التدقيق المالي الجنائي في حسابات مصرف لبنان

خدعة سياسية أم خطوة نحو الإصلاح؟
* خسائر المصرف المركزي تجاوزت 60 مليار دولار
* عراجي: التدقيق الجنائي يصل إلى محاولة اكتشاف عمليات الغش والتزوير واختلاس الأموال العامة
* وزيرة العدل ماري كلود نجم: هناك جزء من المنظومة السياسية المالية التي لا تحبذ التدقيق الجنائي
* وهبي: استثمار الودائع تتحمل مسؤوليته مجالس الإدارات للمصارف وليس المودعون

بيروت:أقرّت الحكومة اللبنانية يوم 24 أبريل (نيسان) الماضي، إجراء التدقيق الجنائي في حسابات المصرف المركزي، وقررت الاستعانة بالشركة العالمية «كرول»، لكن بناءً على اعتراض وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، على الشركة المذكورة، انتقل الاتفاق إلى شركة «ألفاريز ومارسال»بعقد قيمته مليونا دولار للتدقيق في خسائر المصرف التي تجاوزت 60 مليار دولار، وفق أرقام «خطة الإنقاذ»التي أقرتها الحكومة.
هذه الخطوة جاءت بعد ضغط فرنسي قاده الرئيس إيمانويل ماكرون الذي قال، خلال زيارته الأولى إلى لبنان بعد حادثة تفجير مرفأ بيروت: «إذا لم يكن هناك تدقيق في البنك المركزي، فلن يكون هناك المزيد من الواردات في غضون بضعة أشهر، وبعد ذلك سيكون هناك نقص في الوقود والغذاء». بالإضافة إلى أن هذا التدقيق الجنائي للمصرف المركزي يُعد مطلبًا من صندوق النقد الدولي والدول المانحة التي قد تساعد لبنان في محنته المالية.
ووفقًا للمعلومات، فقد قدّمت شركة «ألفاريز ومارسال»نحو 133 سؤالاً إلى المصرف المركزي، إلا أن الشركة حصلت على 58 رفضاً، بذريعة أن هذه المعلومات محميّة بموجب قانون السرية والمصرفية، وقانون النقد والتسليف. هذه المعطيات أثارت جدلاً واسعاً على الصعيدين السياسي والقانوني بين من أيّد موقف المصرف المركزي ومن رفض استغلال القوانين بغية التهرب من تنفيذ التدقيق الجنائي.

 




المحامية نادين عراجي

 


 
الفرق بين التدقيق الجنائي والتدقيق المالي
مفهوم التدقيق الجنائي جديد نسبياً على الحياة السياسية اللبنانية، لذا أثار الكثير من الاستفسارات والأسئلة. وفي هذا الصدد، توضح المحامية نادين عراجي في حديث لـ«المجلة»أن «التدقيق الجنائي يذهب إلى أبعد من التدقيق المعروف بالمستندات والأرقام، وهو مسار يستمر لأشهر، ويصل إلى محاولة اكتشاف عمليات الغش والتزوير واختلاس الأموال العامة في حال حصولها، وذلك يكون عادةً تمهيداً لتكوين ملف قضائي جزائي، خلافاً للتدقيق المالي العادي الذي يسعى إلى مطابقة الإدارة المالية مع المعايير المحاسبية». وأضافت عراجي أن «التدقيق الجنائي يعني التدقيق التشريحي، أي إجراء تدقيق محاسبي يقوم على تحرير الأرقام عن طريق البحث في خلفيتها ومدى مشروعيتها وقانونيتها، بينما يهدف التدقيق المحاسبي العادي إلى التحقق من صحة القيود ظاهرياً من دون التعمق والرجوع إلى خلفيتها».
كما لفتت إلى أنه «لا يمكن الولوج إلى التدقيق الجنائي دون إجراء التدقيق المالي أولاً». وتؤكد عراجي أن «ما تقوم به (ألفاريز) وفقاً للاتفاق الموقع مع وزير المال هو تقديم خدمات الاستشارات والنصائح، وتقديم تقرير تمهيدي في شأن التدقيق الجنائي، حول نشاطات وحسابات مصرف لبنان، ولا يمكن للدولة اللبنانية استعمال التقرير التمهيدي في أي إجراءات قضائية إلا بموافقة (ألفاريز) المسبقة».
 
