بلعربي جزائري شاب نعتوه بالمجنون فأصبح نجماً في هوليود

أثنى عليه نجوم هوليود... ورسم بوسترات لعدة أفلام
 
* بلعربي الذي كان عاشقا للرسم حينما كان طفلاً لم تمنعه ظروف الفقر وسخرية الناس منه في صقل موهبته الفنية
* اضطر لترك المدرسة مبكراً والخروج إلى الشارع لامتهان وتزيين المحلات، لكن الشارع لم يكن رحيماً به
* بلعربي الذي شق مسيرته وسط طريق محفوف بالأشواك عبّر عن حلمه في فتح مدرسة عالمية للشباب العربي لإبراز مواهبهم، معبّرا عن استعداده لإعطاء كل ما عنده من خبرة وتجربة ورصيد فني

الجزائر: بعد أن وصفوه بالمجنون، وعاش طفولة تعيسة في حرمانٍ وفقرٍ مدقع، نجح الشاب الجزائري شمس الدين بلعربي المعروف بين الأوساط الفنية باسم Chemsou Belardiفي صنع اسم لافت في هوليود وعالم الأفلام. 
بلعربي الذي كان عاشقا للرسم حينما كان طفلاً لم تمنعه ظروف الفقر وسخرية الناس منه في صقل موهبته الفنية، وكانت صور مشاهير هوليود التي يراها في الجرائد المرمية في الطرقات مصدر إلهام له، حيث كان يلتقط تلك الجرائد ويأخذها للبيت ويقوم بإعادة رسمها.
في بلدية عين تادلس بمحافظة مستغانم غربي الجزائر، المدينة التي عرفت قديماً باسم «موريستاقا»(Muristaga)  وأعاد بناءها الرومان في زمن الإمبراطور غالينوس(260 - 268)  كما عرفت باسم «كارطيناي»Cartennae))، كانت المدينة من مجالات قبيلة زناتة الهامة ممثلة بفرعها مغراوة، والتي كان مجالها الرئيسي بين تلمسان وتونس. ودخلها المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين سنة 1082، وقام ببناء القلعة القديمة بها المعروفة بـ«برج المحال». في هذه المدينة التاريخية وُلِد شمس الدين بلعربي في الرابع عشر من فبراير عام 1987.
شمس الدين الذي بات مشهوراً باسم )شمسو(شغفه بالريشة بدأ مبكراً حسب ما رواه لـ«المجلة»، حينما قال: «في مرحلة الطفولة كُنت مهتماً بالرسم، كانت تدفعني الموهبة إلى الرسم في كل وقت، خاصة في المدرسة، في الفصل كنت متعلقاً بمادة الرسم أكثر من بقية المواد على غرار الرياضيات والفيزياء، وعندما كنت أعود من المدرسة تجاه البيت يصادف أن أجد في الطريق الجرائد مرمية على جانب الشارع، كانت تجذبني الصور البراقة لنجوم السينما، فألتقط هذه الجرائد من على الأرض، وآخذها معي إلى البيت وأرسمها، وبدأ المعلمون يكتشفون موهبتي، وبدأت أعطي الأهمية لمادة الرسم أكثر من باقي المواد الدراسية».
ولأن ظروفه المعيشية والأسرية كانت قاسية، اضطر لترك المدرسة مبكراً والخروج إلى الشارع لامتهان وتزيين المحلات، لكن الشارع لم يكن رحيماً به، فقد تعرض لاستغلال، وكان في مرات عديدة يُحرم من أجرته وأتعابه، وخلال تلك الفترة يواصل سرد قصته: «كنت أذهب إلى قاعات السينما أشاهد الأفيشات والملصقات، والصور الضخمة لنجوم السينما عند أبواب القاعة، وعندما أعود إلى البيت أقوم برسم كل ما شاهدته على أوراق الرسم». ويواصل: «كنت أعيش مع عائلتي تحت سقف مكسور، وكانت الأمطار تهطل بغزارة على سقفنا، وأتلفت الكثير من أعمالي الفنية، وأنا في هذا الوضع البائس»- يتابع: «خطر على بالي إرسال الرسومات إلى شركات الإنتاج السينمائية الأميركية، لكن تلك الرسومات كانت مرسومة بأدوات شبه بدائية (الطباشير والألوان المائية المخصصة للأطفال)، لأنني كنت من عائلة فقيرة ولم أستطع شراء أدوات الرسم الخاصة بالمحترفين، وبدأ الناس ينعتونني بالمجنون».
وبعدها بدأ بلعربي في رسم اللوحات الكبيرة بمواد بسيطة، ويشارك بها في المهرجانات المحلية للفن التشكيلي، وأصبح يمثل محافظته (مستغانم) في كثير من المهرجانات، لكن تلك المسيرة تعثرت بعد أن دخل في مرحلة وصفها بـ«الصعبة جداً» حينما لجأ للعمل في المعامل والمصانع لإعالة أسرته، وبسبب ظروف العمل القاسية تأثرت صحته، ودخل المستشفى لمدة ثلاثة أشهر بسبب مرض في المعدة.
