معارضة اللقاحات بين السياسيين والعلماء

مقابلة مع الدكتورجوناثان بيرمان، مؤلّف كتاب جديد عنوانه «معارضو اللقاحات: كيف نواجه حركةً مضلّلة»

* علاج الجائحة سيتطلّب وقتًا طويلًا قبل شعور النّاس بالأمان الكافي للسّير مجدّدًا بين الحشود
* بعض استطلاعات الرأي أظهرت تشكيك النّاس في اللقاح المستقبلي، لكنّ معظمهم يرغبون في التوصّل إلى أيّ مستوى يمكنهم الحصول عليه من الحماية المناعية

لندن: يسارع العلماء حول العالم لإيجاد لقاح يضع حدًّا للموت والخراب الاقتصادي الناتج عن كوفيد-19 الذي أعاد إحياء مخاوف قديمة وحالة من انعدام الثقة. وبدأت نظريات المؤامرة وحملات التضليل حول الخطر المرتقب للقاح الذي قد يتمّ التوصّل إليه بالانتشار على شبكة الإنترنت بعد وقت قصير جدًّا من إعلان أولى الإصابات بفيروس كورونا. ولعلّ هذه النظريات ولّدت نفورًا غير مفاجئ من استخدام أيّ لقاح مستقبلي لعلاج كوفيد-19 قد يؤدّي إلى مشكلة تطالنا جميعًا. ولكنّ هذه الحالة تطرح السؤال التّالي: كيف نغيّر رأي الأشخاص الذين يفضّلون تصديق نظريات غير مثبتة على النصائح الطبية الصادرة عن الأطبّاء والسلطات الصحية العامّة؟
ويجيب الدكتور جوناثان بيرمان، الباحث المتخصّص في حركة معارضة اللقاحات على هذا السؤال في كتابه «معارضو اللقاحات: كيف نواجه حركةً مضلّلة» الذي يبحث فيه تاريخ حركات معارضة اللقاحات من سوابق حصلت في القرن التاسع عشر وصولًا إلى الظاهرة الحالية، ويقدّم استراتيجيات لدحض ادعاءاتها.
يعمل الدكتور بيرمان أستاذًا مساعدًا في العلوم الأساسية بمؤسسة تكنولوجيا نيويورك في كلية نيويورك للطب التقويمي التابعة لجامعة ولاية أركنساس، ويعتبر أحد مؤسّسي حركة «مسيرة لأجل العلم» ويصف نفسه بـ«العالم» ومدرّس علوم ومناصر للعلم.
وفيما يلي نصّ المقابلة مع الدكتور بيرمان:
 
* يستطلع كتابك السوابق التاريخية لجدالات معارضة اللقاحات. كيف كانت الشائعات المتعلّقة باللقاحات تظهر وتنتشر قبل عصر التواصل الاجتماعي؟
- كان النّاس في الماضي يرسلون المنشورات ويقودون حملات التأثير، ويراسلون مكاتب التحرير، ويضغطون على الحكومات، ويكتبون الكتب، وينظّمون التظاهرات، ويرسمون كاريكاتورات سياسية. وتشبه هذه النشاطات بمعظمها ما يفعله معارضو اللقاحات اليوم باستثناء أنّ هؤلاء يتمتّعون بنطاق وصول أوسع من السّابق. وتقودنا وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير متعمّد إلى عزل أنفسنا عن مصادر معلومات قد تحرّك المنطق فينا. فقد بات بإمكاننا الوصول إلى الميمات وقصص الأخبار والحكايا التي تدعم ما نريد تصديقه والطريقة التي نرى بها أنفسنا. وتبرز المشاعر النافرة من اللقاحات مع الوقت ولأسباب كثيرة ولكنّها تنتج في المرتبة الأولى عن الخوف والسيطرة، إذ يخاف الكثيرون من التجاوزات التي قد ترتكبها الحكومات وإجبارها لهم على الخضوع لإجراءات طبية معيّنة.
 
