ثمار جزائرية تبحث عن الأسواق العالمية

تين «آيث معوش»
* تحتضن بلدة آيت معوش سنوياً فعاليات عرس التين المجفف، وخلال هذا العام لم تمنع ظروف وباء كورونا من تنظيم العرس بمشاركة نحو مائة عارض، لكن مع الالتزام التام بشروط الوقاية والتباعد
* التين المجفف مع اللبن من أحسن الوجبات، ذلك أنها تحوي سعرات حرارية كبيرة جدا، وتساهم في مواجهة برد الشتاء، كما تقدم كعلاج للعديد من الأمراض خاصة الصدرية
* تشتهر الجزائر بأشجار الكروم أو العنب، ومنها عدة أصناف وأنواع تواجه خطر الانقراض، إلى جانب منتجات أصلية أخرى من الخضراوات كالخرشف، والتي تفقد- حسب خبراء- العناصر الجينية، سنة بعد سنة 

الجزائر: في أعالي جبال آيث معوش التابعة لمحافظة بجاية الجزائرية، يمضي المزارع مزيان يوسف يومياته بين حقوله المترامية وسط هذه الجبال، حيث إن يوسف الذي بلغ العقد السادس من عمره، أفنى حياته وما تبقى منها في خدمة وتعهد أشجار التين والزيتون التي توارثها أباً عن جد، وباتت مصدر دخلٍ له ولعائلته.
ولأننا في نهاية فصل الخريف، وعلى أعتاب فصل الشتاء، فإن هذا الموسم بالنسبة له موسم حصاد لما بُذِل من جهد على طول العام، وفي فناء بيته توجد عشرات من الحوامل المصنوعة من الخشب ومن الفلين، وهي الحوامل التي توضع عليها حبات التين المقطوفة على مدار الأسابيع الأخيرة بهدف تجفيفها، فهنا في آيث معوش ما يزال المزارعون يحافظون على الطرق التقليدية في تجفيف التين، وهذه الطريقة حسب حديثه لـ«المجلة» يطلق عليها اسم (الطرحة)، أي تُطرح هذه الحوامل على الأرض، ويتم تعريض حبات التين من خلالها للشمس لعدة أيام حتى تجفّ، وبعد ذلك يتم جمعها، ووضعها في أكياس بلاستيكية، وهناك من يقوم بوضع الزيت على حبات التين حتى تصبح رطبة، وهناك من يقوم بإفراغ الأكياس من الهواء حتى يحافظ التين على جودته وصلاحيته لأطول فترة ممكنة.
مزيان ليس الوحيد الذي يشتغل في هذه المهنة التي تُعدُ مصدر دخله الأساسي، فهو الآن يترأس جمعية محلية يطلق عليها اسم «جمعية منتجي التين لبلدية آيث معوش»، وهي جمعية أسسها المزارعون المحليون للتضامن فيما بينهم، من خلال تنظيم دورات تدريبية حول كيفية زراعة وتعهد أشجار التين، والتشاور حول كيفية المحافظة على هذه الزراعة التي أصبحت تُعرف وتشتهر بها بلدتهم.
وبهدف تشجيع المزارعين على بيع منتوجهم، وبهدف الترويج لبضاعتهم محلياً ودولياً، تحتضن بلدة آيت معوش سنوياً فعاليات عرس التين المجفف، وخلال هذا العام لم تمنع ظروف وباء كورونا من تنظيم العرس بمشاركة نحو مائة عارض، لكن مع الالتزام التام بشروط الوقاية والتباعد.

 




بني معوش الجزائرية عاصمة التين بالجزائر

 


