إيمانويل ماكرون يغضب الجزائريين

وصفوا تدخله بـ: الحنين للماضي الاستعماري

* لم تمض ساعات قليلة على تصريح ماكرون، حتى راجت على شبكات التواصل الاجتماعي معلومات متضاربة بشأن صحة الرئيس عبد المجيد تبون
* تصريحات ماكرون لم تقتصر فقط على الرئيس تبون، وعلى نجاح الحراك من عدمه، حيث جدد تأكيده على أن «بلاده لن تتقدم بأي اعتذار للجزائر عن جرائم الاستعمار»
* تزكية ماكرون لتبون جاءت مع تأكيده على أن الجزائر تعيش مرحلة انتقالية، وهو الأمر الذي ترفضه السلطات الجزائرية، التي تصف ما تعيشه الجزائر على أنه مسار دستوري طبيعي


الجزائر: بينما كان الجزائريون ينتظرون عودة رئيسهم عبد المجيد تبون من رحلة علاجه بألمانيا، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريحات مفاجئة، ليثير عاصفة غير مسبوقة من الانتقادات في حقه من طرف الجزائريين، الذين نددوا بتدخله في شأنهم الداخلي، ووصف بعضهم هذا التدخل بـ«السافر»، وأنه «يعبر عن النفس والحنين الاستعماري الفرنسي للجزائر ولأفريقيا».
حديث ماكرون جاء في مقابله له مع مجلة «ون أفريك» نشرت الجمعة، أشاد فيها بـ«شجاعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي يعالج في أحد مستشفيات ألمانيا بعد إصابته بفيروس كورونا، واعدا ببذل «كل ما بوسعه لمساعدته» في هذه المرحلة التي تعيشها الجزائر.  
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه «سيفعل ما بوسعه من أجل مساعدة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في هذه المرحلة الانتقالية»، وإنه «شجاع»، مؤكداً أنه «ما لم تنجح الجزائر لا يمكن لأفريقيا النجاح».
وتابع ماكرون: «لن تتغير دولة ومؤسسات وهياكل سلطة في غضون بضعة أشهر، هذا مستحيل». وتابع «كان هناك حراك، ولا يزال موجوداً بشكل مختلف، وهناك أيضاً رغبة في الاستقرار»، ودعا إلى «عمل كل شيء من أجل نجاح هذا الانتقال، خصوصاً أن الرئيس الجزائري لطالما دعا إلى الحوار».
وأضاف ماكرون: «هناك أيضاً أشياء لا تدخل ضمن معاييرنا، ونرغب في أن نراها تتغير، ولكن لست أبداً في موقع التوجيه أو إعطاء الدروس»،  وأكد أن «الجزائر بلد عظيم، وأفريقيا لا تستطيع أن تنجح دون أن تنجح الجزائر».
لم تمض ساعات قليلة على تصريح ماكرون، حتى راجت على شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، وعبر أحد المواقع الإعلامية الناطقة بفرنسا من باريس، معلومات متضاربة بشأن صحة الرئيس عبد المجيد تبون، المتواجد بمستشفى كولن الألماني منذ 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد تأكيد إصابته بكوفيد-19 حسب ما أكدته في وقت سابق بيانات رئاسة الجمهورية بالجزائر. تضارب المعلومات دفع بمصادر من رئاسة الجمهورية لم تكشف عن نفسها إلى التأكيد على أن الرئيس يتعافى بشكل جيد، وأن عودته للجزائر باتت قريبة بعد استكمال كل الفحوصات.
رئيس مجلس الأمة بالنيابة الصالح قوجيل، وخلال المصادقة على قانون الموازنة وقانون مكافحة ظاهرة الاختطاف، اتهم، الخميس، أطرافاً لم يسمها بمحاولة زعزعة استقرار البلاد حينما قال «هناك أبواق بصفة خاصة من الخارج يستغلون مرض الرئيس لشن حرب ويفتحون سيناريوهات».
 

