تأثير جائحة «كورونا» على خفض أسعار الفائدة النقدية

أزمة الجائحة ستكبد المصارف في العالم خسائر بقيمة 2.1 تريليون دولار

* اتبعت الدول التي تتمتع بوفرة في الاحتياطي النقدي سياسات تحفيزية على مستوى السياسة النقدية لدعم الطلب المحلي في الاقتصاد
* قد تؤدي جائحة كورونا إلى اندماجات في السوق المصرفية العربية من أجل زيادة المتانة المالية للمصارف العاملة وتقليل التكاليف وضمان الديمومة
 

بيروت: دفعت جائحة كورونا دول العالم إلى البحث عن حلول لإنقاذ اقتصادها من تداعيات هذا الوباء الخطير، وهرعت دول كثيرة إلى اتباع السياسات التي تناسبها، وسارت دول عربية عدة على تلك الخطوات، وانتفضت بنوكها المركزية لاستخدام سلاح السياسة النقدية لمواجهة الأزمة.
وكشف صندوق النقد العربي عن أن غالبية المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربي لجأت إلى خفض أسعار الفائدة النقدية في آن واحد.
وتمت جميع جولات الخفض خلال شهر مارس (آذار) الماضي، بنسب متقاربة من بعضها البعض، من أجل دعم مستويات السيولة النقدية التي تأثرت عام 2019 نتيجة ظروف تباطؤ النشاط الاقتصادي في غالبية الدول العربية.
ورغم الاتفاق العام على سلاح السياسة النقدية لمواجهة الأزمة، إلا أن استخداماته تنوعت بين خفض معدلات الفائدة وتوظيف عمليات السوق المفتوحة، في حين لجأ آخرون إلى استخدام نسبة الاحتياطي النقدي القانوني لزيادة قدرة المصارف التجارية على منح التمويل.
واتبعت الدول التي تتمتع بوفرة في الاحتياطي النقدي سياسات تحفيزية على مستوى السياسة النقدية لدعم الطلب المحلي في الاقتصاد، وتعزيز سيولة القطاع المصرفي وتشجيع المصارف التجارية على تمويل القطاع الخاص، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في المجال الصحي بوصفة الدرع الواقية أمام تفشي الوباء. ووفقا لدراسة صندوق النقد العربي حول التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا، اتخذت مصارف مركزية ومؤسسات النقد خطوات جادة للحد من انتشار المرض.
وتبنت السعودية حزمة تحفيزية بقيمة 34.4 مليار دولار، وتمثل نحو 16.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لدعم الائتمان والسيولة والقطاع الخاص في مواجهة كورونا، وجرى تحمل 60 في المائة من رواتب موظفي القطاع الخاص.
وأمعنت في دعم الشركات والأفراد ورصدت حزما إضافية بنحو 26 مليار دولار ليرتفع إجمالي الحزم التي قدمتها المملكة إلى 60.4 مليار دولار.
وأعلنت الإمارات عن تبني حزمة تحفيز إجمالية بقيمة 76 مليار دولار، بما يعادل نحو 19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، عززت من منح الاقتصاد جرعة تنشيطية قوية، في مواجهة الفيروس الذي نال من الاقتصاد العالمي.
ورصدت الحكومة الكويتية 1.6 مليار دولار لدعم مؤسساتها والتي توازي 1.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأطلقت مبادرة بإنشاء صندوق تمويلي بمشاركة المصارف التجارية لمجابهة تحديات تفشي كورونا والحد من انتشاره.
وأنشأ العراق حسابا خاصا تُودع فيه المبالغ المخصصة لمحاربة كورونا بقيمة أولية 20 مليون دولار، ومساهمة بنك العراق التجاري بقيمة 5 ملايين دولار.
وقدم البنك المركزي تسهيلات مصرفية تعمل على إعادة جدولة القروض المصرفية لدى القطاع الخاص، المستحقة على الشركات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن زيادة أجل السداد للقروض القائمة والمستقبلية للقطاعات الأكثر عرضة لتداعيات الفيروس، وتخفيض تكلفة الاقتراض في العراق.
وأطلقت مصر حزمة من الإجراءات والتدابير بقيمة 6.25 مليار دولار، تمثلت في تأجيل الاستحقاقات الائتمانية للشركات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر لمدة 6 أشهر وتقديم تسهيلات ائتمانية تقضي بإعفاء أي غرامات يتم فرضها نتيجة لعدم السداد، وتشمل الخطة أيضا تقديم الدعم للعمالة المؤقتة بسبب تفشي الفيروس.
«المجلة» استضافت بعض القيادات المصرفية العربية لمعرفة حجم الأضرار التي سببتها جائحة كورونا في القطاع المصرفي العربي عموماً، وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها للحد من هذه الأضرار وخصوصا بعد أن نشط هذا الفيروس القاتل خلال الشهر الماضي؟

