعداد الشباب إلى زيادة التحدي الذي تواجهه الماليات العامة التي تجد مشقة في توفير الخدمات للشباب اليوم، ناهيك عن التحدي الذي سيواجهه المجتمع في العقود القادمة وهو يكافح من أجل التعامل مع شيخوخة السكان.
ثانياً: كبار السن والتنمية المستدامة
يشكل اليوم كبار السن (ممن تصل أعمارهم إلى 65 سنة فما فوق) الفئة العمرية الأسرع نموا في العالم، إذ يتوقع أنه بحلول عام 2050، سيفوق عدد كبار السن عدد المراهقين والشباب (من سن 15 إلى 24 عاما)، وتواجهه بالفعل بعض المناطق، مثل أوروبا وشرق آسيا اليوم، ويقدر أن يصل عدد كبار السن في المنطقة العربية إلى 49.6 مليون نسمة بحلول عام 2030 أي أن تصل نسبتهم إلى 9.5 في المائة من مجموع السكان، وبحلول عام 2050 سيتجاوز هذا العدد 102 مليون نسمة أي 15.1 في المائة من مجموع السكان. وهو ما يمثل تحديا كبيرا في تقديم الدعم والرعاية لكبار السن. 
وعليه، فإنه مع استمرار متوسط العمر المتوقع في الارتفاع، من المحتمل أن يؤدي كبار السن أدواراً أكثر أهمية في المجتمعات والاقتصادات. ولذا، ثمة حاجة إلى تعديل نظم التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية من أجل توفير شبكة أمان عامة لهذه الفئة العمرية الآخذة في النمو، خاصة إذا أخذنا في الحسبان فرصة الاستفادة من هؤلاء في تحقيق عائد ديموغرافي ثانٍ، فارتفاع توقعات طول العمر يحفز المسنين على مراكمة الأصول وزيادة الاستثمارات، ما يؤدي إلى نمو أسرع في نصيب الفرد من الدخل. فإذا كان العائد الديموغرافي الأول يتحقق حال تحسين مستويات الادخار والمعيشة، فإن العائد الثاني يرتبط أيضاً بمدى التخطيط المسبق وجهوزية مؤسسات الدولة ومستوى الدعم الذي تقدمه لسكانها المسنين. ومن ثم، فإن الوضع في الدول العربية، خاصة تلك التي أوشكت النافذة الديموغرافية فيها على الإغلاق أن تعمل على الاستفادة من كبار السن في ضمان نجاح استراتيجيتها التنموية، شريطة أن يكون لديها تخطيط مسبق في وقت مبكر خلال المرحلة المتوسطة من مراحل التحول الديموغرافي، بما يمكنها من تشجيع الموظفين على مراكمة رؤوس الأموال والادخار للتقاعد، وذلك من خلال إنشاء نظم مالية قوية وموثوقة ومتاحة للجميع لتشجيع مراكمة العاملين للأصول ليصبحوا مستقلين مالياً مع تقدمهم في العمر بدلا من الاعتماد بشكل أساسي على دعم الأسر والحكومات، إذ إن توافر هذه النظم في الوقت الراهن يساعد على زيادة توفر رأس المال والإنتاجية وارتفاع نصيب الفرد من الدخل. 
ومن نافل القول إن البعض يرى أن العائد الثاني للتحول الديموغرافي أكبر حجماً وأطول مدة من العائد الأول الذي يغلق عندما يصبح الهيكل العمري غير موات. 


 

حتى عام 2009، كان من يعيشون في المناطق الريفية أكثر عدداً ممن يعيشون في المناطق الحضرية
 


ثالثاً: الهجرة وتأثيراتها على التنمية المستدامة
منذ الأيام الأولى للإنسانية، والهجرة تتيح فرصاً جديدة للبشر، ولكنها في الوقت ذاته تفرض مزيداً من التأثيرات على حياتهم وحياة دولهم سواء الطاردة أو المستقبلة. وإذا كان منطقياً أن تظل الهجرة في معدلاتها ودوافعها المقبولة كالهجرة للعمل أو التعليم، بما يجعل تأثيراتها على خطط التنمية إيجابياً سواء للدولة الطاردة أو المستقبلة، إلا أنه حينما تكون الهجرة نتيجة للعنف أو الاضطهاد أو الحرمان أو الكوارث، فتؤدي إلى ارتفاع قياسي في عدد الأشخاص المشردين قسراً الذين يتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة غير الإنسانية، وهو ما ينعكس سلباً على الطرفين معاً. الأمر الذي ينطبق على الأوضاع في المنطقة العربية التي تشهد بعض دولها صراعات وحروباً أدت إلى هروب الكفاءات إلى الخارج بما أفقدها عقولها المفكرة والمبدعة والقادرة، سواء على حلحلة الصراع أو المساهمة في وضع نهايات له أو حتى على الأقل التقليل من تأثيراته المتعددة. 
