رحل المعلم.. ولكن بقي «المعلم»

* سيأتي وزير آخر، وسيحاول جاهدا أن يتفوق على المعلم بتصريحاته الاستفزازية، وسخريته، وعدم لباقته، خدمة وإرضاء لـ«المعلم»، إلى أن تنتهي أزمة السوريين المتمثلة في غياب الدولة ووجود هذا النظام
 

قبل أيام حلت الذكرى الخمسون لانقلاب حافظ الأسد على رفاقه البعثيين ووصوله إلى السلطة، وكما تم تزوير انقلاب البعث في الثامن من مارس (آذار) بتسميته «ثورة»، تم أيضاً تزوير انقلاب حافظ الأسد فسمي «حركة تصحيحية».
وجوه برزت، أسماء صعدت، وأخرى أفل نجمها، وبقيت مملكة الأسد وحدها جاثمة على صدور السوريين.
لم يكن وليد المعلم، وزير خارجية النظام في الخمس عشرة سنة الأخيرة إلا أحد هذه الوجوه، خبر وفاته الذي تزامن مع ذكرى انقلاب حافظ الأسد على السلطة لم يشكل أكثر من مادة ليتذكر السوريون مواقفه وخصوصا منذ انطلاق الثورة السورية، من هم مؤيدون لنظام الأسد نعوه كما ينعون أي شخصية أخرى، يكاد المرء عندما يقرأ ما يكتبونه عند وفاة أي فقيد لهم، يرى نصا موحدا يتغير فيه فقط اسم الفقيد.
أما السواد الأعظم من السوريين المعارضين لحكم عائلة الأسد، فقد كتبوا يتذكرون من هدد بمحو أوروبا عن الخريطة، ومن طالب أي دولة ترغب بالاعتداء على سوريا بالتنسيق مع النظام، فهذه كلمات وزير الخارجية الراحل وليست نكتة.
في العمق لا شيء يميز وليد المعلم عمن آتى قبله أو سيأتي بعده، هي مجرد وجوه تتبدل لحقيقة واحدة وهي أن نظاماً يتصرف بعكس جميع مفاهيم الدولة العصرية ودولة القانون يجثم على صدور السوريين ودول الجوار.
فإن كانت وظيفة وزير الخارجية في أي دولة في العالم هي بناء علاقات دبلوماسية وهمزة وصل بين العالم ودولته، إلا أن منصب وزير الخارجية السوري هو لسان حال نظام يهدد ويتوعد لا السوريين وحسب، بل وكل من يعارض أو يندد بسياسة القتل والإرهاب التي يرتكبها.
من ينسى مؤتمر وليد المعلم الصحافي في بداية الثورة السورية، حين استعان بصور لاشتباكات في شمال لبنان، وصور لجريمة شنيعة ارتكبت في كترمايا اللبنانية ليقول يومها كذبا وزورا: ها هم الثوار ليسوا سوى مجموعة من الإرهابيين، فضيحة تزوير صور وفيديوهات فقط في سوريا الأسد أمر عادي يمر مرور الكرام، ويبقى بعدها الوزير وزيرا.
هو من هدد بإغراق المعارضة والدول الداعمة لها في التفاصيل، ونجح هو ونظامه في إغراق المجتمع الدولي والمعارضة بتفاصيل التفاصيل، ليته يعرف أنه لم يكن سوى تفصيل صغير عند نظام الأسد الذي أمضى حياته يدافع عنه وعن إجرامه بحق السوريين. 
من اعتبر مطالبة السوريين بحريتهم وكرامتهم «مؤامرة كونية»، عندما اعتقل الأمن قريبا له، رفض أن يبذل أي جهد لإنقاذه وهو الذي يعلم تماما أن الداخل إلى أقبية أجهزة الأمن السورية سيناله من التعذيب ما يوصله إلى الموت، هذا ما حصل لقريبه، استشهد تحت التعذيب دون أن يرف جفن للمعلم، فحياة قريبه كحياة آلاف السوريين، رخيصة إرضاء للمعلم الكبير.
وليد المعلم الذي ببرادته المعهودة سأل يوما: من هو بومبيو؟ (في إشارة إلى وزير الخارجية الأميركي)، سينساه غدا النظام الذي أفنى حياته مدافعا عن جرائمه، فقد رحل قبله من هم أكثر أهمية منه بكثير، وسيرحل بعده الكثيرون. 
وسيأتي وزير آخر، وسيحاول جاهدا أن يتفوق على المعلم بتصريحاته الاستفزازية، وسخريته، وعدم لباقته، خدمة وإرضاء لـ«المعلم»، إلى أن تنتهي أزمة السوريين المتمثلة في غياب الدولة ووجود هذا النظام.