وتعتبر ثمرة تين آيث معوش من أجود أنواع التين محلياً، وتنافس دولياً لاعتبارات مناخية وجغرافية تناسب الإنبات الحسن لهذه الثمرة، ونمو أشجارها ضمن الشروط البيئية الملائمة، ومن المعروف عن سكان هذه البلدة وغيرها من المناطق المتاخمة لها، ادخار هذه الثمرة في شروط وقائية مميزة، حيث تحفظ في أوعية فخارية أو زجاجية يضاف إليها زيت الزيتون ويتم استهلاك جزء منها خلال فترة الشتاء، حيث تعتبر وجبة التين المجفف مع اللبن من أحسن الوجبات، ذلك أنها تحوي سعرات حرارية كبيرة جدا، وتساهم في مواجهة برد الشتاء، كما تقدم كعلاج للعديد من الأمراض خاصة الصدرية منها، وبالمقابل توجه أجزاء أخرى من المحصول للبيع لمواجهة جميع النفقات العائلية.
وفي حديثه لـ«المجلة»، كشف المزارع الشاب لونيس فارس عن الطريقة التقليدية التي يتم بها تجفيف التين، حيث يقول: «نقوم باختيار الثمار الكبيرة الخالية من التعفنات، نقوم بصناعة الحامل من القصب الهوائي على شكل نعل قديم حاد ومرتفع من الأمام، وعريض من الخلف»، مبرزاً أن «هذه الطريقة في صناعة الحوامل مهمة وذكية، والهدف من ذلك استقبال التيارات الهوائية وتجميعها، كما أن صناعة الحامل بهذا الشكل من حواف مرتفعة تسهل حملة خاصة في الليل لتفادي الرطوبة العالية، كما أن استعمال القصب يمكن الهواء من التغلغل بين حبات التين ولتجفيفه سريعاً، كما أن رفع الحامل عن الأرض يمكن الهواء من الدخول من الجهة السفلية لتسهيل دخول التيارات الهوائية لقلب الثمرة ولتجفيف السوائل النازلة من رأس حبات التين».
وعن السرّ في اشتهار منطقة آيث معوش بهذا التين، أكد فارس أن «المناخ المعتدل للمنطقة، والتربة الخصبة، ساهمت في انتشار حقول التين إلى جانب حقول الزيتون، وللمناخ الجيد الدور الأبرز في جودة المنتوج».
وكما جرت العادة كانت مناسبة عرس التين المقامة في نهاية هذا الأسبوع، واستمرت ليومين، فرصة لعقد لقاءات تحسيسية نشطها أخصائيون في الفلاحة الريفية لتعريف المشاركين على المناهج التقنية الجديدة لتطوير إنتاجهم وحمايته من عدوى الأمراض التي تصيب أشجار التين، وكذا إطلاع المزارعين على طرق تجديد أشجار التين المعمرة وفق نصائح الأخصائيين. وفي خضم التظاهرة تم التطرق إلى جهود الحكومة في دعم المزارعين المنتجين وحث الشباب على ممارسة هذه الفلاحة والاستفادة من الامتيازات التي تمنحها الوزارة الوصية على قطاع الفلاحة، تسمح لهم باستحداث مناصب عمل بأنفسهم في هذا القطاع الدائم، ويضمن ذلك استدامة إنتاج هذه الثمرة والحفاظ على ثروتها.
وفي حديثه لـ«المجلة» أكد أمين عام جمعية منتجي التين، بكّوش عمار، أن «حصاد هذا العام كان وفيراً، حيث تجاوز ولأول مرة العشرين طناً»، وأوضح أن «جمعية منتجي التين ومن خلال هذه التظاهرة تحاول تقديم الدعم للمزارعين من أجل بيع وتسويق منتوجهم»، وأكد أن «هدف هؤلاء تسويق منتوجهم خارج الجزائر»، وأوضح في هذا السياق أن «طلبات عديدة تصلهم من دول أوروبية ودول الخليج، لكن الأوضاع المادية للمزارعين لا تسمح بتلبية تلك الطلبات»، لذلك عبّر عن «أمنيته بتدخل المستثمرين الكبار من أجل دعم هذه العمليات، أو من خلال تكتل المزارعين في تعاونيات فلاحية مشتركة من أجل القيام بعمليات تصدير ناجحة لهذه الدول»، وأكد بكوش أنه «وقف شخصياً على تلك الطلبات من خلال مشاركاته العديدة في معارض دولية وبشكل خاص في فرنسا».
وأكد بكّوش أن «تين آيث معوش يُعدُّ المنتوج الفلاحي الثاني بعد دقلة نور الجزائرية الحاصل على وسم الجودة من وزارة الفلاحة وذلك عام 2016، حينما حصل على شهادة المطابقة من الهيئة الجزائرية للتصديق، وهي الشهادة التي تثبت ضمان المنتوج لدفتر الشروط ومدى احترامه ومطابقته للمعايير المحلية والدولية للمنتجات الفلاحية، وبذلك أصبح المنتجان يتمتعان بحماية المعهد الوطني الجزائري للملكية الفكرية، وحتى بحماية المنظمة العالمية للملكية الفكرية». 