* ما الأسباب الرئيسية لفقدان النّاس الثقة بلقاح مضاد لفيروس كورونا؟
- تسبّب إجراءات التباعد الاجتماعي والإقفال التّام التي اضطررنا إلى التقيّد بها بسبب فيروس سارس-كوف-2 الكثير من الارتباك في حياة النّاس والأعمال. وسجّلت الحكومات وشركات صناعة اللقحات أداءً ضعيفًا لجهة التواصل مع المجتمع حول احتمال التوصّل إلى لقاح، ما أفسح المجال أمام نظريات المؤامرة لتعويض هذا الضعف. ففي روسيا، تمّ ترخيص لقاح «سبوتنيك في» بعد اختبارات واعدة شملت 76 شخصًا فقط. أما في الولايات المتحدة، فيعيش النّاس في حالة خوف من احتمال ضغط ترامب على مسؤولي القطاع الصحّي لترخيص استخدام أي لقاح في الحالات الطارئة.
 

* تلقّى النّاس رسائل متضاربة حول خطورة الجائحة نفسها. هل ساهم الارتباك الذي شعر به النّاس نتيجة المواجهة بين خبراء الصحّة والسياسيين في تقوية حركة معارضة اللقاحات؟
- يقف اللاعبون السياسيون في معظم الأحيان في صف الخبراء لأنّهم يدركون أهمية الإدارة الصحيحة. ولكن توجد حالات نادرة يؤيّد فيها السياسيون الحركات المعارضة للّقاحات كحركة «فايف ستار» (خمس نجوم) في إيطاليا. وعندما يعارض السياسيّون مشروع اللقاح أو ينشرون معلومات مغلوطة يساهمون في القضاء على الثقة.
 
* يراقب خبراء الصحة العامّة تراجع ثقة النّاس بفرضية التلقيح قبل ترخيص أيّ لقاح ويحاولون اليوم إيجاد طريقة لاستعادة هذه الثقة. تعتبر في كتابك أنّ «النّاس يغيّرون قناعاتهم من تلقاء أنفسهم ولا يمكننا فعل هذا الشيء بالنيابة عنهم». من وجهة نظرك، كيف يجب أن يتعامل خبراء الصحّة والحكومات مع معارضي اللقاحات؟
- يبدأ الأمر بوضع خطّة تواصل فعّالة لأنّ امتناع هذه الجهات عن الكلام يمنح كيانات أخرى كمسؤولي شركات الأدوية ومطلقي نظريات المؤامرة والناشطين المعارضين للقاحات فرصة لملء هذا الفراغ. ولحسن الحظ، يفوق عدد الأشخاص الذين يتلقّون اللقاحات عادةً الأرقام التي تُظهرها استطلاعات الرأي، ولكنّنا اليوم بحاجة إلى شفافية في وضع الدراسات ووعود بعدم المطالبة بتراخيص لاستخدام أيّ لقاح في حالات الطوارئ قبل استكمال المراحل التجريبية الثلاث وتقديم المزيد من التطمينات التي تؤكّد للنّاس أنّ اللقاح تجاوز المراحل المطلوبة قبل ترخيصه.
 
* تعتبر أنّ الجهود الفعّالة الداعمة للّقاحات يجب أنّ تركّز على الجوانب الثقافية بدل الدخول في حرب مع منشورات التواصل الاجتماعي. هل يمكنك تقديم شرح أوضح لوجهة نظرك هذه؟
- ينظر الآباء والأمّهات إلى جيرانهم ورجال الدّين والعائلة عندما يتعلّق الأمر باتّخاذ قرارٍ يخصّ الأبوّة، أي إنّ التطمينات التي يقدّمها عالمٌ يعمل في شركة ضخمة أو حكومة بلدٍ أجنبي لن تكون بالضّرورة مطمئنةً لهم. يستطيع النّاس الذين يعون أهميّة اللقاح أن يتواصلوا مع الشبكات التي يثقون بها للتعبير عمّا يشعرون به في هذه المسألة وعن أهميّة اللقاح. بمعنى آخر، يمكن لرأي أحد الأقرباء أن يكون له تأثير أكثر من ألف تصريحٍ صادرٍ عن العلماء.
 