 




رئيس جمعية المصارف البحرينية والرئيس التنفيذي لمجموعة البركة، الدكتور عدنان يوسف


 
تدابير وقائية
رئيس جمعية المصارف البحرينية والرئيس التنفيذي لمجموعة البركة، الدكتور عدنان يوسف، أشار في حديثه لـ«المجلة»إلى إن النتائج المالية التي أعلنتها البنوك العربية خلال النصف الأول من العام الجاري، أظهرت في معظمها انخفاضا متفاوتا في الأرباح، وهذا كان متوقعا ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية والمالية الناجمة عن جائحة كورونا، وإنما أيضا بسبب تطبيق المعيار المحاسبي الدولي 9،على مستوى العالم، ووفقا لتقديرات وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال للتصنيفات الائتمانية فإن أزمة الوباء ستكلّف البنوك في أنحاء العالم خسائر قيمتها 2.1 تريليون دولار في القروض بنهاية العام القادم.
وتوقعت الوكالة أن تبلغ خسائر القروض في العام الحالي 1.3 تريليون دولار، وهو أكثر من مثلي مستوى العام الماضي. وترجح الوكالة أن يكون حوالي 60 في المائة من تلك الخسائر في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وإن كانت أكبر الزيادات النسبية بما يتجاوز المثلين في المتوسط، مقارنة مع العام الماضي ستحدث في أميركا الشمالية وغربي أوروبا.
ومؤخرا، أظهر تقرير لـ«كيه بي إم جي»حول أداء البنوك الخليجية المدرجة للنصف الأول من العام انخفاض أرباحها بنسبة 34.7 في المائة، لتبلغ 12.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2020 بالمقارنة مع 18.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي. كما ارتفعت مصاريف الخسائر الائتمانية المتوقعة بنسبة 76.8 في المائة، خلال النصف الأول من العام الجاري لتبلغ 9.4 مليار دولار.
لذلك، فإننا نتوقع نفس المسار للبنوك العربية ككل وإن تفاوتت النسبة بين بلد وآخر وبنك وآخر استنادا إلى عوامل كثيرة. لكن بشكل عام هذه الانخفاضات من وجهة نظرنا تعتبر طبيعية، إذ ركزت البنوك على بناء مخصصات أكبر تحسبا للتداعيات القادمة للجائحة، كما عملت على تحسين التكلفة وزيادة الإنتاجية بغية التعويض عن انخفاض الإيرادات، خاصة أن البنوك العربية تضخ تمويلات للاقتصاد العربي تقدر بنحو تريليوني دولار، حتى نهاية عام 2019 وهو ما يشكل نحو 75 في المائة، من حجم الناتج المحلي الإجمالي العربي.
لكننا، ولله الحمد، لم نشهد منذ نشوب الأزمة المالية العالمية في العام 2008 وحتى بعد تفشي جائحة كورونا، لم نشهد انهيار أي من البنوك العربية المعروفة، بعكس ما حدث في الدول الصناعية من انهيارات من المشتقات المالية الكبيرة التي أضرت كثيرا بالبنوك في الدول الصناعية.
بعد تفشي فيروس كورونا المستجد(Covid–19) في العالم، انصبت اهتمامات المصارف المركزية العربية على اتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية لتخفيف أثر انتشار الفيروس على المصارف من جهة وعلى عملائها من جهة أخرى، حيث اتخذت العديد من الإجراءات الاحترازية والاستعدادات الطارئة في المجالات المالية والمصرفية والنقدية لتخفيف آثار انتشار الفيروس على مختلف القطاعات الاقتصادية والأسواق المالية، ومن بين هذه الإجراءات الموافقة على إعادة هيكلة أو تأجيل التمويل المقدم إلى العملاء دون رسوم إضافية، وكذلك تقديم التمويل الضروري لعملاء القطاع الخاص الذين فقدوا وظائفهم. وبالتوازي، وإطلاق برامج تحفيزية تستهدف دعم القطاع الخاص وتمكينه من القيام بدوره في تعزيز النمو الاقتصادي من خلال حزمة من الإجراءات، تهدف إلى تمكين القطاع. كما لجأت بعض البنوك المركزية إلى وضع حدّ يومي مؤقت لعمليات السحب والإيداع النقدي بفروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي وذلك بهدف الحد من مخاطر انتشار الفيروس، وتأجيل الاستحقاقات الائتمانية للشركات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر لمدة 6 أشهر، وعدم تطبيق أية غرامات على التأخر في السداد.
أما على صعيد المصارف العاملة في الدول العربية، فقد التزمت بالإجراءات والتعاميم الصادرة عن المصارف المركزية، بل وبادر الكثير منها في إطار المسؤولية الاجتماعية إلى تقديم تبرعات سخية ومبادرات مجتمعية متميزة لدعم جهود الحكومات لمقاومة تداعيات الفيروس.
ونظرا لأهمية البنوك العربية بالنسبة للاقتصاد العربي سواء من حيث الحجم أو من حيث الدور الذي تلعبه، فإننا نتوقع أن تلعب هذه البنوك دور القاطرة لتحريك الاقتصاد وأنشطة الأعمال نحو التعافي التدريجي. بطبيعة الحال، نحن لا نقصد أن تتحول البنوك إلى جمعيات خيرية، ولكننا نعتقد أن الغالبية العظمى من الأنشطة الاقتصادية وأنشطة الأعمال المتضررة تظل أنشطة قابلة للتعافي والعودة إلى المسار الطبيعي، فيما لو تم تقديم بعض المرونة والدعم التمويلي المؤقت لها، وعلى أن تقوم البنوك المركزية بدورها بتمكين البنوك من النهوض بهذا الدور من خلال توفير المزيد من خطوط السيولة بتكلفة أقل وإعادة النظر مؤقتا في المتطلبات الرقابية والتنظيمية وتشجيعها على تأسيس صناديق جماعية لمواجهة تلك التداعيات بصورة أوسع وبتكلفة أقل.

