الميليشيات...أداة «إيرانية- تركية» لتفكيك المنطقة

تهدد استقرار الدولة الوطنية في المنطقة العربية

مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 تغيرت النظرة إلى طبيعة عمل مثل هذه الميليشيات، إذ أعطتها الصك للعمل بشكل علني بل ورسمي

الثورة الإيرانية أعطت شرعية ومشروعية تشكيل ميليشيات مسلحة تمارس الأعمال الإرهابية بمقتضى أحكام الدستور والقانون

المخاطر المترتبة على تأسيس ميليشيات مسلحة شيعية بدعم إيراني أو سنية بدعم تركي- قطري، تمثل تهديداً للدولة الوطنية في المنطقة العربية

باكو: لم تكن فكرة إنشاء ميليشيات للعنف والقتل والإرهاب وليدة اندلاع الثورة الإيرانية في أواخر سبعينات القرن المنصرم، إذ درجت العديد من الدول والجماعات التنظيمية مثل جماعة الإخوان الإرهابية على إنشاء ميليشيات تابعة لها، للقيام بالأعمال غير المشروعة، وفي الغالب تعمل هذه الميليشيات بشكل سري وفي الخفاء، وحينما يكتشف أمرها تعلن الدول والجماعات التي أنشأتها ودعمتها عن عدم مسؤوليتها عن هذه الميليشيات بل ربما تكون هذه الدول وتلك الجماعات في مقدمة الصفوف، لإدانة ما ارتكبته هذه الميليشيات من أعمال غير شرعية، يدلل على ذلك ما جرى في محاولة اغتيال الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر فيما يعرف بحادث المنشية بالإسكندرية والتى وجهت كافة أدلة الاتهام إلى جماعة الإخوان من خلال جهازها السرى (التنظيم الخاص) الذي لم تكن تلك الحادثة هي الأولى من نوعها التي يرتكبها، وإنما سبق أن ارتكب العديد من حوادث الاغتيال ما قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 منها جريمة اغتيال أحمد ماهر باشا في البرلمان المصري، وكذلك النقراشي باشا ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري الأسبق عبد القادر فهمي. ورغم تأكيد كافة الأدلة على مسؤولية جماعة الإخوان عن هذه الجرائم، إلا أنها أصرت على النفي مدعية عدم وجود مثل هذه الميليشيات المسلحة الإرهابية، رغم مشروعية وجودها وفقا لآيديولوجيا الجماعة ومنطق تفكيرها الذي يعتبر أن هذه الميليشيات هي الأداة الخشنة في تنفيذ سياساته إلى جانب أدواتها الناعمة المتمثلة في العمل الدعوي والخيري والسياسي. 

ولكن مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 تغيرت النظرة إلى طبيعة عمل مثل هذه الميليشيات، إذ أعطتها الصك للعمل بشكل علني بل ورسمي مع إقدام نظام الملالي على تأسيس ما سمي الحرس الثوري الإيراني الذي أسس عقب قيام الثورة مباشرة في 22 أبريل (نيسان) 1979 بحجة دوره في حراسة الثورة ومكاسبها كما تنص على ذلك المادة 150 من الدستور الإيراني المحددة لمهام الحرس الثوري، حيث يمتلك هذا الحرس ستة فروع رئيسية تتمثل في القوات البرية، والقوات الخاصة (فيلق القدس)، والقوات البحرية، والقوات الجوية، وقوات الباسيج، ليصبح أقرب إلى جيش نظامي، بل يتفوق عليه فيما يسند إليه من مهام كبرى داخلية وخارجية، وهو ما جعل البعض يعقد مقارنة بينه وبين أكبر التنظيمات العالمية الشبيهة له وتحديدا وحدات ما عرف بـ«شوتزشتافل»النازية التي لم تكن تمتلك المزايا الاقتصادية المؤثرة مثل الحرس الثوري الإيراني.

 



عناصر من الحرس الثوري الإيراني خلال مسيرة عسكرية في طهران (أ.ف.ب)

 