معاناة بلعربي مع المرض ومع الحرمان استمرت إلى أن جاءت البشرى ذات صباح، حينما استقبل رسالة إلكترونية من المنتج الأرجنتيني خوان مانويل أولميدو رئيس شركةإنتاج سينمائي، ويعمل بالشراكة مع استوديوهات هوليود، بعد أن أعجب بأعماله، وقدمها إلى المنتج والممثل السينمائي الكبير ميشيل قيسي الذي يعتبر من عمالقة السينما الهوليودية، وعرف بأعماله في أوروبا وأميركا، واسمه الحقيقي محمد قيسي من مواليد 12 سبتمبر (أيلول)1962 بمدينة وجدة، شمال شرقي المغرب، وهو كاتب سيناريو ومخرج ومنتج وممثل عالمي معروف بتأديته لأدوار الشرير في أفلام الحركة، من أهم أدواره دور الشرير تونغ بو سنة1989  في فيلم «ركلة ملاكم»ضد صديقه جين كلود فان دام، القيسي، وبعد أن أعجب بأعمال بلعربي قام بنشرها على موقعه الرسمي وأثنى عليها، وبدأت الطلبات تصل بلعربي من المنتجين السينمائيين من كل العالم، وتم تسجيل اسمه في قاموس السينما العالمي IMDB باعتباره آخر فنان في أفريقيا لا يزال يصمم ملصقات الأفلام العالمية بالطريقة التقليدية أي عن طريق الرسم.
وتاريخيا كان هذا الفن، أي تصميم الملصقات، شائعا عند الفنانين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، ففي حوالي عام 1866، بدأ الفنان الفرنسي جول شيريه بإنتاج أكثر من ألف ملصق ملون كبير الحجم، باستخدام الطباعة الحجرية الملونة التي كانت حديثة الاختراع، وفي التسعينات من القرن التاسع عشر، اكتسب الفنان الفرنسي هنري دوـ تولوز لوتريك شهرة بسبب تصميماته الجميلة الواضحة للملصقات التي صممها للمسارح وقاعات الرقص. وصمم عدد من الفنانين في القرن العشرين ملصقات تم جمعها على أنها أعمال فنية.
وعادة ما يحتوي أفيش أو بوستر الفيلم على موجز لكل ما فيه سواء فكرته أو أبطاله، ومخرجه ومؤلفه، وتقاس قوة البوستر أو الأفيش بقدرة صانعه على إيصال رسائل الفيلم بأكبر قدر من التعبيرية وعدم المباشرة، وفي السنوات الماضية، وخاصة في الستينات والسبعينات تُعدُ أفيشات أو بوسترات الأفلام، أهم جزء في تقديم الفيلم للجمهور، ويتوقف عليها جذب وتشويق المشاهد، للإقبال على الفيلم المعروض، فمع نهاية تصوير كل فيلم، يستعين المنتج بمصممي الغرافيك من أجل إخراج بوستر جذاب ومبهر قدر الإمكان، ويجب أن يتضمن البوستر رسالة الفيلم، وكل شيء يلفت انتباه المشاهد.
البوستر الناجح، حسب بعض النقاد هو «القادر على جذب انتباه الجمهور من خلال الألوان المستخدمة في العرض البصري، وتصميمه وإخراجه، وقدرته على إبراز الشخصيات الأساسية في الفيلم، وطريقة كتابة الأسماء، حتى لا يرهق العين، كما أن نجاح الأفيش يتوقف على علاقة الحب أو الإعجاب، التي تنشأ بين العين والصورة المقدمة».

وعن هذا الفن يقول بلعربي: «الأفيش هو فن كلاسيكي قديم انتهى زمنه لأن التكنولوجيا المتطورة الرقمية أصبحت رائدة بسبب التطبيقات والبرامج المستعملة في هذا المجال، ولكن وبحمد الله نجحت في إعادة هذا الفن إلى الساحة الفنية، ونجحت في تقديم إضافات لإثراء هذا الفن من خلال الرسم الزيتي، والتركيز على المبالغة الفنية في الظل والنور والكتابة بخط عصري جميل واستعمال الألوان الجذابة الممزوجة بطريقة الذوبان اللوني لإبرازها قريبا من الصورة الواقعية، لقد أعدت...»يتابع: «تركيب الملصق المرسوم، وأخرجته من دائرة اللوحة التشكيلية إلى رسم مركب بأبعاد مختلفة لتقريب فكرة الفيلم للمتلقي، والتعريف بمضمون الفيلم، وفي بعض الأحيان أستعمل الصورة الحقيقية وأضيف لها تزيينات فنية بالريشة بما تعجز الآلة الرقمية عن إضافتها».
