سوريا وبايدن وتركة أوباما

* إن كانت الطبيعة تكره الفراغ، فالمؤكد أن من سيغيب عن الطاولة لن يذكره أحد، ولن يقلق أحد إن ضمنت مصالحه أم لا، وما ينطبق على سوريا ينطبق على جميع من يعاني من عدائية الجمهورية الإسلامية في إيران

من يراقب ردة فعل السوريين على الانتخابات الأميركية يظن أن المعركة كانت بين الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب والرئيس السابق باراك أوباما، وذاكرة السوريين مليئة بالخيبات من عهد أوباما، من تراجعه عن خطوطه الحمراء بعد استخدم بشار الأسد السلاح الكيماوي ضد المدنيين، وصولا إلى توقيعه الاتفاق النووي الإيراني وإطلاق يد إيران في المنطقة. ولم ينس السوريون أن الرئيس المنتخب جو بايدن كان نائبا لأوباما في تلك الفترة المليئة بالخيبات.
ليس من الإنصاف تحميل بايدن مسؤولية إخفاقات أوباما في المنطقة وخصوصا في الملف السوري، ولكن من الصعب أيضا تجاهل أنه كان شاهدا على كل هذه السياسات التي لا تزال نتائجها الكارثية تهيمن على المشهد السوري.
بايدن كان من أبرز المؤيدين للاتفاق النووي، ومن أشد المعارضين لانسحاب الولايات المتحدة منه خلال ولاية ترامب، بل كان من الداعين إلى تخفيف العقوبات على إيران، ولكن يبقى الموقف الأبرز بهذا الخصوص هو ما قاله مستشاره للشؤون الدولية أنطوني بلينكن في مقابلة تلفزيونية، وهو أن الولايات المتحدة (في حال فوز بايدن، وهو ما حصل) ستعود إلى الاتفاق النووي شرط أن تقبل إيران بالالتزام به أولاً، وأن تبني واشنطن اتفاقاً أقوى وأطول مدى مع شركائها لمراقبة أي نشاطات إيرانية قد يراها الغرب غير مقبولة، مع اعترافه بأن الأمور قد تبدلت منذ انسحاب إدارة ترامب منه، مما يستدعي مفاوضات جديدة ومعقدة.
ولكن بلينكن، الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية في 2015 إلى 2017، اعتبر أيضًا ان إدارة أوباما في سوريا، لم تكن إلا مجرد «إخفاقات»، داعياً إلى الاعتراف بالأمر، ومشددا على أنه من المستحيل تخيل تطبيع إدارة بايدن لعلاقاتها مع نظام الأسد.
أما بخصوص القوات الأميركية في سوريا، والتي أعلن ترامب أكثر من مرة نيته سحب أي تواجد عسكري أميركي شمال شرقي سوريا، فيبدو أن بايدن يعتزم على إبقائها، فقد سبق وعارض سحبها لكي «لا يحصل داعش على فرصة للحياة مجدداً»، كما نقلت عنه «نيويورك تايمز»، مشيرة إلى أن بايدن لن يسعى للإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد بالقوة، وإنما سيعمل على إجباره على الانتقال السياسي.
وكان بايدن سبق وصرح سابقا بأن «الاحتفاظ ببضع المئات من الجنود الأميركيين في سوريا لحماية الأكراد أمر منطقي».
وإن كان أكثر ما يعنينا من فوز جو بايدن بالانتخابات الأميركية هو موقفه من نظام بشار الأسد، والموقف من سياسة إيران التوسعية في المنطقة وهيمنتها من خلال ميليشياتها على سوريا كما العراق ولبنان، فإن كل ما نقل عنه وعن مستشاريه ليس كافيا.
ولكن لنتذكر أن الإدارة الأميركية في فترة ترامب لم تكن منخرطة بالملف السوري، بل كانت معنية أكثر بالضغط على النظام الإيراني آملة في التوصل إلى اتفاق أفضل من الاتفاق سيئ السمعة الذي وقعه أوباما، كذلك انخراطها بما عرف بصفقة القرن، فإننا اليوم أمام إدارة جديدة يبدو أنها ستعود لتلعب دوراً ما في سوريا.
وبما أن ما نقل عن بايدن وفريق حملته ومنهم من هو مرشح ليتسلم مناصب في الإدارة المقبلة مثل بلينكن، من أن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران لن يتم إلا بعد تعديل الاتفاق السابق، وهذا ما يوحي بأنه مدرك لهواجس دول المنطقة وخصوصا تلك التي تعاني من سياسات إيران التوسعية والتخريبية، وهو ما كانت تجاهلته إدارة باراك أوباما، فما على السوريين فعله بدل انتظار ما ستؤول إليه الأمور، تشكيل خلية عمل لتكون جاهزة من اليوم للضغط والمشاركة بالنقاشات حول أي اتفاق جديد قد يعقد بين إيران والولايات المتحدة، ولضمان الأخذ في الاعتبار هواجس السوريين، لا أن تترك سوريا بسبب غياب من يمثلها، جائزة ترضية للإيراني.
إن كانت الطبيعة تكره الفراغ، فالمؤكد أن من سيغيب عن الطاولة لن يذكره أحد، ولن يقلق أحد إن ضمنت مصالحه أم لا، وما ينطبق على سوريا ينطبق على جميع من يعاني من عدائية الجمهورية الإسلامية في إيران.