رابعاً: ترييف المدن (المستقبل الحضرى)
تواجه كثير من دول المنطقة حركة هجرة داخلية من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، يؤشر على ذلك ما سجلته إحصاءات الأمم المتحدة بأنه حتى عام 2009، كان من يعيشون في المناطق الريفية أكثر عدداً ممن يعيشون في المناطق الحضرية. أما اليوم، فيعيش نحو 55 في المائة من سكان العالم في المدن، ومن المتوقع أن يصل مستوى التوسع الحضري إلى ما يقترب من 70 في المائة بحلول عام 2050. ويعنى ذلك أمرين: الأول، تراجع دور الريف في دعم الاقتصاد الوطنى بمنتجاته وصناعاته. والثاني، تكدس المدن والضغط على خدماتها بما يخلق حالة من العشوائية في مختلف نواحي الحياة، بدءاً من التكدس على أطراف المدن وانعكاسات ذلك على مستويات الأمن، مروراً بتدمير البنية التحتية التي لن تتمكن من خدمة الأعداد المتزايدة من السكان، وصولا إلى زيادة نسب البطالة والاتجاه إلى الأعمال الخدمية والهامشية التي لا تقدم مردوداً إيجابياً على الاقتصاد الوطني. بمعنى أكثر إجمالا مثل الخلل في الكثافة السكانية بين الريف والمدن معضلات تنموية عديدة تعيق قدرة مؤسسات الدولة على استكمال مسارها التنموي. 
خامساً: النزاعات الداخلية والتحولات الديموغرافية
تعرض النزاعات السكانية بشكل مباشر لزيادة تأثر إجمالي الوفيات والإصابات وحالات الإعاقة بما يؤثر على التركيبة السكانية للدول التي تشهدها هذه الصراعات كما هو الحال في بعض دول المنطقة، وهو ما ينعكس بدوره على أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، حيث تترك هذه النزاعات آثاراً سلبية عديدة، منها: تشريد أعداد كبيرة من السكان، والاختلالات الاقتصادية، وهروب رؤوس الأموال، وتدهور نظم الصحة العامة والثقة الاجتماعية، وتدمير البنية التحتية. ويؤثر كل ما سبق على معدلات الناتج المحلي الإجمالي التي تشهد تراجعاً قدرته بعض الدراسات بنسبة 2 في المائة في المعدل عن كل سنة من سنوات النزاع، وهو ما يعطل بدوره التوجه نحو استكمال أية استراتيجية للتنمية، حيث تصبح اقتصاديات هذه الدول اقتصاديات حرب يترتب عليها تحويل أموال عامة كبيرة إلى الإنفاق العسكري، بدلاً من الإنفاق على الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية. وما يستوجبه ذلك من تعديل في الخطط والمسارات التنموية التي كانت قد تبنتها الدولة قبل معاناتها بسبب الحروب والنزاعات. وغني عن البيان أن آثار تلك النزاعات لا تتوقف على الدول التي تعاني منها فحسب، بل تمتد آثارها الاقتصادية إلى الدول المجاورة، حيث كشفت بعض الدراسات عن أن الحرب الأهلية في بلد مجاور تؤثر على اقتصاد هذه الدول بصورة مباشرة وغير مباشرة، حيث ينتج عنها تدمير لكثير من البنى الأساسية الموجودة على المناطق المجاورة لمناطق الصراعات، فضلا عن استقبال المزيد من اللاجئين والمشردين الذين يمثلون ضغطاً إضافياً على موارد الدولة المجاورة ومستوى خدماتها. في حين يتركز الأثر غير المباشر في مظهرين: الأول، هروب رؤوس الأموال من البلدان المجاورة بسبب زيادة المخاطر في نظر المستثمرين المحتملين وهو ما يوجه الاستثمارات الأجنبية بعيداً عن المنطقة المجاورة للدول التي تشهد حروباً ونزاعات. أما المظهر الثاني في الأثر غير المباشر فيبدو فيما يمكن أن يقوم به اللاجئون بنقل أو مد الحروب الأهلية إلى البلدان المجاورة. 