وخلال مسيرته نجح بلعربي في رسم وتقديم العديد من أفيشات الأفلام الأميركية، مثل: فيلم «الضربة القاضية»(GARRA MORTAL )، وفيلم (The News )، وفيلم (HONOR )، وفيلم (the Immigrant )، وصمم ملصقق (BUKS OF AMERICA ) ويؤكد بلعربي أن «الأفيش الأقرب إلى قلبه هو أفيش فيلم (Chinese Hercules The Bolo Yeung Story )، وهو فيلم وثائقي يروي قصة الممثل الأسطورة بولو يونغ، ويتناول مسيرته الفنية وأوضح أنه «كان له شرف تصميم ملصق هذا الفيلم الوثائقي التأريخي».
وأوصح بلعربي أن  (BUKS OF AMERICA)إلى جانب كونه فيلماً هو أيضا يضم كتابا بمثابة قاموس يحكي تاريخ الجنود السود الذين قاتلوا في الحرب الثورية خلال مذبحة بوسطن في معركة بونكر عيل التي جرت أحداثها في السابع عشر من يونيو (حزيران) 1775، وأوضح بلعربي أن هذا الكتاب المطبوع سيوزع خلال المهرجانات السينمائية والمكتبات الوطنية بالولايات المتحدة الأميركية، وتضمن الكتاب صفحة لكل شخصية شاركت في هذا الفيلم، وتم تخصيص صفحة كاملة عن بلعربي وعن مسيرته الفنية، وكشفه بلعربي أنه «الإفريقي والعربي الوحيد المذكور في الكتاب، وتم تسجيل اسمه وسيرته إلى جانب ألمع نجوم هوليود».
ومما جاء في الكتاب: «الفنان الجزائري شمس الدين بلعربي يُعدُ واحداً من الرسامين الجيدين الذين أكدوا حضورهم وجدارتهم في مسيرة فن الملصق على صعيد رسم ملصقات الأفلام الروائية والسينمائية العالمية، حين نستعرض عطاءه في مجال رسم الملصقات التي يعدها مرتكزا أساسيا لعمل الفنان التشكيلي المتخصص برسم الملصق السينمائي، وهو يطمح إلى المواصلة والتمييز، نجد أنه قد أنجز رسم ملصقات عدد من هذه الأفلام، وصمم ملصقق (BUKS OF AMERICA) وكتب عنوان الكتاب بالذهب كتكريم للجنود السود الذين قتلو في المعركة التي حدثت في 17  يونيو (حزيران)1775  خلال حصار مدينة بوسطن».
وعن سؤال حول تعامل المنتج الغربي مقارنة مع نظيره المحلي، قال شمسو في مقابلة صحافية أجراها سابقا مع إحدى الصحف المحلية إن «الاهتمام موجود من الجهتين لكن الفارق هو أن المُنتِج الغربي ينظر إلى هذا الفن بنظرة جادة اقتصادية وثقافية وسياحية، ولهذا يكون تعامله معه في هذا الإطار، أما بالنسبة للمنتج المحلي فيكون بالتشجيع على مواصلة العمل معنويا فقط دون الاهتمام بالجانب الاقتصادي والمادي، ذلك أن قطاع الإنتاج السينمائي ليس سواء، لكنه يعتقد أن بوادر البناء الجاد والحقيقي بدأت تظهر فبعد أن أنجر الكثير من الأعمال في هوليود، بدأ في تحقيق حلمه بوضع بصمته عربياً ومحلياً، وهو الآن بصدد إنتاج بوستر جديد لأحد أعمال المخرجة والمنتجة الجزائرية العالمية سميرة الحاج جيلاني».
بلعربي الذي شق مسيرته وسط طريق محفوف بالأشواك عبّر عن حلمه في فتح مدرسة عالمية للشباب العربي لإبراز مواهبهم، معبّرا عن استعداده لإعطاء كل ما عنده من خبرة وتجربة ورصيد فني، مؤكدا أنه وجد تجاوباً لتبني هذا المشروع، ويعتقد أن هذا المشروع لو تحقق على أرض الواقع سيقدم الكثير للمواهب الشابة الحالمة وسينتشلها من الركود والبطالة ويفتح لها أبواب التميز والإبداع.
وعن مشاريعه الحالية كشف بلعربي أنه «يعمل على تصميم ملصق الجزء الثاني من سلسلة (Agent 89)، إلى جانب مشروع تصميم ملصق فيلم (ALIENS ACTIVITY)، ويطمح إلى جانب ذلك بإقامة معرض لملصقاته الفنية حتى تتاح الفرصة لكل محبي هذا الفن للاطلاع على أسراره وكواليس عمله.
بلعربي احتفى به عدة نجوم من هوليود أبرزهم الممثل العالمي جون كلود فوندام Jean Claude Van Damme ، والذي نشر عبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»إحدى اللوحات الفنية لشمسو بمناسبة اليوم العالمي للحيوانات المصادف للرابع من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، وقد لاقت الصور تفاعلاً كبيراً بين رواد شبكات التواصل الاجتماعي على مستوى العالم.