 




رئيس رابطة المصارف العراقية الخاصة، المهندس وديع حنضل


 
تراجع التصنيف الائتماني
بدوره، أكد رئيس رابطة المصارف العراقية الخاصة، المهندس وديع حنضل، لـ«المجلة»،ان جائحة كورونا كان لها تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي عموماً، وعلى القطاع المصرفي خصوصاً، والمصارف العربية لم تكن بعيدة عن هذه التداعيات، إذ تراجعت ربحية غالبية المصارف العربية خلال العام 2020، وظهرت مؤشرات التعثر في المحافظ  الائتمانية لدى المصارف، نتيجة التراجع في القطاعات الاقتصادية المختلفة، ونتيجة تأجيل استحقاقات القروض والارتفاع المتوقع في معدلات التعثر لدى عملاء المصارف، كما تراجعت السيولة جراء سحب الودائع، إضافة إلى تراجع حركة التشغيل في الأسواق الاقتصادية المختلفة.
وباعتقادي أنه نتيجة هذه العوامل فقد تواجه المصارف تراجعا في تصنيفها الائتماني على الساحة المصرفية الدولية.
وبرأيي قد تؤدي جائحة كورونا إلى اندماجات في السوق المصرفية العربية من أجل زيادة المتانة المالية للمصارف العاملة وتقليل التكاليف وضمان الديمومة وتحقيق متطلبات «بازل-3». أما ما هي الإجراءات الوجب اتخاذها  في هذه المرحلة الحرجة والعصيبة، فهي:
أولاً: المحافظة على الممارسات المصرفية السليمة.
ثانياً: مراجعة ودراسة استحقاقات القروض واتخاذ الإجراءات الوقائيه مسبقا، لمواجهة التعثرات في المحافظ الائتمانية إن وجدت.
ثالثاً: الابتعاد عن الإقراض طويل الأجل.
رابعاً: التحوط قدر الإمكان، وأخذ المخصصات حسب مقررات بازل-2، و3.
خامساً: إفصاح الشفافية من أجل زيادة الثقة لدى المودعين، لتلافي سحب الودائع، وبالتالي المحافظة على السيولة لدى المصارف.
سادساً: يجب على المصارف السعي لتطوير العمل المصرفي الرقمي من أجل تسهيل وصول الزبائن لحساباتهم المختلفة، وتلافي تراجع حجم العمل المصرفي ما بين الزبون والمصرف.
سابعاً: ضرورة الاهتمام بالبنية التحتية للمصارف وإعادة صياغة السياسات والإجراءت الداخلية لكل مصرف من أجل محاكاة الأوضاع الاقتصادية المرافقة لأزمة كورونا.
ثامناً: زيادة روؤس أموال المصارف.
تاسعاً: العمل على إيجاد منتجات مصرفية حديثة تحاكي العمل المصرفي الرقمي الحديث، حيث إن هذه المنتجات ستساعد الزبائن على استمرار أعمالهم الاقتصادية.