ما نود قوله إن الثورة الإيرانية أعطت شرعية ومشروعية تشكيل ميليشيات مسلحة تمارس الأعمال الإرهابية بمقتضى أحكام الدستور والقانون، وهذا ما جعل ثمة تطورا مهما في صناعة الميليشيات الإرهابية ما بعد الثورة الإيرانية، إذ لم يقتصر الأمر على الداخل الإيراني فحسب، بل امتد هذا الأمر إلى خارجه، فدعمت إنشاء ميليشيات في كافة المناطق التي تستهدف إيران تعزيز نفوذها فيها، كما هو الحال في لبنان واليمن وسوريا والعراق. مع الأخذ في الاعتبار نقطة مهمة تتعلق بمدى التشابه بين جماعة الإخوان الإرهابية والثورة الإيرانية، في الهدف من تأسيس مثل هذه الميليشيات، إذ يرجع السبب وراء ذلك إلى المنطق الحاكم لرؤيتهما، ففي الوقت الذي طرح فيه مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا فكرة أستاذية العالم بما يستوجبه ذلك من تأسيس أذرع وفروع في مختلف دول العالم، وهو ما دفعه إلى تأسيس التنظيم الدولي لجماعة الإخوان عام 1982، ذلك التنظيم الذي استهدف الدفاع عن الجماعة وتقديم صورة مثالية عن آيديولوجيتها، وكذلك كان مصدرا مهما من مصادر تمويلها، نجد الأمر ذاته يتفق مع فكر مؤسس دولة الملالي (الخميني) الذي عبر عنه الدستور الإيراني فيما يعرف بمبدأ تصدير الثورة ومساندة المستضعفين في مختلف دول العالم، إذ تطلب الأمر أن يكون للملالي وكلاء في المناطق التي تستهدف وجودها من خلال مؤيديها، هكذا بدأت طهران تنشئ ميليشيات مسلحة في هذه المناطق، تكون تابعة لحرسها الثوري الذي يقدم لها الدعم المادي والمعنوي وكافة اللوجستيات.

ومن الجدير بالإشارة أن توجه إيران إلى إنشاء مثل هذه الميليشيات المسلحة إنما يرجع إلى عدة عوامل، يمكن أن نجملها فيما يأتي: 

  • الأثر الأكبر للميليشيات في تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية لبسط هيمنتها على المنطقة، إذ إنها تسعى إلى تأسيس مثل هذه الميليشيات من أبناء الدول التي يوجد في تركيبتها السكانية نسبة من الشيعة وتعاني من حروب وصراعات داخلية كما هو الحال في حزب الله في لبنان والحشد الشعبى في العراق والحوثيين في اليمن وبعض العناصر المساندة للنظام السوري، الأمر الذي أعطى لإيران مساحة أكبر للتحرك داخل هذه الدولة والتأثير في قراراتها.

  • الميليشيات أقل تكلفة، إذ يعد تأسيس هذه الميليشيات ودعمها وتدريبها ماديا أقل تكلفة في تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية مقارنة باللجوء إلى الأداة العسكرية سواء التقليدية أو غير التقليدية. 

  • تجنب إيران الصدام المباشر في جوارها الجغرافي، إذ تمكنها هذه الميليشيات من انتهاج سياسة الحرب بالوكالة بدلا من الحرب المباشرة، استفادة من الخبرة السابقة التي حصدتها من حربها مع العراق والتي أثبتت أن الإيرانيين قد لا يجيدون الحرب التقليدية المباشرة. 



الشعب اللبناني خرج ضد هيمنة حزب الله الساعي إلى فرض سطوته على مقدرات الدولة اللبنانية (غيتي)

 

 

ومن نافل القول إن هذه السياسة التي مكنت طهران من تعزيز هيمنتها في بعض الدول العربية كما سبقت الإشارة والتي توافر فيها الشرطان: تركيبة سكنية بها نسبة من الشيعة، حالة حرب أو صراع داخلي، قد دفعت أطرافا إقليمية أخرى استهدفت تبني ذات السياسة الإيرانية في تعزيز دورها هي الأخرى في بعض هذه الدول وهو ما ينطبق جليا على السياسة التركية في علاقاتها مع الجوار السوري والعراقي، بل وامتدت سياستها إلى خارج هذا الجوار، كما هو الحال في ليبيا، مستفيدة في ذلك من شرطين أيضا، هما: وجود تنظيم لجماعة الإخوان، حالة حرب داخلية، ليمكنها ذلك من تشكيل ميليشيات مؤيدة لها في هذه الدول، مدعومة في ذلك من جانب الدولة القطرية التي تمثل المحفظة المالية للإنفاق على هذه الميليشيات. وهذا ما يؤكد على وحدة الهدف والاستراتيجية التي تحكم عمل إيران وجماعة الإخوان الإرهابية، إذ تمثل سيطرة الجماعة على نظام الحكم في كل من تركيا وقطر السبب الرئيسي في تبني ذات الاستراتيجية الإيرانية في تأسيس الميليشيات المسلحة وزرعها في الدول التي تستهدف تواجدها، ويظل الاختلاف الوحيد بين النهجين في توجهات هذه الميليشيات عقائديا، إذ تدعم إيران الميليشيات الشيعية، في حين تقدم تركيا وقطر الدعم المالي والمعنوي واللوجيستي إلى الميليشيات السنية على غرار دعمهما لتنظيم داعش الإرهابي. 

تركزت هذه الرؤية في محورين مهمين: الأول، أن الدور الإيراني في صناعة الميليشيات لم يكن مستحدثا وإنما أعطى لهذه الميليشيات وجودا وعملا مشروعا، فضلا عن الدعم المستمر والتوجيه الدائم لتحركها بما يخدم المصالح الإيرانية على حساب مصالح شعوب المنطقة وأمنها. أما المحور الثاني، فيتمثل في انتقال التجربة الإيرانية إلى الدول التي تحكمها جماعة الإخوان الإرهابية لتبني النهج ذاته في تأسيس ميليشيات مسلحة تنتشر في مختلف الدول حيث تسعى هذه الحكومات إلى تحقيق مصالحها داخلها.

ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل المطروح: إلى أي مدى يمكن مواجهة هذه السياسة الإيرانية الإخوانية في تأسيس ميليشيات تعمل على تفكيك الدول عبر إثارة النزاعات والحروب والصراعات بين مواطنيها وضد أنظمتها الحاكمة؟ وتأتي الإجابة في ثلاثة محاور على النحو الآتي: الأول، يتعلق بدور الإعلام بمختلف صوره لكشف هذه العلاقة السرية بين الطرفين، منعا لمنحهم الفرصة لكسب مزيد من الأتباع، ولعل ما جرى في العراق ضد تزايد الدور الإيراني يؤكد على أهمية الوعي كخطوة رئيسية في سبيل المواجهة، وهو ما حدث في لبنان مع خروج الشعب اللبناني ضد هيمنة حزب الله الساعي إلى فرض سطوته على مقدرات الدولة اللبنانية، كما لا يمكننا أن نغفل الموقف الشعبي الواعي لكل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين في أوائل هذا العقد وتحديدا خلال فترة الاضطرابات التي شهدتها المنطقة (2010-2013)، إذ أدرك الشعبان خطورة المخطط الإيراني في تعزيز استقرار دولهما فكانت المساندة الشعبية للقيادة السياسية في البلدين. والمحور الثاني، يتعلق بدور الدولة في تعزيز روابطها المجتمعية عبر معالجة بعض التأثيرات الناجمة عن تبني بعض السياسات الاقتصادية الإصلاحية على الأوضاع الاجتماعية لبعض الفئات المهمشة والضعيفة والتي تصبح فريسة مناسبة لتلك الجماعات للإيقاع بها في شباكها، مستغلة احتياجاتها وأوضاعها المعيشية، وهو ما أدركته كثير من الدول العربية، فيما تبنته من سياسات وما اتخذته من إجراءات اجتماعية لحماية الفئات الأكثر احتياجا في المجتمعات.أما المحور الثالث، فيتعلق بالتأكيد على دور المؤسسات الدينية الرسمية وتحديدا الأزهر الشريف وفروعه وجامعاته في إجلاء الصورة التي تحاول هذه الجماعات طمسها أمام الرأي العام الداخلي والعالمي، بأن ثمة بوناً شاسعا بين صحيح الدين الإسلامي وما تدعيه هذه الجماعات من خطابات مضللة وما تمارسه من سياسات خاطئة، تبرئة للدين الإسلامي، وكشفا للغطاء الذي تحاول أن تلتحف به هذه الدول والتنظيمات التابعة لها لخداع الأتباع بصحة موقفها. 

 



عناصر من الحشد الشعبي المدعوم من إيران في عرض عسكري بمدينة البصرة جنوبي العراق (غيتي)

 

إجمال القول إن المخاطر المترتبة على تأسيس ميليشيات مسلحة شيعية بدعم إيراني أو سنية بدعم تركي- قطري، تمثل تهديدا للدولة الوطنية في المنطقة العربية، إذ تلعب هذه الميليشيات دورا جوهريا في إثارة الصراعات والنزاعات والحروب داخل هذه الدول بما يهدد لحمتها الوطنية وتماسكها المجتمعي، بما يتطلب الانتباه إلى مدى التشابك والارتباط بين الجانبين في تحريك هذه الميليشيات المسلحة بما تمارسه من أعمال إرهابية، مع الأخذ في الحسبان الرؤية الممتدة إلى تأسيس مثل هذه الميليشيات في الدول الغربية بهدف التأثير على مواقفها وتوجهاتها ضد الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية، وهو ما نجحت فيه إلى حد ما، حينما دافعت بعض هذه الدول عن سلوكيات بعض هذه الجماعات تحت غطاء أن بعضها لم يرتكب جرائم عنف وإرهاب، إلا أن الأمر قد تجلى مع الأحداث الأخيرة التي وقعت في بعض الدول الأوروبية، كما هو الحال في فرنسا والنمسا، لتسرع هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة هذه التنظيمات وأذرعها المنتشرة فيها والتي استفادت من جو الحرية والديمقراطية التي يتواجد في هذه الدول، في حين أنهم لا يؤمنون بهذه الحريات التي يتمتعون بها، وهو ما يستوجب تكامل الجهود الوطنية والإقليمية وكذلك الدولية، في مواجهة هذا الخطر الذي تمارسه تلك الميليشيات التي تعد أداة في يد الدول الداعمة لها، تنفذ سياستها وتحقق مصالحها على حساب مصالح الدول التي يوجدون فيها، وعلى أمنها وأمن شعوبها واستقرارهم.