المعارضة وحصان طروادة الروسي

* وحدهما روسيا وإيران وقفتا في وجه المنظومة الدولية ورفضتا قراراتها، وما كان لهما أن ينجحا لولا انضمام تركيا لهذا المحور، وعملها على تطويع المعارضة السورية للذهاب في خيارات موسكو
 
في بداية عام 2018، وبعد فشل الجولات التسع لمفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة بين النظام السوري والمعارضة، سعت روسيا إلى خلق مسار جديد لحل الأزمة السورية عبر إطلاق مؤتمر سوتشي (مؤتمر الحوار الوطني السوري) إلى جانب مسار آستانة الذي تديره فعليا مع كل من تركيا وإيران دون أن يكون للأمم المتحدة أو الدول العربية والغربية أي دور فيه.
مؤتمر سوتشي الذي رفضه الائتلاف السوري المعارض، أنهى أعماله بالاتفاق على «تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة في الجمهورية العربية السورية ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254».
وصحيح أن المعارضة الممثلة بالائتلاف وهيئة التفاوض رفضت حضور مؤتمر سوتشي، إلا أنها سرعان ما قبلت بمخرجاته وسارعت للمشاركة في اللجنة الدستورية، معللة الأمر بأنه أحد بنود بيان «جنيف-1»والقرار الدولي 2254.
قبل أيام سرب الائتلاف قرارا بإنشاء المفوضية العليا للانتخابات، ومجددا عللوا الأمر بنص القرار على أنه من ضمن بيان «جنيف-1»والقرار 2254.
وإن كان موضوع قرار إنشاء المفوضية قد أحدث ردة فعل قوية رافضة للقرار من قبل قوى وشخصيات معارضة وثورية، ما اضطر الائتلاف ورئيسه نصر الحريري للتلاعب بالكلمات وإعلانهم إيقاف العمل به إلى حين التشاور مع القوى الثورية، وأن ما قصدوه بقرارهم هو انتخابات ما بعد سقوط الأسد، إلا أن نص القرار واضح ويتعارض مع تبريراتهم، فعلى سبيل المثال الفقرة السادسة من مهام المفوضية وفق القرار الصادر عن رئيس الائتلاف تنص على «التعاون والتنسيق مع القوى الاجتماعية المدنية والسياسية في الداخل السوري بما فيها الموجودة في أماكن سيطرة النظام»، بينما تنص الفقرة الرابعة من آليات عمل المفوضية على التشبيك مع كيانات في دول الاغتراب واللجوء «بحيث تتمكن هذه الكيانات من دعم الائتلاف في ملف الانتخابات وتمكنه من تمثيل الشعب السوري». فكيف إذن يتحدثون عن مناطق نظام ومن ثم يقولون بعد سقوط النظام؟
في الواقع، ووفقا لبيان «جنيف-1»والقرار الدولي 2254، فإن اللجنة الدستورية كما مفوضية الانتخابات يتعارضان بشكل مطلق مع البيان والقرار، وطبقاً للقرار الدولي فإن مهمة إعداد الدستور ووضع قانون الانتخابات والإشراف على الانتخابات من مهمة الحكم الانتقالي التي يجب أن تتمتع بشرطين أساسيين وهما أن يكون حكما شاملا أي يمثل كل السوريين وأن يكون غير طائفي. إذن ما يقوله الائتلاف عار عن الصحة ويتنافى مع بيان «جنيف-1»والقرارات ذات الشأن، والترتيب الزمني والموضوعي لخطوات الانتقال السياسي واضحة ولا تقبل التأويل مهما حاول البعض التلاعب بها.
كما أن قرار إنشاء المفوضية يتعارض حتى مع وثيقة تأسيس الائتلاف التي تقول إن المؤسسة تعتبر منحلة متى تم البدء بالعملية الانتقالية، وإنه لا يحق لأعضاء الائتلاف الترشح في المرحلة الانتقالية.
إن كل ما تقوم به المعارضة الرسمية منذ سنتين، إن كان من خلال مشاركتها باجتماعات آستانة أو قبولها بمخرجات سوتشي، إنما هو مشاركة بمسار روسي يتعارض بالكامل مع القرارات الدولية المتعلقة بالشأن السوري وبيان جنيف واحد، وأخطر ما في الأمر أنهم من حيث يدرون فهم يمنحون الأسد «صك براءة»على كل ما ارتكبه من جرائم بقبولهم أن يكون شريكا بالانتخابات. ولكن ثمة أمر لا يقل خطورة عن الأول، وهو أن يدخل حصان طروادة إلى سوريا من خلال انتخابات تقسم البلاد وتعطي شرعية ما لهذا التقسيم، تحت اسم اختيار الممثلين.
فشل الائتلاف ونسيه العالم، ولكن أن يعطي لنفسه الحق في أن يكون هو حصان طروادة لتعويم الأسد أو لتقسيم سوريا فهو ما يستوجب تحركا من القوى والشخصيات الوطنية السورية كما من الدول العربية. 
فالائتلاف الوطني وهيئة المفاوضات واللجنة الدستورية، لم يعودوا سوى أداة يستخدمها ثلاثي آستانة لتطويع الثورة السورية والتحايل على تضحيات السوريين لتمرير مصالحهم بما يتعارض مع مصلحة سوريا وشعبها وثورتها. 
وغني عن القول إن القضية السورية، والتي لا يزال جوهرها ثورة شعبية أرادت لوطنها الكرامة والعدالة والحرية، قد حظيت بحاضنة كبيرة من القرارات الدولية سواء على مستوى مجلس الأمن أو على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة والأجهزة والمنظمات المختصة التابعة لها، هذا فضلا عن مواقف الدول التي عاقبت وقطعت علاقاتها بنظام ارتكب هذا الكم من الجرائم ليس بحق شعبه فقط ولكن بحق المنظومة القانونية التي يحلم البشر أن يعيشوا بها في القرن الحادي والعشرين بعيدا عن القتل والعنف وثقافة الكراهية.
وحدهما روسيا وإيران وقفتا في وجه المنظومة الدولية ورفضتا قراراتها، وما كان لهما أن ينجحا لولا انضمام تركيا لهذا المحور، وعملها على تطويع المعارضة السورية للذهاب في خيارات موسكو، التي تهدف لإفراغ كل قرارات مجلس الأمن من مضمونها ولمنع محاسبة بشار الأسد عن جرائم الحرب التي ساهمت هي نفسها بارتكاب جزء كبير منها.