صراع داخل تيار رئيس الجمهورية
وبدا لافتاً الخلاف الذي نشب داخل صفوف تيار رئيس الجمهورية حول هذه القضية، حيث انتقال هذا الخلاف إلى سجال بين رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وبعض النواب المنتمين للتيار الوطني الحر من جهة، ووزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم التي اعتبرت أن كل من يعرقل التدقيق الجنائي «يرتكب جريمة بحق الشعب اللبناني». ودعت المجلس النيابي إلى تعديل قانون السرية المصرفية في حال وجود تعارض مع التدقيق الجنائي قبل انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة الممدّدة لعمل الشركة، بالتالي الوصول إلى حائط مسدود.
ولم ينتظر كنعان طويلاً ليرد على نجم، قائلاً في تغريده له عبر «تويتر»:«وزيرة اللاعدل استفاقت على فشلها بعد 9 أشهر من دون إنجاز يتيم، ولم تجد غير التطاول على لجنة المال المشهود على عملها الرقابي المتشدد، خصوصاً على صعيد الموازنات والحسابات المالية، لتحوير الأنظار عن رصيد وزاري يوازي الصفر وأخطاء قانونية عطلّت التدقيق الجنائي». وأضاف: «غريب أن تصبح المطالبة بتعديل قانون للوصول إلى الحقيقة جريمة، بينما تنظيم عقود واستشارات غبّ الطلب وهدر المال العام وتعثر التدقيق الجنائي إنجاز. لي (الذين) استحوا ماتوا!».
ولاحقاً ردّت وزيرة العدل على كنعان في تغريدة، قالت فيها: «تحت نظرهم، أقرّت موازنات الدين والهندسات المالية، واختفت ودائع الناس... ويتحجّجون بالسرية المصرفية بوجه التدقيق الجنائي ويعطون دروساً في القانون!»، وأضافت أن «التدقيق الجنائي لا يحتاج إلى تعديل القانون، بس إذا مصرّين مين مانعن يعدّلوا القانون؟».
وقالت في تغريدة أخرى: «لا أنتظر شهادة من رئيس لجنة انهيار المال والموازنة، لِيقُل ما يشاء، والناس حكم».

 




وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم


 
هدف التدقيق الجنائي هو تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر
وفي هذا الإطار، أشارت وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم في حديث لـ«المجلة»إلى أن «الأزمة المالية والنقدية بدأت قبل تشكيل الحكومة، وتفاقمت تباعاً، بحيث لم يعد يستطيع المواطن الوصول إلى ودائعه. لذا، قررت الحكومة وضع خطة إنقاذ مالية، كما أن المجلس النيابي يدرس قانون استعادة الأموال المنهوبة، وكل ذلك يتطلب معرفة أرقام المصرف المركزي من حيث الاحتياطات والخسائر بشكل دقيق، وهذا ما يُساهم أيضاً في توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات بشكل عادل». وأضافت نجم: «المواطنون وضعوا أموالهم في المصارف، والأخيرة وظفتها في سندات خزينة لدى مصرف لبنان، لذا من الضروري معرفة مصير هذه الأموال، خصوصاً أن هناك الكثير من الشكوك من البعض حول السياسات النقدية التي اتبعت من المصرف المركزي والتي أوصلتنا إلى هذه النتيجة».
وأوضحت نجم أن «تنفيذ العقد يتضمن مرحلتين، الأولى هي مرحلة تجميع المعلومات، والثانية هي إعلان الشركة تسلمها للمعلومات وبدء التدقيق في مهلة 10 أسابيع، إلا أن الشركة لم تتمكن من تخطي المرحلة الأولى حيث أعلن المصرف المركزي أنه لا يستطيع تسليم المعلومات المطلوبة نظراً لالتزامه بقانون السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف». وتابعت نجم: «بناءً على ذلك، قام وزير المال بطلب استشارة من هيئة التشريع والاستشارات بوزارة العدل حول ما اذا كانت السرية المصرفية تشمل المعلومات التي تطلبها شركة (ألفاريز ومارسال)، فجاء جواب الهيئة بثلاث نتائج، الأولى أن هناك قرار واضح من مجلس الوزراء بإجراء التدقيق الجنائي وهو قرار ملزم، والثاني أشار إلى أنه في حال كانت المعلومات المطلوبة تؤدي إلى معطيات متعلقة بالقطاع العام والمال العام فإنها لا تدخل ضمن إطار السرية المصرفية، أما النتيجة الثالثة فلفتت إلى أنه في حال تناول المعلومات أشخاص من القطاع الخاص فيُصار إلى الترميز وبالتالي لا يوجد أي إفشاء للسرية المصرفية في هذه الحالة».
وعن الجهة التي تحملها وزيرة العدل مسؤولية عرقلة التدقيق الجنائي، قالت نجم: «هناك جزء من المنظومة السياسية المالية التي لا تحبذ التدقيق الجنائي». وأضافت:«أي شخص لا يُساهم بتسليم هذه المعلومات إلى وزارة المال التي ستمنحها بدورها لشركة التدقيق فهو يضع نفسه في موقع المعرقل ويتحمل المسؤولية أمام الشعب اللبناني». ولفتت نجم إلى أنها لن تنجر إلى القول بضرورة تعديل قانون السرية المصرفية، فوفقاً لرأيها، لا يتطلب منح هذه المعلومات أي تعديل للقانون، و«بجميع الأحوال فإن المجلس النيابي سيد نفسه ويمكنه إقرار أي تعديل طالما أن الجميع يبدي تأييده للتدقيق الجنائي الذي هو أحد البنود الأساسية في الورقة الإصلاحية».
 