وعليه، يمكن القول إن ما تعيشه المنطقة العربية اليوم من صراعات وحروب ونزاعات في بعض دولها (سوريا- السودان- العراق- ليبيا- فلسطين- اليمن- الصومال)، فضلا عما تشهده بعض دول الجوار كما هو الحال في مالي وتشاد، جعل دول المنطقة الباقية تشهد تحديات عدة في سبيل استكمال مساراتها التنموية، بما ينذر بمزيد من التراجع أو التعطل في خططها الإنمائية.  
وفي خضم كل ما سبق، يصبح التوجه الأكثر أهمية للعمل في تلك اللحظات التي تواجه فيها المنطقة العربية تحديات جساما، وهو البحث في كيفية تحقيق التوازن بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية المستدامة، بما يضمن حياة كريمة للمواطنين والمقيمين في تلك المنطقة، وبما يضمن بدوره الارتقاء بمقدراتهم وتوسيع خياراتهم، ورفع مستويات مشاركتهم في تقدم أوطانهم ورفعتها. أخذاً في الحسبان الاختلافات في الخصائص والظروف الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية لهذه الدول، وما يتطلبه ذلك من إجراء تحليلات لكل بلد على حدة لتقديم توصيات خاصة به حول سبل المضي قدماً في بلورة سياسات طويلة الأمد تهدف إلى القضاء على الفقر المستمر من خلال الاستثمار في قطاعاتها الشابة لضمان وضع الأسس السليمة لتحقيق النمو المستدام، فضلا عن تقديم كثير من المبادرات الهادفة كذلك إلى الارتقاء بخدمات التعليم والصحة وتمكين المرأة. وأيضاً تلك الهادفة إلى تعبئة المدخرات للاستثمار المنتج في رأس المال البشري والمادي، مع العمل على تعزيز نظم الرفاهية الاجتماعية لكبار السن وكذلك المتعرضين للأضرار والمخاطر. 
كما يتطلب تحقيق التوازن في المعادلة السكانية والتنموية، مراعاة طبيعة التنوع السكاني في مختلف البلدان والذي أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى مع تداعياته الكبيرة على الاقتصادات الوطنية وبالتبعية على الاقتصاد الدولي، حيث تتأثر عوائد رأس المال والعمل، كما تتغير المزايا النسبية في التجارة، وهو ما يستوجب معالجة تزايد الاختلالات السكانية من خلال التعاون الدولي لتحقيق منافع متبادلة، إذ يمكن أن يتدفق رأس المال في الأسواق الاستهلاكية الناشئة، كما تستطيع البلدان ذات السكان المتقدمة في العمر الاستفادة من الهجرة القانونية، وأن البلدان الشابة يمكنها التركيز في إنتاج منتجات كثيفة العمالة. 
خلاصة القول إن خوض غمار المستقبل باستكمال تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة التي هي السبيل الوحيد لضمان الحصول على مقومات الحياة في الحاضر والمستقبل، يتطلب التأكيد على أهمية البعد السكاني في تحقيق أهدافها التي تؤكد على معالجة القضايا المتعلقة بالصحة والرفاه وتمكين المرأة والتعليم الشامل، والعمالة المنتجة، والحد من الفقر، وتحقيق النمو الاقتصادي الشامل. 
ويتحقق كل ما سبق من خلال الإسراع بتبني كثير من المبادرات الهادفة إلى العمل على تنمية القدرات البشرية الوطنية وخاصة الشباب الذي يشكل عماد الدولة وأساس مستقبلها من خلال إكسابه المهارات والخبرات اللازمة والتحفيز ورسم مساره المهني، بما يضمن انخراطه بكفاءة في سوق العمل. مع أهمية توفير التعليم الجيد الذي يسهم بدوره في رفع معدلات الإنتاجية، والتركيز على التحول إلى مجتمع المعرفة لتطوير مجالات البحث والابتكار كركيزة أساسية للانطلاق إلى المستقبل المنشود ومواجهة تحديات الحاضر واستشراف متطلبات المستقبل.

font change