جدل باسيل والخارجية الأميركية

* هل يستحق باسيل العقاب على أساس الفساد؟ نعم. ولكن من دون تلك الضجة التي افتعلتها الخارجية الأميركية عبر معاقبة مبتدئ من بين عتاة الفاسدين في لبنان. والأهم من دون التبشير بالنتائج الكبيرة التي يمكن توقعها من هذا الإجراء المتأخر أصلا.

يكاد الجدال القائم بين الخارجية الأميركية وباسيل أن يكون سيرياليا. فمن الصعب التصديق بأن الولايات المتحدة باتت تنزلق إلى مستوى زواريب السياسة اللبنانية الضيقة والتافهة على كل الصعد وترد على ادعاءات هذا من السياسيين أو ذاك.
الجدل بين الطرفين بدأ مع وضع باسيل على لائحة العقوبات الأميركية وتمحور حول تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله. في حين ادعى باسيل في مؤتمر صحافي أن الولايات المتحدة عرضت عليه فك التحالف، وهو رفض، فعوقب، قالت سفيرة أميركا في لبنان السيدة اليزابيت شيا، إن رئيس التيار الوطني الحر هو الذي لمح لها باستعداده إنهاء مفاعيل اتفاق ما مخايل الذي ربط حزب الله والتيار الوطني والذي جعل من هذا الأخير لاعبا أساسيا في الحياة السياسية اللبنانية.
السجال القائم بين الخارجية الأميركية وباسيل يؤكد أن محادثات الطرفين لحين معاقبته على تهم الفساد تمحورت حول موضوع فك تحالفه عن حزب الله في جزء أساسي منه. تصريح وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مايك بومبيو الأخير حول هذا الموضوع يدل على اقتناع الأميركيين بأن فك تحالف باسيل مع حزب الله هو أمر استراتيجي مهم ويدخل في أساس فرض العقوبات عليه، ويبدو أنهم مقتنعون بشكل أو بآخر أن فك هذا التحالف سيضعف حزب الله في لبنان. وإلا كيف يفهم كلام وزير خارجية أميركا تعليقا على القرار الأميركي بأن باسيل كان مرتبطاً بعمق مع ​حزب الله​، وأن «الشعب لا يريد ذلك، بل يريد دولة ذات سيادة واستقلال، ويريد الحرية والازدهار وفرص العمل»؟فهل باعتقاد الخارجية الأميركية أن هذا التحالف أو الارتباط بأهمية لدرجة أنه يمنع ازدهار لبنان؟ على كل الأحوال توقيت إعلان العقوبات يدل على أن المقصود هو إحداث صدمة في الداخل اللبناني، عبر إحراج حزب الله وباسيل والرئيس عون وربما الدفع في تليين موقفهم من بعض الملفات العالقة كتأليف الحكومة أو ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وهنا ما يدعو للاعتقاد بأن الخارجية الأميركية وقعت في خطأ تقدير موازين القوى في لبنان وقد تكون ضحية تقارير لبنانية المصدر مضللة ذات منافع خاصة جدا.
فمن هو باسيل؟ 
هو أكثر شخصية سياسية منبوذة في لبنان. الرجل لا يتمتع بأي نوع من الكاريزما. عندما يتكلم الشيء الوحيد اللافت فيه هو رتابة صوته التي تدفع المستمع إلى قيلولة غير إرادية. فشل في كل الملفات التي استلمها، من الكهرباء إلى الاتصالات إلى الخارجية. خلق شرخا عائليا تتناقل أخباره أروقة قصر بعبدا. لم ينجح في الانتخابات النيابية إلا بعد تفصيل قانون على قياسه ودعوة الحريري جمهوره لانتخابه نائبا عن الأمة. مواقفه عبارة عن مزيج من عنصرية وطائفية مقيتة وتفاهات. هو صنيعة حزب الله أساسا. يدين له بكل ما هو عليه. كلامه يكاد يكون عابرا ومن غير ذي وزن لو لم يكن مستفزا وعنصريا. لا وقع سياسيا لخطبه ومواقفه. يمتهن الابتزاز السياسي، متسلحا بمساندة حزب الله له في أكثر الأوقات. هو لا شيء.
بالنسبة لحزب الله اتفاق مار مخايل الذي بموجبه أصبح عون رئيسا وباسيل زعيما لم يهدف كما يردد البعض عن اقتناع كبير إلى تأمين «غطاء مسيحي»لسلاحه وإرهابه، إنما لمواجهة الطائفة السنية وعزلها، خاصة بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. هذا بكل بساطة كان المبتغى من اتفاق مار مخايل. حجة «الغطاء المسيحي»كحاجة ضرورية لحزب الله كان لتكبير حجم عون وتياره وصهره اصطناعيا عند المجتمع المسيحي لا أكثر ولا أقل بما أن هذا الغطاء- الحجة، ليست له قيمة تذكر في ظل الصراع السني الشيعي القائم في المنطقة كلها. على كل الأحوال تكفي مراجعة بسيطة لخطابات وتصاريح قادة التيار للاستدلال على ما سبق منذ عودة عون من منفاه الذهبي في فرنسا لحين استلامه الرئاسة التي فرضت هدنة مؤقتة مع المكون السني من أجل تأمين الأصوات السنية لانتخابه رئيسا.
حزب الله يستعمل باسيل كما يروق له، تارة للهجوم على الحريرية واتهامها بإيصال الاقتصاد اللبناني إلى القعر وتحميلها تبعات الأزمات التي يعيشها لبنان، وتارة لتخويف المجتمع المسيحي من «الإرهاب الداعشي»أو اللاجئين السوريين. فحزب الله حسب الإدارة الأميركية نفسها التي نراها مقتنعة بـ«خبريات الأفران»عن أهمية فك التحالف كمقدمة لنزع «الغطاء»وتمهيدا لإضعاف الحزب لا تنفك تشرح للعالم ضرورة وضعه على لائحة الإرهاب لترابطه العضوي بالحرس الثوري الإيراني وتنفيذه أجندته في الشرق الأوسط وأفريقيا والأميركتين وأوروبا.
فمن قاتل السنة في سوريا وهجرهم، وفي العراق، وفي اليمن، ومن أعلن الحرب على دول الخليج، لن يهمه طبعا بضعة موارنة منقسمين على ذاتهم لا همّ لقادتهم سوى الجلوس على كرسي بعبدا. 
هل يستحق باسيل العقاب على أساس الفساد؟ نعم. ولكن من دون تلك الضجة التي افتعلتها الخارجية الأميركية عبر معاقبة مبتدئ من بين عتاة الفاسدين في لبنان. والأهم من دون التبشير بالنتائج الكبيرة التي يمكن توقعها من هذا الإجراء المتأخر أصلا.
المطلوب من الأميركيين عدم الدخول في تفاصيل وزواريب السياسة اللبنانية لأن من ميزاتها أن تجعل من يتعامل فيها بالتفصيل تافهاً.