الصراع بين غانتس ونتنياهو إلى أين؟

احتمالات حل الكنيست وحجب الثقة عن الحكومة والتوجه إلى انتخابات للمرة الرابعة خلال سنتين
لوحة إعلانية لحزب «أزرق أبيض» يظهر فيها زعيم الحزب بيني غانتس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (غيتي)

* الحكومة الإسرائيلية أصدرت تعليماتها للجيش بالاستعداد لاحتمال هجوم أميركي على إيران
إغلاق الأجواء في منطقة الشمال، وتحديداً في هضبة الجولان، خشية تعرض الطائرات الإسرائيلية لصواريخ إيرانية

* ​حالة تأهب على الحدود الجنوبية، تجاه غزة، واحتمال مواجهات قريبة مع حماس
 

تل أبيب: بيانات إسرائيلية لم تصدر صدفة وفي غضون 24 ساعة، وبالتحديد بعد وصول الأزمة بين رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، بيني غانتس، ذروتها وتصدرت الأجندة الإسرائيلية احتمالات حل الكنيست وحجب الثقة عن الحكومة والتوجه إلى انتخابات رابعة، في غضون سنتين، وهو أمر لم تشهده إسرائيل منذ إقامتها عام 48، الأمر الذي يضع نتنياهو في أزمة كبيرة مع اقتراب محاكمته.
المشترك بين هذه البيانات هو الوضع الأمني، والمخاطر المحدقة بإسرائيل من طرفي حدودها الشمالية والجنوبية. وبهذه الحالة يتخوف قادة الأحزاب الصهيونية من اتخاذ أية خطوة سياسية تزعزع أركان الحكومة واستقرارها خشية أن ينعكس بشكل سلبي على الوضع الأمني.
وكما هو معروف في تاريخ إسرائيل، فعندما تقع أزمات داخلية تهدد مكانة رئيس الحكومة، يتم تصدير الأزمة إلى الخارج من خلال تصعيد أمني.
ولكن معروف، أيضا، في إسرائيل، أنه على الرغم من كل الخلافات والانشقاقات والتصدع الداخلي، فأمام أول طلقة من الخارج يتوحد الإسرائيليون.
وفي الحالتين يمكن لنتنياهو أن يتخذ قرارا من شأنه غض النظر عن أزمته الداخلية ولجنة التحقيق التي أقر تشكيلها، خصمه الحالي داخل الحكومة، بيني غانتس، في قضية الغواصات وما تتضمنه من فساد ورشاوى لنتنياهو ومقربيه.
بالنسبة لتعليمات الحكومة للجيش بالاستعداد لاحتمال هجوم أميركي في إيران، فما زالت التفاصيل ضبابية. مسؤولون في الحكومة تحدثوا، بشكل واضح، أن هذه التعليمات لم تصدر بسبب معلومات أو احتمالات بشن هجوم أميركي في إيران، إنما بسبب ضبابية لما يمكن حدوثه خلال الفترة المتبقية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتغيير الإدارة الأميركية. 
ما يثير القلق من قبل جهات إسرائيلية من احتمال اتخاذ ترامب خطوة تؤدي إلى تصعيد أمني هو استمرار الاتصالات والتنسيق بين تل أبيب وواشنطن والاتصالات الهاتفية خلال أسبوعين بين بيني غانتس والقائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي، كريستوفر ميلر، بعد إقالة ترامب لوزير الدفاع، مارك إسبر. وبحسب المسؤولين الإسرائيليين فقد تركزت المحادثات بين الاثنين حول الموضوع الإيراني والوضع في سوريا.
وبالنسبة للموضوع الإيراني وما يتعلق باحتمال توجيه ضربة أميركية، تتخوف إسرائيل من أن أي رد إيراني بمهاجمة أهداف إسرائيلية بشكل مباشر، من قبل سوريا أو لبنان، وفي هذا الجانب لا يمكن لنتنياهو أن يتخذ أية خطوة، حيث القرار يعود إلى ترامب. لكن في شأن إغلاق الأجواء تجاه سوريا والتهديدات الإسرائيلية بشأن استمرار التموضع الإيراني في سوريا كتجاوز للخطوط الحمراء، التي تؤكدها إسرائيل، إلى جانب تقديمها شكوى إلى مجلس الأمن حول هذا الموضوع، مما يثير التخوفات من أن يتخذ نتنياهو خطوة تصعيدية لغض النظر عن أزمته الداخلية، وما يشكله قرار بيني غانتس بتشكيل لجنة تحقيق حول موضوع الغواصات، وتقديم حجب الثقة عن الحكومة في الكنيست والمصادقة عليه بأكثرية النواب.