التدقيق الجنائي غير كافٍ!
ولا شك أن السير بالتحقيق الجنائي في مصرف لبنان من شأنه أن يفسر للبنانيين مصير أموالهم التي وضعوها في المصارف اللبنانية. وفي هذا السياق يوضح الخبير الإقتصادي محمد وهبي في حديث لـ«المجلة»أن  المصارف استثمرت ودائع اللبنانيين في سندات خزينة لدى مصرف لبنان، وبالتالي فإنه في حال كان هذا القرار باستثمار الأموال، تتحمل مسؤوليته مجالس الإدارات للمصارف وليس المودعون». كما أشار إلى أن «هناك معيار دولي يطلب عدم تركيز الودائع في اتجاه واحد، بل توزيع وتنويع وتجزئة هذه الاستثمارات، إلا أن المصارف لم تقم بذلك نظراً للأرباح الذي كانوا يحصلون عليها».
وأوضح وهبي أن «المشكلة في لبنان أن البلاد كانت تستورد بحوالي 20 مليار دولار، في حين أن الصادرات لا تتجاوز 3 مليارات دولار، وبالتالي فإن العجز السنوي البالغ 17 مليار دولار كانت تتم تغطيته من تلك الأموال». وتابع وهبي: «كان من المفترض أنه في حال إعلان أي مصرف عدم قدرته على الدفع، أن يقوم بدفع الأموال المتبقية لديه للدولة والعمال والمودعين ومن ثم المستثمرين، إلا أن ما حدث هو تهريب أموال المتنفذين للخارج وهذا ما يفتح الباب أمام التدقيق الجنائي».
وبالتالي، هل يمكن القول إن التحقيق الجنائي سيكشف عن الجهات التي أوصلت لبنان إلى الانهيار؟ لا تعتقد عراجي أنه «يمكن لهذا التدقيق أن يكشف الحقائق المخفية والمخالفات المرتكبة بالمال العام، وعلينا انتظار نتائجه من أجل الحكم على مدى فاعليته». وأضافت عراجي: «كما أن هذا التدقيق  يجب شموله، عبر خطة واضحة، عدداً أكبر من مؤسسات الدولة والإدارات والمجالس والصناديق، ما يشكل ركيزة رصينة للقضاء لملاحقة المرتكبين، لأن مجرد السير فيه من دون أي استراتيجية واضحة أمر غير منتج».
إذن، يبدو أن التدقيق الجنائي دخل في صلب المعارك السياسية التي تُخاض على الساحة اللبنانية، وبات الحديث عن إيضاح مصير أموال اللبنانيين يُواجه بحملات إعلامية ومواقف رافضة بحجة ضرورة تعديل القانون. ولا يخفى على أحد أن طلب ضرورة إقرار أو تعديل قانون السرية المصرفية يدخل ضمن إطار المماطلة والتأخير الذي لطالما كان طريقاً سهلاً لتفادي المحاسبة والمساءلة. ولعل أبرز تعبير عن هذه النية هي المقولة التي لطالما اعتاد اللبنانيون على سماعها بأن «اللجان (النيابية) مقبرة الملفات». وفي المحصلة، وحده المودع اللبناني يدفع أمواله ثمناً للفساد والهدر المستشري في مختلف مؤسسات الدولة.