محسن بلعباس: فرنسا ما بعد الاستعمار هي جزء من مشكلتنا.



وأكد قوجيل في كلمته الختامية بالمناسبة أن «حرباً إعلامية تشن على الجزائر»، ودعا «المخلصين إلى إدراك خطورتها ومواجهتها كرجل واحد». مؤكداً أن الجيش الجزائري «يحافظ على استقرار واستقلال الجزائر ما دفع الأعداء للطعن فيه مثلما طعنوا جيش التحرير في الثورة المباركة». وعن موعد عودة الرئيس قال قوجيل: «نتمنى الشفاء العاجل لرئيس الجمهورية والعودة لأرض الوطن لمواصلة مهامه في بناء الجمهورية الجديدة».
وكان رئيس البرلمان قد أكد في وقت سابق أن الجزائر تمر بمراحل حساسة في ظل التهديدات المحيطة بها، وقال شنين في كلمة له عقب المصادقة على مشروع قانون الموازنة لسنة2021  على مستوى البرلمان «إن الجزائر تملك مؤسسات منسجمة وعمل النواب في قانون المالية وتجاوبهم في هذا الظرف دليل على الانسجام»،  وتابع: «الجزائريون في أغلبهم متمسكون بالمؤسسات الدستورية والمسار الدستوري الذي أوصلنا لانتخابات رئاسية جاءت برئيس سيعود قريبا معافى لأرض الوطن».
تصريحات ماكرون لم تمر مرور الكرام، بل أثارت عاصفة من الانتقادات، واعتبرها البعض تعبر بشكل دقيق عن النظرة الاستعلائية الاستعمارية التي تواصل بها فرنسا تعاطيها وتعاملها مع المواضيع ذات الصلة بالجزائر، وبغيرها من البلدان الأفريقية.
وفي السياق، اتهم الناشط السياسي المعارض كريم طابو، الذي يعد من أبرز رموز الحراك الشعبي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، باللجوء إلى ما سماه «النفاق السياسي» بسبب الدعم الذي أبداه مؤخرا لنظيره عبد المجيد تبون. وقال طابو، في رسالة مفتوحة إلى ماكرون نشرها الاثنين عبر «فيسبوك» إن «دعمك الظاهر للنظام الجزائري، أحد أكثر الأنظمة التي تقتل الحرية في البحر الأبيض المتوسط، يكشف عن سوء نيتك ونفاقك السياسي».
وفي رسالته النارية اعتبر المعارض الجزائري أن «وراء هذا الموقف تكمن الفكرة الخبيثة القائلة إن دول الجنوب بشكل عام، والجزائر بشكل خاص.. هشة سياسيا وغير صالحة للديمقراطية». وأضافت الرسالة أن دعم ماكرون لتبون يؤكد «تمسك السلطات الفرنسية العميق بفكرة أن السلطة الجزائرية كانت وستبقى حليفا أساسيا والضامن الوحيد المفترض لاستقرار الجزائر». 

 