 

التوقعات في إسرائيل أن يستغل نتنياهو المخاطر الأمنية المحدقة بإسرائيل، خصوصا ما يتعلق بإيران وتموضعها في سوريا ومخاطر ذلك، ويتفق مع غانتس على صيغة معينة تدفع الأخير إلى التراجع
 


 
في الطريق إلى انتخابات رابعة
لقد طرح بيني غانتس احتمال التوجه إلى انتخابات رابعة، وفعل ذلك، أيضا، رئيس المعارضة يائير لبيد، الذي أعلن موقفه من طرح حل الكنيست لإسقاط نتنياهو بل أعلن جهارًا أنه يرى نفسه البديل الأفضل لرئاسة الحكومة.
ويبدو أن موقف لبيد يحظى بدعم حتى من قبل وزراء حزب «أزرق- أبيض»، برئاسة بيني غانتس. فقد أعلن وزير العلوم، يزهار شاي، من حزب غانتس، أن حزبه يدرس إمكانية التصويت مع اقتراح لبيد على مشروع حل الكنيست والتعاون مع أية جهة مؤيدة لهذا الموقف.
لقد أثيرت مسألة الانتخابات الرابعة وحل الكنيست في أعقاب الإعلان عن تشكيل لجنة التحقيق برئاسة القاضي المتقاعد، امنون ستراشنوف، وهو القاضي الذي دعا نتنياهو، في العام 2018، إلى التنحي عن منصبه بسبب التحقيقات ضده في مخالفات فساد جنائية. وحذر نتنياهو في حينه، من أنه إذا لم يتنحَ عن رئاسة الحكومة، فإنه قد يجد نفسه خلف قضبان السجن. 
اللجنة ستقدم استنتاجاتها حتى شهر مارس (آذار)، بعد أربعة أشهر، وفي حال وجهت اتهامات لنتنياهو فسيثير ذلك من جديد مسألة استقالة نتنياهو والتوجه إلى انتخابات رابعة، ولكن من الممكن أن يحدث هذا قبل ذلك، في حال تمت المصادقة على مشروع حجب الثقة عن الحكومة وحل الكنيست.
والسؤال الذي يطرح نفسه إذا ما كان نتنياهو سيتمكن من ترشيح نفسه للانتخابات؟
في حال بقي القانون الإسرائيلي الذي يقضي بمنع منافسة متهم على رئاسة الحكومة جاري المفعول، فسيكون من الصعب على نتنياهو ترشيح نفسه.  
قبل حوالي الشهرين قدمت عضوة الكنيست، ميراف ميخائيلي مشروع قانون يمنع متهما من التنافس لكن الائتلاف الحكومي أسقط المشروع. حاليا الموضوع قيد البحث في المحكمة الإسرائيلية العليا وهناك سيحسم الأمر. فإذا كان قرار المحكمة في صالح نتنياهو وأتيحت له المنافسة في الانتخابات فقد يؤدي ذلك إلى وقف الإجراءات القانونية ضده.
في هذه الأثناء هناك محاولات لإقناع الرئيس رؤوفين ريفلين بمنح العفو عن نتنياهو، وبذلك ينقذ نتنياهو من أزمته.
خلال الفترة القريبة سيتضح أي من القرارات ستتخذ بشأن الانتخابات وإمكانية نتنياهو للترشيح. وفي كل الأحوال فإن إسرائيل تعيش حالة تصدع وصراعات داخلية، هي الأخطر منذ سنوات.