 




 تظاهرة التين المجفف فرصة للترويج للمنتوج المحلي وتسويقه

 


بكوش نوّه بأهمية هذا الوسم على اعتبار أنه بات شرطاً ضرورياً للتعامل مع الهيئات التجارية الدولية وخاصة الأوروبية. وأوضح أن «المعهد التقني لزراعة الأشجار المثمرة والكروم هو الذي يشرف حاليا، بشكل مؤقت، على تصديق المنتجات الفلاحية». وكانت الجزائر قد انتهت سنة 2014 من إعداد النصوص التنظيمية المتعلقة بمنح العلامات التجارية للمنتجات الفلاحية، وتضم الجزائر حوالي ستين منتجا قابلا لاكتساب علامة تجارية.
وبخصوص أثر منح العلامة التجارية للمنتجات على الاقتصاد المحلي والريفي خصوصا، أكد أن «هذه الخطوة ستسمح بتحسين شروط معيشة سكان الأرياف من خلال تشجيعهم على ترسيخ مهاراتهم وحماية تراثهم مع إعطائه قيمة مضافة». وعلى سبيل المثال أشار إلى أن منتوج التين المجفف لبني معوش الذي أصبح يسوق اليوم ب1.200 دج/كغ مقابل 400 دج سابقا مضيفا أن «هذه الزيادة تعود بالفائدة على المنتجين و عائلاتهم». 
وتشتهر الجزائر بالعديد من المنتجات المحلية أو الأصيلة، يمكن العمل على توسيمها والمصادقة عليها،  حيث إن المحافظة عليها وتثمينها خطوات تساهم في تحقيق الأمن الغذائي، مثل أشجار الامهاه ببوفاريك، والتي تقدر بالمئات، منها ما أخذ من طرف الفرنسيين بعد استقلال الجزائر، إلى جانب أصناف نادرة من التين هي في طريق الانقراض توجد على مستوى بعض الجبال مثل: أولاد دريس بسوق اهراس، وتيبازة، وعين الدفلي، وبجاية، إلى جانب شعبة التمور التي توجد منها مئات الأصناف على مستوى الجنوب الكبير والصحراء الكبرى، منها: المنيعة، وتمنراست، وبشار.
كما تشتهر الجزائر بأشجار الكروم أو العنب، ومنها عدة أصناف وأنواع تواجه خطر الانقراض بمحطة التجارب بمعسكر والمدية التابعة للمعهد الوطني للأشجار المثمرة والكروم، إلى جانب منتجات أصلية أخرى من الخضراوات كالخرشف وما يسمى محلياً بالقرنون بمنطقة واد رهيو ويلل بولاية غليزان، والتي تفقد حسب خبراء العناصر الجينية سنة بعد سنة. 

 




 تظاهرة التين المجفف فرصة للترويج للمنتوج المحلي وتسويقه

 


التحديات السابقة أمر دفع بمجموعة من المهتمين والخبراء إلى إنشاء جمعية للمنتجات الأصيلة، هدفها العمل على تجميع المنتجين الذين يشتغلون في مجال المنتجات الأصيلة، مع إحصاء بعض المنتجات المنسية أو تلك التي تواجه خطر الانقراض، مع تنظيم دورات تكوينية للمزارعين من أجل تعزيز قدراتهم في رعاية هذه المنتجات، والحفاظ عليها، تحقيقاً للأمن الغذائي، ودعماً للاقتصاد المحلي.
وإلى جانب التين بمختلف أنواعه، تُعدُ تمور «دقلة نور» من أجود أشهر أنواع التمور جزائرياً وعالمياً،  وتلقب بـ«سيدة التمور»، و«أصابع الضوء»، تتميز بطعمها العسلي ولونها الذهبي، و«دقلة نور» تعد على رأس 300 من أصناف النخيل المنتشرة في الجزائر، وصاحبة الإنتاج الرئيسي لعدد من واحات الجنوب الجزائري، خاصة في ولاية بسكرة ووادي سوف. 
وتروى عدة روايات عن أصل التمسية، ويذكر أحد الباحثين أن أصل اسم «دقلة نور» أن «نورة ولية من أولياء المسلمين مدفونة في الحريحيرة من قرى توجرت، ويحكي العرب أن هذه الولية قد توضأت لتصلي فنبتت نخلة في مكان ماء الوضوء، فسمي تمر هذا الصنف من الدقل دقلة نور»، وتنتج الجزائر نحو4.7 مليون قنطار ويتم تصدير أغلبها خارج البلاد.