سوريا ووهم الواقعية بين خبرين

* باسم وهم الواقعية رضخت المعارضة مرارا وتكرارا حتى قبلت بالتخلي عن مسار جنيف وتشكيل هيئة حكم انتقالي لصالح ما فرضه الثلاثي روسيا وإيران وتركيا في آستانة وسوتشي، بينما الواقعية الحقة تستوجب أن تكون المعارضة صوت ضحايا الكيماوي والتعذيب والبراميل، وصوت ملايين اللاجئين والمشردين وصوت الآلاف الذين يقفون بالدور في مناطق النظام بانتظار رغيف خبز أو جرة غاز

عن سوريا تقرأ في الصحف والمواقع الإلكترونية خبرين حتى تكاد تظن ان ثمة مكانين جغرافيين متباعدين على الخريطة يحملان الاسم نفسه (سوريا)، هناك سوريا المكان الوحيد في العالم الذي استخدم فيه السلاح الكيماوي في القرن الواحد والعشرين لأكثر من 222 مرة منذ أول استخدام موثَّق في قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لاستخدام الأسلحة الكيميائية في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2012 حتى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، منها قرابة 217 مرة على يد قوات النظام السوري، و5 على يد تنظيم داعش. وبحسب التقرير فإن هجمات النظام السوري تسبَّبت في مقتل 1510 أشخاص.

وهناك سوريا التي يتفاوض طرفان فيها لم نعد نعلم من يمثل من فيهما على آلية لـ«إصلاح دستوري»، في سبيل حل لـ«الأزمة» السورية، كما يصفها  الطرفان.

ففي الوقت الذي كشفت وقائع تحقيقات ما تعرف بوحدة جرائم الحرب الألمانية، (والتي تعمل وفق قانون تمّ سنّه في ألمانيا عام 2002، يمنح ألمانيا حق الولاية القضائية على الجرائم المرتكبة عالمياً)، أن الأدلة تشير إلى أن ماهر الأسد هو من أعطى الأمرالمباشر باستخدام غاز السارين في هجوم الغوطة في أغسطس (آب) عام 2013، الجريمة التي صدمت العالم يومها، بتفويض من شقيقه رئيس النظام السوري بشار الأسد. كان رئيس وفد المعارضة في اجتماعات اللجنة الدستورية، هادي البحرة يوضح في لقاء صحافي أن ممثلي وفد المعارضة تطرقوا إلى بحث المبادئ الاقتصادية والثقافية وترابطها مع الحل السياسي من خلال تطبيق القرارات الأممية بسلاله الأربع، وبأن «المخرج الوحيد لوقف تدهور الأوضاع بسوريا هو إنجاز مهمة اللجنة الدستورية بأسرع وقت ممكن».
أربعة اجتماعات عقدتها اللجنة الدستورية المنبثقة عن مؤتمر سوتشي 2018 والاتفاق الروسي الإيراني التركي منذ أكثر من عام إلى اليوم، وقبلها تسع جولات لمفاوضات جنيف لبحث الحل السياسي وفق بيان «جنيف-1» والقرار الدولي 2254، كلها باءت بالفشل. ولكن ماذا لو نجحت اللجنة الدستورية؟ أي خرق ستحققه؟ وكيف ستوقف تدهور الأوضاع في سوريا؟ إن كانت وخلال تسع سنوات من العنف الممنهج الذي يمارسه النظام، لم يستطع المجتمع الدولي بسبب 16 فيتو روسي في مجلس الأمن من محاسبة من يرتكب جرائم بحق السوريين، بل حتى إرغامه على وقف جرائمه بما فيها السلاح الكيماوي، ولم تستطع المعارضة فرض أجندة إنسانية وتطبيق بنود جنيف فوق التفاوضية، مثل إطلاق سراح المعتقلين أو رفع حصار عن مناطق مات سكانها جوعا ومرضا؟
على سبيل المثال، وبينما كانت اللجنة الدستورية تعقد اجتماعاتها في جنيف، كان نظام الأسد يواصل سياسته باعتقال المدنيين وخصوصا في محافظة درعا التي تشهد احتجاجات متزايدة ضد القوات الروسية والنظام، وكانت أنباء استشهاد معتقلين تحت التعذيب أيضا تصل إلى الأهالي، كذلك كانت اللجان الحقوقية تسجل وتوثق الاعتقالات والضحايا على يد قوات الأسد على كامل الأراضي السورية.

في جنيف كانت المعارضة الممثلة باللجنة الدستورية تشكو من أن النظام طرح خلال اجتماع اللجنة مواضيع خارج المهمة المنوطة بها، أبرزها موضوع اللاجئين السوريين، والتي تروج روسيا ومعها النظام لعودتهم، وعقدتا مؤتمرا تحت اسمهم في العاصمة دمشق، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلا أن ذلك لم يستدع منهم أي رد فعل حقيقي غير الكلام والتصريحات الإعلامية، لوقف مساعي النظام وروسيا بالتلاعب بمهام عمل اللجنة.
 
لقد نجح كل من نظام الأسد وروسيا بحرف مسار الحل السياسي الذي نص عليه بيان «جنيف-1» والقرار 2254، واستبدلاه بمسارات سوتشي وآستانة، وفرغا القرارات الدولية من مضامينها، ولكن السؤال هو كيف رضخ ما تبقى من مؤسسات للمعارضة بالسير وفقا للخط البياني الروسي دون أن تحيد عنه قيد أنملة؟

فها هي روسيا اليوم، وعلى عكس ما قال وفد المعارضة، تستعجل تثبيت رؤيتها للحل على جميع القضايا، قبل أن يغادر دونالد ترامب البيت الأبيض ويدخله الرئيس المنتخب الديمقراطي جو بايدن، وليس الإصرار على موضوع إعادة اللاجئين وضرورة تهيئة الأجواء لإعادتهم عن طريق إعادة الإعمار، إلا وسيلة للضغط وخلق مسار دولي جديد بالتعاطي مع الملف السوري. وليس قرار الائتلاف قبل أسبوعين بإنشاء لجنة الانتخابات ببعيد عن الرؤية الروسية للحل.
يقول البحرة: «لن نسمح بتعطيل أعمال اللجنة الدستورية»، بينما في الحقيقة لا أعمال لهذه اللجنة سوى تمرير أجندة روسيا بالتوافق مع إيران وتركيا ومن يمثلهم حتى وإن كان ذلك حصل بمباركة من المبعوث الدولي غير بيدرسون وسلفه ديمستورا.
باسم وهم الواقعية رضخت المعارضة مرارا وتكرارا حتى قبلوا بالتخلي عن مسار جنيف وتشكيل هيئة حكم انتقالي لصالح ما فرضه الثلاثي روسيا وإيران وتركيا في آستانة وسوتشي، بينما الواقعية الحقة تستوجب أن تكون المعارضة صوت ضحايا الكيماوي والتعذيب والبراميل، وصوت ملايين اللاجئين والمشردين وصوت الآلاف يقفون بالدور في مناطق النظام بانتظار رغيف خبز أو جرة غاز.
هي سوريا واحدة بخبرين، أحدهما خبر سوري عن حجم معاناة السوريين، والخبر الآخر عن مجموعات باتت أقرب للوهم ولمراعاة مصالح الآخرين من قربها لسوريا والسوريين.