 

وزير الدفاع الأميركي (المقال)مارك إسبر (يمين) يرحب بوزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في البنتاغون يوم 22 سبتمبر 2020 في واشنطن العاصمة (غيتي)
 


 
شخصية غانتس تقوي موقف نتنياهو
منذ لحظة إعلان غانتس عن تشكيل لجنة تحقيق في قضية الغواصات، كان الصوت الأقوى بين السياسيين وجهات إسرائيلية عدة أن الهدف من خلف تشكيل اللجنة سياسي محض يستخدمه غانتس لصالحه، كما أنه يستخدم الجيش كأداة للمناكفة السياسية. وهناك من رأى أن غانتس، ولضعف شخصيته السياسية أمام نتنياهو، في مقابل تراجع حزبه في استطلاعات الرأي وعدم قدرته على الفوز في أي انتخابات مقبلة، سيجعله يرضخ لضغوطات قد يمارسها نتنياهو فيتراجع عن حملته العاصفة، هذه الأيام، ضد نتنياهو ويعود إلى الائتلاف الحكومي، وهذا يعني أنه وحزبه لن يصوتوا إلى جانب أي مشروع يقدم إلى الكنيست لحجب الثقة عن الحكومة. 
إلى جانب تشكيل اللجنة هناك مشكلة الميزانية التي يرفض إقرارها نتنياهو بينما يطالب بها غانتس، الذي يرى أن عدم وجود ميزانية يضر بالوضع العام في إسرائيل وبالوضع الأمني بشكل خاص.
هناك من كتب يقول: «غانتس الذي من البداية يعتقد أن قضية الغواصات هي حقا تثير مخاوف حقيقية لوجود سلوك معيب من جانب كل الجهات المتورطة فيها، يتردد الآن في تشكيل هذه اللجنة منذ فترة طويلة. والآن هو يستخدمها بدرجة أكبر كسوط سياسي لإزعاج بنيامين نتنياهو أكثر من اعتبارها خطوة حقيقية ستعطي الشرعية لمخاوفه».
هذا الموقف جاء في أعقاب موقف سابق لغانتس قبل عدة أشهر قال فيه إنه «يكتفي بموقف المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، بعدم فتح تحقيق ضد رئيس الحكومة في قضية الغواصات، وذلك من أجل سلامة الحكومة».
في تعليقها على قرار غانتس بتشكيل لجنة تحقيق، قالت رفيت هيخت، الخبيرة في الشؤون السياسية: «غانتس لم يتعلم أنه أمام غوريلا سياسية بحجم نتنياهو ليس لديه امتياز التصرف مثل راقصة الباليه التي لم تقرر بعد خطوة رقصتها التالية، وفي نفس الوقت تقوم بإيماءات عامة للجمهور. في عهد نتنياهو هذا ببساطة تصرف مقطوع عن الواقع يصل إلى حد الغرابة».
التوقعات في إسرائيل أن يستغل نتنياهو المخاطر الأمنية المحدقة بإسرائيل، خصوصا ما يتعلق بإيران وتموضعها في سوريا ومخاطر ذلك على إسرائيل، ويتفق مع غانتس على صيغة معينة تدفع الأخير إلى التراجع. وكما يتوقع الكثيرون قد يخرج نتنياهو الفائز في هذه المعركة.
 