نقاش مستمر على استمرار غياب الرئيس عبد المجيد تبون  


وقال طابو في رسالته إلى ماكرون «سيدي الرئيس، سيتذكر التاريخ أنه في لحظة.. حاسمة ظهر فيها الأمل وبدأت الآفاق تتفتح أمام شباب جزائري متلهف للحياة والسعادة، اخترتم عالم الأعمال من خلال تماهيكم المخجل مع نظام يتعهد العنف والإقصاء».
من جانبه أكد المعارض ورئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس أن «إيمانويل ماكرون لم يجد بداً من إعطاء دروس في الديمقراطية وإدارة الحكم». وتابع «في حديثه إلى القادة الأفارقة، سمح لنفسه بتوزيع شهادات الشرعية على قادة شعوب الأنديجان التي نمثلها. وعند تطرقه للجزائر، خولت له نفسه بإصدار شهادة ثقة لرئيس الدولة. يقول إنه مستعد لمساعدته فيما يسميه بالفترة الانتقالية. هذا ليس مجرد تدخّل وإنما دليل على أن فرنسا تدير خارطة طريق لبلدنا».
بلعباس تابع مخاطبة ماكرون بالقول: «السيد ماكرون، إن التدخلات المتكررة لفرنسا الرسمية في الخيارات السيادية للبلدان الأفريقية هي تحديداً التي تطرح مشكلة. إن فرنسا ما بعد الاستعمار هي جزء من مشكلتنا إلى جانب كونها جزءًا من الماضي المؤلم للجزائر واأفريقيا. إن الجزائر واأفريقيا لا يمكنهما البقاء إلى الأبد في وضع التبعية في خدمة المصالح الاستعمارية الجديدة».
وبالمناسبة دعا بلعباس القادة الأفارقة وخاصة من وصفهم بـ«المنتخبين من قبل شعوبهم»، إلى «إلغاء مشاركتهم في قمة فرنسا/ أفريقيا التي تم استدعاؤهم إليها بصفتهم وُلاة لتلقي التوجيهات والأوامر». مختتماً حديثه بالقول: «إن الأفارقة قادرون على صنع المستقبل الذي يتطلعون إليه بأنفسهم».
الإسلاميون أيضا كانوا من بين منتقدي الرئيس ماكرون، حيث سارع رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري إلى إصدار بيان عبّر فيه عن موقفه وموقف حزبه من تصريحات ماكرون. وقال مقري: «إنه لم يكن للرئيس الفرنسي الجرأة للحديث عن دعم الرئيس الجزائري في شأن سياسي داخلي لو لم تكن الدولة الجزائرية في وضع سيئ لا يسمح لها بالرد عليه».
ويتابع مقري: «إن هذا الرئيس يتصرف بذهنية استعمارية فجة فيعتبر الجزائر غير قادرة على قيادة نفسها بنفسها، فلا بد لها من الحماية، وهو حينما يتحدث عن دعم الرئيس يَدعمه ضد من؟ هل يدعمه ضد شعبه الذي رفض الدستور؟ أم يدعمه ضد من يعارضه بكل شرعية على مستوى الطبقة السياسية؟ أم هل له معلومات لا يعرفها الشعب الجزائري بما يحدث داخل الدولة الجزائرية؟ أم أنه يعني تحولات إاقليمية ودولية له فيها حسابات يحتاج فيها للرئيس الجزائري الذي سبق له أن عبر عن ثقته به في نواياه بخصوص بعض تلك التحولات؟ ضد من يدعمه؟ وما دخله في كل هذا؟ وأي انتقال يريد دعمه؟ أهو الانتقال الذي عليه الدول الأفريقية وشعوبها الذين ارتهنتهم فرنسا فلم يفلتوا منها استغلالا وإفقارا وتجهيلا وفتنا لا تنتهي؟ منذ متى كانت فرنسا داعمة للجزائر؟ أليست هي سبب بلائنا بعبث أتباعها والذين ربطوا مصالحهم بمصالحها بمقدراتنا لأجلها؟ لقد تجاوز هذا الرئيس المستخف بنا وبمقدساتنا حدوده، وهو حينما يسيء للرئيس بإعلان دعمه له للنجاح في الانتقال، يسيء لنا جميعا كجزائريين». 
وبينما يؤكد مقري أن «الأغلبية داخل المجتمع لا تزال تقاوم النوايا الاستعماربة السيئة»، يعتقد أن «الخطر اليوم أصبح يأتي من داخل الدولة». ويتساءل: «ألم يئن الأوان للوطنيين من داخل الدولة والمجتمع وأصحاب الضمائر الحية أن يتحركوا لحماية البلد كما فعل أسلافهم في مواجهة الاستعمار».