* يُعتبر تعقيد الأمور في الأزمات الصحيّة العامّة من طبيعة الأعمال الحزبية كما حصل في موضوع ارتداء أقنعة الوجه الذي اعتبرته أقليّة من الأميركيين موقفًا سياسيًا ضد الرئيس ترامب وفي مسألة ضغط الإدارة الأميركية على الوكالات الصحية لتعجيل ترخيص اللّقاح. ما هو مدى صحّة هذه المخاوف من تحكّم السياسية في لقاح كوفيد-19؟
- لم ألحظ حتّى اليوم أي دليل على استعجال اللقاح ولا على أنّ هناك نوايا للحثّ على استعجاله. يشعر النّاس بالقلق من هذا الاحتمال بسبب إصدار ترخيص لاستخدام عقار هيدروكسي كلوروكين في الحالات الطارئة والذي يثبت يومًا بعد آخر عدم فعاليته، بالإضافة إلى العلاج ببلازما النقاهة الذي لا تزال البيانات العلمية المتوفّرة حوله غير كافية. لا أستبعد أن يقوم ترامب بأيّ شيء للفوز بالانتخابات (حتّى ولو كان يعرّض النّاس للخطر) ولكنّني آمل أن لا يرضخ المسؤولون في الإدارات المعنية لضغوطه.
 
* يبدو أنّ حركة معارضة اللقاحات جزء من مشكلة أكبر وأكثر جديّة تتمثّل بفقدان النّاس للثقة بالخبراء والخبرات. ما هو السبب الكامن خلف «رفض الخبراء» وما هي أفضل مقاربة يمكن اعتمادها للتعامل مع أزمة الثقة؟
- أعتقد أنّ التشكيك في الخبرة أمرٌ ضروري ولكنّه ليس كافٍ لنكران وجود أي لقاح. وأرى أنّ الكثيرين يحاولون أن لا يتجاهلوا الخبراء (رغم أنّ هذا الأمر يحصل في أحيانٍ كثيرة)، ولكنّهم غالبًا يمنحون صفة الخبير للشخص الخطأ. فإذا كنتم تستطيعون الاختيار بين شخصين للاستماع لأحدهما ولا تملكون سببًا وجيهًا يدفعكم لانتقاء أحدهما، فستميلون على الأرجح إلى اختيار الشخص الذي يؤكّد معتقداتكم.
 
* هل يبدو التردّد في تلقّي اللقاح شائعًا في الدول المنخفضة الدّخل كما هو الحال في الدول المرتفعة الدّخل؟
- تلعب الوفرة الدّور الأكبر في تحديد نسبة الحصول على اللقاح عالميًا. فإذا كانت اللقاحات متوفّرة، يحصلُ النّاس عادةً عليها. ففي الدول المتطوّرة، يكون معارضو التلقيح ميسورين ماديًا ويعيشون في الضواحي. وعندما ننظر إلى نسب التردّد في تلقّي اللقاح حول العالم، غالبًا ما تكون أعلى من نسب رفض اللقاح بشكل تام.
 
* هل أضرّت حركة رفض اللقاحات بالثقة في سلامة اللّقاح إلى درجة قد تؤثّر على القضاء على الفيروس؟
- لن نتمكّن غالبًا من القضاء على فيروس سارس-كوف-2 بشكل كامل لا سيّما وأنّ البشرية لم تنجح في القضاء إلّا على مرضين هما الجدري والطّاعون البقري الذي لا يؤثّر على البشر. واحتاج القضاء على مرض الجدري نحو 200 سنة من التطعيم ويمكن القول إنّنا على شفير إنهاء شلل الأطفال وإنّ السيناريو الأكثر واقعية هو أنّ وجوده سيندر مع الوقت في ظل الجهود الحالية التي تسعى لمنع انتقاله من دولة إلى أخرى. ويوجد عدد من اللقاحات التي يتمّ تطويرها في عدّة دول، ما يعني أنّ قصّة علاج الجائحة ستتطلّب وقتًا طويلًا قبل شعور النّاس بالأمان الكافي للسّير مجدّدًا بين الحشود. وصحيح أنّ بعض استطلاعات الرأي أظهرت تشكيك النّاس باللقاح المستقبلي، ولكنّني أعتقد أنّ معظم النّاس يرغبون في التوصّل إلى أيّ مستوى يمكنهم الحصول عليه من الحماية المناعية.