الجيش والصراع بين نتنياهو وغانتس
على الرغم من رغبة عدة أحزاب بإبعاد نتنياهو عن كرسي رئاسة الحكومة ويدعمون تشكيل لجنة تحقيق إلاّ أن عسكريين وسياسيين يرون أن الأخطر في الصراع بين نتنياهو وغانتس انعكاسه الخطير على جهاز الأمن والجيش الإسرائيلي.
أحد انعكاسات هذا الصراع، تحدث عنه ضباط كبار في جهاز الأمن، الذين يرون أن مثل هذا الصراع أدى إلى تصدع في العلاقات بين نتنياهو وقيادة الجيش بحيث لا يثق رئيس الحكومة برئيس الأركان، أفيف كوخافي، وهذا بحد ذاته يشكل أكبر خطر أمني على إسرائيل. 
وقد أوردوا في سياق تحذيرهم هذا عدة أمثلة، أبرزها: تحييد كوخافي عن الاتصالات التي أجراها نتنياهو مع دول الخليج حول اتفاقيات السلام وكل ما يتعلق بصفقة الطائرات «إف-35»ومخططات الضم. 
وبحسب ما نقل عن هؤلاء الضباط، فإن «رئيس الحكومة تجاوز المرة تلو الأخرى مطالب رئيس الأركان بالقيام بالخطوات المطلوبة وتوفير الموازنات اللازمة لتنفيذ المهام الأمنية لإسرائيل. في كل ما يتعلق بمواضيع حساسة فإنه تقريبا لا يوجد تعاون بين الاثنين».
جانب آخر في تجاهل كوخافي وعدم إشراكه في كل ما يتعلق بـ«صفقة القرن»إلى حد أنه لم يطلع على خرائط هذه الصفقة. 
وفي أزمة كورونا وكل ما يتعلق بقرار شراء أجهزة التنفس ومعدات مواجهة هذه الأزمة، لم يشارك كوخافي في تفاصيل الشراء. وفي هذا الجانب قال الضباط إنه يوجد لجهاز الأمن والجيش قدرة على شراء مثل هذه المعدات عبر مبعوثيهما المتواجدين في معظم الدول التي حصلت إسرائيل منها على المعدات، أكثر من الموساد والشاباك، وحتى وزارة الخارجية، وهي الجهات التي شاركت في اتخاذ قرار شراء المعدات.


 

اجتماع مجلس الوزراء للحكومة الإسرائيلية الجديدة في قاعة شاغال في الكنيست
 


 
قضية الغواصات
يشكل قرار تشكيل لجنة تحقيق في قضية الغواصات الأكثر احتداما في الصراع الحالي بين نتنياهو وغانتس. وقد تصدرت هذه القضية النقاش الإسرائيلي حول شرعية بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة بعد أن تقدمت «الحركة من أجل نزاهة الحكم»بالتماس إلى المحكمة تطالب فيها بالتحقيق مع شخصيات لها علاقة بصفقة الغواصات بين إسرائيل وألمانيا، ومصادقة ألمانيا على أن تبيع لمصر غواصة، دون معرفة الجهات ذات الشأن في القضية واقتصرت المصادقة على نتنياهو ومقربين له.
وتعتبر قضية الغواصات المعروفة بملف «3000»أخطر الملفات المقدمة ضد نتنياهو وتوجه ضده تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. فقد كشفت الصفقة مع ألمانيا وجود رشاوى تقدر بمئات ملايين الدولارات، يشتبه بتورط نتنياهو ومقربين منه بين الذين عملوا على شراء السفن الحربية والغواصات من شركة «تيسنكروب»الألمانية، ورفضوا ضم شركة كورية للمناقصة، مقابل الحصول على رشاوى ضخمة. وقد تم إخفاء هذه المعلومات عن وزير الأمن، آنذاك، موشيه يعلون، الذي رأى أن «نتنياهو شريك في هذه الفضيحة، ولا توجد أي إمكانية أن يخرج منها بريئا».
وتشمل هذه القضية بندا يقضي بأن لا تبيع شركة حوض بناء الغواصات «تيسنكروب»الألمانية غواصات مشابهة لدول مجاورة لإسرائيل، باستثناء مصر وبعد مصادقة إسرائيل. وتبين من الالتماس الذي قدم إلى المحكمة أن المبعوث الخاص لنتنياهو، المحامي إسحق مولخو، هو الذي صادق أمام الحكومة الألمانية على بيع غواصات متطورة لمصر، بالتنسيق مع مجلس الأمن القومي، الذي يخضع لنتنياهو مباشرة، ومن دون علم يعلون والمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية والجيش الإسرائيلي.
حاليا، ينتظر الإسرائيليون، الأربعاء المقبل، الموعد الذي حدده يائير لبيد لتقديم مشروع حجب الثقة عن الحكومة. وستظهر نتيجة التصويت على المشروع وكيف سيتصرف نواب حزب «أزرق- أبيض»وفي مقدمتهم بيني غانتس، إذا ما كانت إسرائيل تتجه، حقا، نحو انتخابات رابعة.