 

ملف الذاكرة يلغم العلاقات الجزائرية الفرنسية


ومن بين مقاطع تصريح ماكرون التي أثارت انتباه الجزائريين، وتسببت في نقاش بين المشاركين في الحراك الشعبي 22 فبراير (شباط) قوله بشكل غير مباشر أن الجزائريين القاطنين في الأرياف يريدون الاستقرار عكس الساكنين في المدن المستمرين في الحراك، وهو نفس التحليل الذي سبق للكاتب الفرنكفوني كمال داود تقديمه عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في مقال له يتحدث عن فشل الحراك الشعبي.
تصريحات ماكرون لم تقتصر فقط على الرئيس تبون، وعلى نجاح الحراك من عدمه، بل تحدث أيضا عن ملف الذاكرة الذي يُعدُ من بين الملفات الملغمة ما بين البلدين، حيث جدد تأكيده على أن «بلاده لن تتقدم بأي اعتذار للجزائر عن جرائم الاستعمار»، معتبرا أن «البديل عن ذلك هو مسار المصالحة وعمل الذاكرة الجاري بين البلدين». 
وجاء الرد على ذلك سريعا، من محند واعمر بالحاج، الأمين العام لمنظمة المجاهدين، وهي أقوى تنظيمات الأسرة الثورية في البلاد وأكثرها رمزية. وقال بالحاج، في فيديو على قناة المنظمة على «يوتيوب» إن «الجزائر لن تتنازل عن مطلب الاعتذار على جرائم الاستعمار الفرنسي»، مؤكدا على أنه «لا يمكن الذهاب في مسعى تصالحي دون اعتذار». وأبرز بالحاج أن تصريحات ماكرون «لا تخرج عن طبيعة النظام الفرنسي صاحب الفكر الاستعماري والتوسعي الذي لم يتغيّر رغم تغير العديد من رؤساء الجمهورية الخامسة». 
وعن دلالات التوقيت لتصريح الرئيس الفرنسي، يؤكد الباحث في العلوم السياسية العمري زكري لـ«المجلة» أن «التصريحات تأتي في ظل معطى أساسي، وهو استمرار غياب الرئيس تبون، وما يثيره الموضوع من نقاش بشأن السيناريوهات المتوقعة»، وبرأي زكري فإن «تواجد تبون في ألمانيا للعلاج له رمزية ودلالة كبيرة» فهي أول مرة تقريبا «يعالج رئيس جزائري خارج المشافي الفرنسية مثلما جرت العادة، وخاصة ما حدث مع الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة».
لذلك يعتقد أن «تصريحات ماكرون لها عدة دلالات، وتؤشر على عدة رسائل، أبرزها أن العلاقات الجزائرية الفرنسية جيدة، ولا يعني تواجد الرئيس في مشفى ألماني غياب الثقة بين الجزائر وفرنسا، ويأتي هذا تصحيحا لما حدث مع فوزر تبون بالرئاسة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث تعامل الرئيس الفرنسي ببرودة غير معهودة مع الحدث».
وبالمقابل يعتقد زكري أن تزكية ماكرون لتبون جاءت مع تأكيده على أن الجزائر تعيش مرحلة انتقالية، وهو الأمر الذي ترفضه السلطات الجزائرية، والتي تصف ما تعيشه الجزائر على أنه مسار دستوري طبيعي في إطار بناء الجمهورية الجديدة، وفي تقدير زكري فإن «تأكيد ماكرون على مصطلح المرحلة الانتقالية، وانتقاده للحراك ووصفه لتبون بالشجاع رسالة تريد فرنسا أن توصل من خلالها أن دعم تبون مرتبط بشروط، أبرزها نسيان الماضي، والتخلي عن فكرة الاعتذار الفرنسي للجزائر، مع استمرار المصالح الفرنسية في الجزائر مثلما كانت سابقا».
بالمقابل يعتقد الإعلامي نجيب بلحيمر أن «ماكرون كان واضحاً في تبني فرنسا الرسمية لنهج السلطة في الجزائر وخطتها»، ويعتبر أن «ما قاله لمجلة (جون أفريك) يؤكد أن النظام سيلقى دعم فرنسا بصرف النظر عن الوجهة».